أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة (4)














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة (4)


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8653 - 2026 / 3 / 21 - 00:45
المحور: الادب والفن
    


​بشرى.. خياطة الأحلام بـإبرة الصبر

​كانت القاعدة التي تحكمني في ممرّات المدرسة واضحة: "هناك طالبات لا يحتجن لمن يكتشف ذكاءهن، بل لمن يمنع تسربه من ثقوب الفقر". وبشرى كانت هي الثقب الذي يهدد بابتلاع ضوءٍ عبقري.

​لم تكن بشرى من النوع الذي يملأ الساحة صخباً، بل كانت "تضجُّ" صمتاً داخل دفاترها. خطّها الأنيق، ترتيبها المفرط، ودقّتها المتناهية.. كل ذلك كان بمثابة احتجاجٍ ناعم على فوضى العوز في الخارج. كانت تُرتب حياتها بين السطور لأنها لا تملك ترف ترتيبها في الواقع.

​وضعتها تحت مجهري منذ الشهر الأول. لفتني "التقشف القسري" في حركتها؛ انسحاب هادئ من أي نشاط يتطلب درهماً واحداً، وغياب مباغت يشي بوجعٍ مستتر. أرسلتُ "المشرفة التربوية ، سعاد" لتقصي الأثر، فعادت بجملة قصمت ظهري:

​"البنت تعيش على حافة الكفاف.. والأب غائبٌ عن الكادر."

​استدعيتها في حصة فراغ. دخلت بشرى وجلست على طرف الكرسي، كأنها تخشى أن تزاحم الهواء في الغرفة. حين سألتها عن حلم الطب، أجابت بابتسامة باهتة: "إذا قَدِرت..". تلك الـ "إذا" لم تكن شكاً في العقل، بل كانت "تعباً في الروح" وقِصراً في اليد.

​لم أحتمل الوقوف على الرصيف. زرتُ بيتهم؛ بيتٌ يفوح برائحة الكبرياء رغم ضيقه. أمٌّ تحارب الانكسار بالإبرة والخيط، وجدٌّ يرى في التعليم "ترفاً" لا تسعه الجيوب الخاوية.

​حين قال لي الجد بمرارة: "يا ست.. الطموح يريد جيباً طويلاً"، نظرتُ في عينيه المتعبتين وقلت بيقين: "لا يا عم.. الطموح يريد قلباً لا يخون صاحبه في منتصف الطريق. هذه البنت لن تصبح طبيبة لنفسها، بل ستداوي جراح هذا البيت كله".

​انتهت الجلسة بكلمة "على بركة الله"، وبدأت رحلتي في حماية هذا الحلم. لم تكن الكتب التي أقدمها لها "صدقة"، كنت أحرص أن تصلها كـ "استحقاق" لمقاتلة في ساحة العلم.

​في الليلة التي سبقت الامتحان الكبير، تخيلتُ بشرى. كانت وحدها تحت ضوء مصباح شحيح، تطارد الحروف بينما يغطُّ البيت في نومٍ ثقيل. لم تكن تذاكر لتنجح، كانت تقاتل لتنجو.

​رأيتُها في خيالي تضع يدها على الدفتر، تغمض عينيها وتستحضر تعب أمها ونظرة جدها وصوتي الذي يهمس لها: "أنا معكِ". في تلك اللحظة، لم تعد بشرى مجرد طالبة، صارت مشروع وطنٍ صغير يأبى الهزيمة.

​يوم النتائج، لم يكن التصفيق في الساحة لبشرى وحدها. حين اعتلى اسمها قمة القائمة، كنتُ أرى "المعطف الأبيض" يلتف حول جسدها النحيل قبل أن ترتديه فعلياً.

​اقتربت مني، عيناها تلمعان بدموعٍ غسلت سنوات الحرمان. لم تنطق بكلمة، لكن عناق نظراتنا كان يقول كل شيء. لقد أدركتُ يومها أن:

​الأحلام الكبيرة لا تُولد في القصور. ​الانتصارات الحقيقية تُحسم في الغرف الضيقة. ​وأن المعطف الأبيض يبدأ من نظافة الضمير وقوة الإرادة، لا من قماش المختبرات.

​ولكن هناك سؤال ، هل تظن أن دور المعلم او المدرس ينتهي عند حدود "السبورة"، أم أن مهمته الحقيقية تبدأ حين تنطفئ مصابيح المدرسة؟



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع
- صحنُ الدولمة الأخير
- مقعد في آخر الباص


المزيد.....




- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب
- وفاة نجم أفلام الحركة والفنون القتالية تشاك نوريس
- ماذا يفعل الأدباء في زمن الحرب؟
- حينما أنهض من موتي
- كسر العظام
- وفاة تشاك نوريس عن 86 عاما.. العالم يودع أيقونة الأكشن والفن ...
- -مسيرة حياة- لعبد الله حمادي.. تتويج لنصف قرن من مقارعة الكل ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة (4)