أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة ( 10 )














المزيد.....

مذكرات ست سعيدة ( 10 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 14:59
المحور: الادب والفن
    


تراتيل الرخام ​
حين ترمّم القسوةُ شروخَ الروح

​لم أكن أؤمن يومًا أن القسوة تولد من فراغ، كنت أظنها خيارًا يتخذه المرء حين يضيق صدره بالآخرين. لكنني تعلمتُ، متأخرةً قليلًا، أن بعض القسوة ليست سوى "تعبٍ قديم" لم يجد طريقه إلى البكاء.

​كانت "سعاد"، المشرفة التربوية، تُشبه السطور المستقيمة في دفاتر الطالبات: دقيقة، واضحة، ولا تقبل الانحراف. تمشي في الممرات بخطواتٍ محسوبة، وعيناها مجهران يلتقطان "الخطأ" كأنه فريسة. لم تكن تُجمل ملاحظاتها بكلماتٍ لينة، بل كانت تقول الشيء كما هو، عاريًا من التلطيف، حتى ظنّت كثيرات أن قلبها قُدَّ من صخر.


​في أحد الصباحات، بلغت المواجهة ذروتها عند حصة "منى"، المدرسة الجديدة التي كان صوتها يتعثر ارتباكاً. استدعتها سعاد إلى الممر وقالت بنبرةٍ حادة كالمشرط:

— "أستاذة منى.. التهاون مع الضجيج ليس ديمقراطية، إنه فوضى مقنعة. والفرص تُعطى لمن يستعد لها، لا لمن يطلبها بعد السقوط."

​رأيتُ دمعة "منى" تتأهب للنزول، فتدخلتُ بهدوء المديرة التي تحاول رأب الصدع: "أستاذة سعاد، ربما القليل من اللين يفتح مغاليق العقول؟".
نظرت إليّ نظرةً باردة وقالت جملةً هزتني: "الحياة خارج الأسوار لا تعرف اللين يا ست سعيدة، ونحن هنا لنصنع نساءً، لا لنربي أزهاراً زجاجية."

​عدتُ إلى مكتبي بضيقٍ مكتوم، حتى جاء ذلك الاتصال المتأخر.. صوتٌ مكسور خرج من صدرٍ لم ينم منذ أيام: "أستاذة سعيدة.. أنا في المستشفى.. لن أحضر غداً."

​في صباح اليوم التالي، ذهبتُ إليها. وجدتها جالسةً في ممر المشفى البارد، تحتضن ملفاً طبياً وتحدق في الفراغ. لم تكن تلك المرأة "المسطرة" التي أعرفها؛ كانت أصغر، أضعف، وأكثر إنسانية مما توقعت.

همست لي بصوتٍ خافت: "ابني.. العملية لم تنجح.. وأنا عالقة بين مستشفى لا يرحم، ومدرسة لا تحتمل مشاعري."

​سكتت، ثم أضافت جملةً بقيت ترن في داخلي:

"حين تنهار حياتكِ في البيت، تحاولين إمساك ما تستطيعين في العمل بقبضة من حديد، لئلا ينهار كل شيء دفعةً واحدة. الصرامة هي عمودي الفقري الذي يمنعني من الانحناء."

​في اليوم التالي، عادت سعاد إلى المدرسة بنفس الخطوات الدقيقة والنظرة الصارمة. لم يتغير فيها شيء، لكن الذي تغير هو "أنا". لم أعد أسمع كلماتها الحادة كإهانات، بل كنت أسمع خلف كل جملةٍ "نشيجاً" مكتوماً من ليلةٍ طويلة في ممرات المشفى.

​حين وقفت مرة أخرى أمام "منى" لتصحح لها خطأً، رأيتُ منى ترتعد، لكنني لم أتدخل هذه المرة. ليس تخلياً عنها، بل احتراماً لذلك الصراع الذي يخوضه إنسانٌ قرر أن يرتدي "قناع الرخام" ليداري جرحاً ينزف.

لذا ، ليس كل من اشتدّ عليك قاسيًا، وليس كل من جفّ صوته خاليًا من الرحمة. بعض الناس يؤدّون واجبهم وهم يخفون في صدورهم حروباً لا يراها أحد.

​إن العدالة الحقيقية لا تبدأ من الحكم على الظاهر، بل من التريّث.. حتى نرى "ما لا يُقال".



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض


المزيد.....




- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة ( 10 )