أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة (2)














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة (2)


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 17:58
المحور: الادب والفن
    


ابنة الإبرة والخيط

​"الفقر لا يقتل الأحلام.. لكنه يعلمها أن تمشي حافية."

​في زحمة الطالبات اللواتي يتدفقن كل صباح كالنهر نحو بوابات المدرسة، كنتُ أقف هناك. لم أكن مجرد "مديرة" تحصي الأخطاء، بل كنتُ صائدة أمنيات، أبحث في الوجوه المصبوغة بالخجل عن شيء خفيّ تخفيه الصدور. وفي ذلك العام، استوقفتني هناء.
​لم تكن طالبة الخامس الأدبي استثنائية في مظهرها؛ فتاة هادئة كأنها ظل، تلتزم الصمت وتتجنب الخصومات. لكن في عينيها كان يسكن حزنٌ مبكر، يتحدّاه إصرارٌ يشبه حافة السكين. كانت تمسك دفاترها بحرص من يعرف قيمة الورق، وتأتي بحذاءٍ أُصلح مراراً، كأنها تعبر به طريقاً أطول من عمرها.
​الحلم الجريح
​قالت لي مدرسة اللغة العربية يوماً: "هذه البنت مشروع نبوغ... لكن قلبها مثقل بشيء."
​طلبت ملفها: هناء جبار. والدها متوفى بحادث سير، وأمها تعمل خياطة في البيت. استدعيتها للإدارة، دخلت بخطوات مرتجفة، تسكنها الرهبة التقليدية من المكان. طمأنتها، وسألتها عن حلمها، فرفعت عينيها فجأة وقالت بيقين جريح:
— "أريد أن أكون محامية.. لأن أمي تقول إن الفقير بلا علم يضيع حقه بسهولة."
​سقطت جملتها في قلبي كحجر في بئر عميقة. تلك لم تكن مجرد أمنية، بل كانت دستور حياة صاغته أمٌ مناضلة بدموعها.
​معركة تحت ضجيج الماكينة
​شيئاً فشيئاً، انفتح باب الحكاية: سيارة لم تتوقف لإنقاذ أبيها، تعويض تبخر في ديون قديمة، وأمٌ تحارب الوقت ليلًا خلف ماكينة الخياطة. وحين بدأت درجاتها تهبط، اكتشفنا الوجع الأكبر؛ خالها يريد تزويجها بزعم "الستر".
​استدعيتُ الأم، رأيت في وجهها تعب السنين ورائحة الإرهاق. قالت بدموع محبوسة: "والله يا ست.. ما أريد أضيّع البنية، بس الدنيا صعبة والناس ما ترحم."
​أجبتها بثبات:
— "الناس لا يربون ابنتكِ، أنتِ من تفعلين. والزواج قبل أوانه خسارة لا ستراً. هناء محامية المستقبل، لا تبيعيها بثمن الستر الواهم.. وأنا سأكون معكِ."
​الانتصار الصامت
​لم يكن الكلام سلاحي الوحيد؛ تحركنا بصمت لتوفير القرطاسية والمعونة، بعيداً عن أعين الشفقة. فاللقمة التي تُعطى بكرامة هي التي تبني النفوس.
​وفي امتحان نصف السنة، وقفت هناء أمامي تحمل كشف درجاتها. لم تنطق بكلمة، بل بكت. ضمتتها إلى صدري كما تُضم ابنة نجت من الغرق، وقلت لها: "هذا أول الطريق.. لا تتعبي الآن."
​خاتمة
​في ذلك المساء، أدركتُ أن المدرسة ليست مجرد سبورة وطبشور، بل هي ساحة معركة صامتة. نخسر فيها إن تركنا فتاة تسقط، وننتصر حين نمنحها فرصة لتقف.
​بعض العدالة لا تبدأ في المحاكم.. بل تبدأ هنا، حيث نحرس مستقبلاً صغيراً من أن يُسرق.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص
- بيوت مؤمنة / 5 والاخيرة
- بيوت مؤمنة / 4


المزيد.....




- حفيد ديغول: الفرنسيون يعشقون الثقافة الروسية رغم محاولات تشو ...
- -يُخشى عليها من الاندثار-.. حِرفي عراقي يوثق معالم كركوك الق ...
- مثل العلامة المائية.. سونو تضع بصمتها على موسيقى الذكاء الاص ...
- الفنان المصري طارق الشيخ يعلن انفصاله رسميا عن زوجته بكلمات ...
- بوتين يبعث تحياته إلى الرئيس الكوبي.. وروسيا ضيف شرف معرض ها ...
- بوتين: المجمع الثقافي في فلاديفوستوك سيصبح مركز جذب
- خلال لقائه بوتين.. نحات من بورياتيا يطرح مبادرة لدعم الفناني ...
- عشر حقائق عن الساماور الروسي… من أداة منزلية إلى رمز للتراث ...
- لماذا يعود الشباب الروس إلى الموسيقى الشعبية في احتفالاتهم؟ ...
- مدينة كيريلوف تستلم لقب عاصمة -القلادة الفضية الروسية- في عي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة (2)