أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 6 )














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة ( 6 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 16:52
المحور: الادب والفن
    


​حين يطرقُ السّمُّ أبوابَ البراءة

​بعضُ الشرور لا يقتحمُ القلاعَ عنوةً، بل يتسللُ إليها في صمتٍ مريب، مخبأً بين دفاتر الرسم وعلب الأقلام. كنتُ أعرفُ هذا النوع من الخبث؛ شرٌ لا جلبة له، لكنه كالصدأ، إذا استقرَّ في معدنٍ أفسده حتى النخاع.
​منذ الأيام الأولى، لم يطمئن قلبي لـ "مروة". لم تكن طالبةً مشاكسة بالمعنى التقليدي الذي اعتدناه، بل كانت أدهى؛ ذكاءٌ ملتوٍ، وقدرةٌ غريبة على التلون، وسلطةٌ خفية تجذبُ الفتيات الضعيفات حولها، وكأنها خبيرةٌ بالثغرات التي يُؤكل منها القلبُ الغرير. كانت تتحركُ كظلٍ مريب في الساحة.. تقتربُ من هذه، تهمسُ لتلك، تسلّمُ شيئاً صغيراً بلمحةِ عين، ثم تنسحبُ كأن لم يكن.
​"قلتُ لنفسي في البداية: ربما هو هاجسُ المعلمة القلقة.. لكن حين سقطت أولُ طالبةٍ في الصف بدوارٍ غريب، أدركتُ أن رائحة الموت قد دخلت مدرستي."

​لم أكن لأسمح للخراب أن يتفشى. راقبتُ بصمت، وحولتُ ليلى وسعاد إلى أعينٍ لا تنام، حتى تجمعت الخيوط في يدي. لقاءاتٌ خاطفة، واختفاءاتٌ متكررة في دورات المياه، ثم.. الحبة اللعينة.
​حين استدعيتُ "مروة"، دخلت المكتب بصلابةٍ مُستعارة، لكن عينيها كانتا تشي ببركانٍ من القلق. فتحتُ درج مكتبي ببطءٍ مدروس، وضعتُ الكيس الشفاف أمامها، وثبتُّ نظري في عينيها. في تلك اللحظة، رأيتُ حصونها تتهاوى. شهقت بخفوت وتمتمت: "مو إلي ست.. والله مو إلي."
​اقتربتُ منها، ولم يكن صوتي هذه المرة صوت عقاب، بل صوت نجاة: "مروة، أستطيعُ الآن أن أُنهي مستقبلكِ وأسلمكِ للشرطة.. لكنني سأعطيكِ فرصة واحدة، بشرط الصدق. مَن الذي يزودكِ بهذا السم؟"
​انفجر البركان. بكت "مروة" بكاءَ طفلةٍ ذعورة، لا تاجرةِ سموم. قالت إن شقيقها غارقٌ في الإدمان، وأن ذئاباً بشريين يستغلونه، وأوهموها بأن توزيع هذه الحبوب هو ثمنُ حمايته. كانت ترتجفُ كعصفورٍ سقط في فخٍ لم يصنعه.

​في تلك الليلة، وجدتُ ورقةً تحت باب منزلي تحملُ نذيراً: "ابتعدي عما لا يعنيكِ."
لم أرتجف. مزقتُ الورقة ببرود، وجلستُ أرسمُ خارطة المواجهة. الست سعيدة ليست مجرد "واعظة"، بل هي حائط صد. لم أذهب إلى المركز بضجيج الشكوى الرسمية التي قد تنهي حياة "مروة"، بل استدعيتُ "أبا صهيب"؛ أحد أولياء الأمور الذين أثق بهم ويشغل منصباً رفيعاً في مكافحة هذه الآفات.
​قلتُ له بقوة: "يا أبا صهيب، مدرستنا أمانة، وعندي خيطٌ يوصلكم إلى رؤوسٍ كبيرة، بشرط أن يظل اسم الطالبة ومدرستي في مأمن من المحاضر الرسمية."
​في اليوم التالي، وبإشرافي المباشر، وضعتُ "مروة" في اختبارٍ أخير. طلبتُ منها أن تتصل بذاك الذي يزودها، وتخبره بكلمة سرٍّ اتفقنا عليها، موهمةً إياه بأنها تريد كمية أكبر. في تلك الساعة، كنتُ أديرُ كميناً أمنياً صامتاً من خلف زجاج مكتبي العتيق. رأيتُ من بعيد تلك السيارة المريبة تُحاصر ويُقبض على من فيها بلمح البصر.
​"حين أومأ لي أبو صهيب بعلامة النصر من بعيد، عرفتُ أنني لم أنقذ مروة وحدها، بل قطعتُ يد الغول التي كانت تمتد لتعبث بحقائب بناتي."

​انتهى الأمرُ خارج الأسوار كما خططت. اختفى الغرباء تماماً، وعادت الساحة لهدوئها المعتاد. أما "مروة"، فقد انكسر في داخلها شيءٌ ما، لكن نجا في روحها شيءٌ أغلى. كانت تمرُّ بجانبي فتخفضُ رأسها؛ ليس خوفاً، بل خجلاً ممزوجاً بامتنانٍ صامت.
​أدركتُ حينها أن الشرَّ حين يدخل المدارس، لا يكفي أن نطرده.. بل يجب أن نفهم الثغرات التي جعلته ممكناً. أغلقتُ باب المدرسة خلفي في ذلك اليوم، وأنا أنظرُ إلى مئات الحقائب الملوّنة التي تخرجُ مع الطالبات. لم أعد أراها كالسابق؛ فخلف كل سحابٍ مغلق، قد يختبئُ مستقبلٌ ناصع.. أو سمٌ يتربصُ بالجميع، ينتظرُ عيناً تغفلُ لثانية.
​بينما كنتُ أضعُ مفاتيح المدرسة في حقيبتي، لفتت نظري ورقةٌ قديمة مطوية في زاوية الدرج، كانت تخص طالبةً أخرى رحلت منذ سنوات، تركت خلفها لغزاً لم أجرؤ على فتحه آنذاك.
​وضعتُ المفاتيح فوقها، وقلتُ لنفسي:
"يا سعيدة، الأبواب التي نغلقها اليوم.. قد تكون هي نفسها التي ستُفتح غداً لنواجه حكايةً أكثر تعقيداً."



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود
- السطح يرى الجميع


المزيد.....




- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات
- أتيتُ ببرهانٍ عقليٍّ قطعيٍّ على وجود الروح!
- ألف حكاية شعبية من الفيوم.. سر الذاكرة المصرية المنسية
- الحرب كـ -لعبة فيديو-.. كيف يسوق البيت الأبيض الصراع مع إيرا ...
- التشيع العربي والفارسي تاريخياً
- من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “النووي الإيراني”.. بعد 23 عام ...
- معركة الكرامة: حكاية آخر مواجهة اتحد فيها المقاتلون الفلسطين ...
- الروبوت أولاف.. كأنّه قفز من شاشة فيلم لشدة واقعيّته
- يورغن هابرماس.. فيلسوف الحوار الذي صمت حين كان الكلام أوجب


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ( 6 )