أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ​مذكرات ست سعيدة (8)














المزيد.....

​مذكرات ست سعيدة (8)


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8657 - 2026 / 3 / 25 - 09:48
المحور: الادب والفن
    


تقديم

​في هذه الحلقة من "مذكرات ست سعيدة"، نقترب من واحدة من أكثر الشخصيات صمتاً في أروقة المدرسة.. مدرّسة لغة عربية ظن الجميع أن الوقار هو رداؤها الوحيد، قبل أن نكتشف أن خلف "قواعد النحو" قلباً كان ينتظر إذناً قديماً ليعيش. هل الصمت دائماً حكمة؟ أم أنه أحياناً مجرد طريقة مهذبة لتأجيل الحياة؟

​زينب: التي أخفت قلبها بين دفاتر الإنشاء

​لم أتعلم قراءة الوجوه من ملامحها..
بل من الصمت الذي يسبق الكلام، ومن الكلام الذي يرفض الخروج.
بعض النساء لا يحتجن إلى البكاء لكي نعرف أنهن متعبات..
يكفي أن نرى كيف يبتسمن بانتظام زائد، كأن الابتسامة واجب مدرسي.
كانت "زينب" واحدة من هؤلاء.
​لم تكن أكثر المدرّسات حضوراً في المكان، لكنها كانت الأكثر ثباتاً فيه.
تمشي كما لو أنها لا تريد أن تزعج الهواء، وتتكلم كما لو أنها تزن الكلمات بميزان من ذهب.
في صفها، كانت اللغة العربية تبدو أقل غربة..
لم تكن تشرح النصوص، بل كانت تنفخ فيها من روحها لتعيدها إلى الحياة.
وحين تطلب من الطالبات أن يكتبن، كانت تقول لهن:
— "لا تكتبن ما يُرضي المدرسة.. اكتبن ما لا تستطعن إنكاره أمام أنفسكن."
وكنتُ، كلما سمعتها، أشعر أنها لا تعلّمهن.. بل تكتب اعترافاً تأخر سنوات.
​راقبتُها طويلاً، ليس لأنها مثيرة للمشاكل، بل لأنها صامتة أكثر مما ينبغي.
والصمت يا شريكي ليس دائماً وقاراً..
أحياناً يكون طريقة مهذبة لدفن شيء ما زال ينبض في الداخل.
عرفتُ قصتها دون أن تحكيها؛ أبٌ رحل مبكراً، وأعمارٌ أُجّلت، وحياةٌ عاشت نفسها كواجب ثقيل لا كخيار حر.
هي من النساء اللواتي لا يخسرن كل شيء فجأة..
بل يخسرن أنفسهن على أقساط يومية تحت مسمى التضحية.
​في ذلك الشتاء، تغيّر شيء صغير في وجهها.
ليس فرحاً صريحاً، بل ارتباك خفيف، كأن قلباً قديماً استيقظ فجأة ولم يتعرف على نفسه.
عرفتُ السبب قبل أن أعرف التفاصيل: "رجل".
ليس أي رجل، بل ذلك النوع الذي لا يقتحم الحياة بالضجيج، بل يدخلها من باب المعنى والهدوء.
الدكتور سامر.
رأيته مرة، وكان هدوءه يشي بامتلاء كبير..
ومن هذا النوع تحديداً، تبدأ الزلازل الصامتة.
​لم تسألني النصيحة، لكنني دعوتها لمكتبي.
جلست أمامي كما تجلس الطالبات حين يخفن من سؤال لا يملكن صيغته.
سألتها عن أشياء عادية، ثم قلت لها ما كنت أعرف أنه سيصيب الهدف:
— "يا زينب، لا تجعلي الوقار سجناً.. فالقضبان تظل قضباناً وإن كانت من حرير."
​رأيتُ العبارة تقع في داخلها، لا على أذنها.
ترددت.. ثم همست: "أخاف من كلام الناس".
ابتسمتُ لها وقلت: "الناس لا يتعبون من الكلام، هم يتعبون فقط حين لا يجدوا ما يتحدثون عنه، وإذا لم تعطيهم حقيقة.. اخترعوا لكِ قصة. المرأة لا تُدان لأنها احتاجت أحداً، تُدان فقط إذا تخلت عن روحها لترضي الآخرين."
​خفضت رأسها، وفي تلك اللحظة لم تعد مدرسة أمامي..
بل امرأة تحاول أن تتذكر إن كان لها حق في أن تختار "السكينة".
بعد أيام، جاء القرار. لم تخبرني، لكن الوجوه لا تخفي القرارات الكبيرة مهما صمتت.
قال لها إنه لا يريد عابراً في حياته، بل يريد "وطناً"..
وأنا أعرف هذا النوع من الرجال؛ لا يطرقون الأبواب إلا إذا كانوا ينوون البقاء.
​جاءت الزيارة للبيت، هادئة وصادقة كما يجب أن تكون الأشياء الحقيقية.
وقالت لها أمها جملة واحدة، لكنها كانت تختصر عمراً:
— "مو كل تأخير حكمة يا بنتي.. أحياناً يكون ظلماً لنفسك."
​في اليوم التالي، رأيتها واقفة تحت شجرة النارنج في ساحة المدرسة.
كانت لا تفعل شيئاً، وهذا بالضبط ما كانت تفعله: تحاول أن تصدق أن الحياة قد تعود لتزهر.
اقتربت منها، لم أسأل، قلت فقط:
— "الشجاعة ليست في إغلاق الباب، الشجاعة في امتلاك القوة لفتحه مرة أخرى."
​نظرت إليّ، ولأول مرة، لم أرَ "المدرّسة".. رأيت "الأنثى".
قالت بضعف جميل: "ادعي لي يا ست سعيدة".
قلت لها: "الله يكتب لكِ شيئاً لا يخجلكِ.. ولا يكسركِ أبداً."
​لم يحدث شيء كبير في المدرسة، لا إشاعة مؤكدة ولا قصة تُروى.
لكن الطالبات بدأن يلاحظن شيئاً لا يُدرّس في الكتب:
أن مدرستهن، حين تقرأ نصاً عن "الونس" أو "الأمان"..
تتوقف لحظة، تغمض عينيها..
كأنها تجرب الكلمة على قلبها قبل أن تمنحها لغيرها.
​أما أنا.. فكنت أعرف.
بعض النساء لا يحتجن إلى حب جديد يغير معالم حياتهن..
بل يحتجن فقط إلى "إذن قديم" من أنفسهن..
أن لهن الحق في ألا يعشن العمر كله كأنهن "نجون" من الحياة..
بل كأنهن "عاشوها" فعلاً.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ


المزيد.....




- بعد 9 قرون تحت مظلة الأزهر.. قانون جديد ينقل -الكتبخانة- لرئ ...
- حاكم الشارقة يفتتح الدورة الـ 35 من أيام الشارقة المسرحية
- ياسين طه حافظ
- بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج ...
- هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا ...
- رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
- انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول ...
- تضارب الروايات بين الصيانة والهجمات بعد وقف الغاز الإيراني ل ...
- -العلم الزائف-.. كيف يُختطف الدين باسم المختبر؟
- نوفل تصدر -أشواك حديقة تورينغ-.. أولى روايات اللبنانية رنا ح ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ​مذكرات ست سعيدة (8)