أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ​( 7 )














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة ​( 7 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 22:32
المحور: الادب والفن
    


رمادُ الوصم.. وحريقُ الروح

​تعلمتُ عبر سنواتي في أروقة المدارس أن السلوك المنحرف ليس دائماً رغبةً في السقوط، بل هو أحياناً محاولة يائسة ليُرى الإنسان وهو يغرق. بعض البنات لا يتمرّدن استعراضاً للقوة، بل لأن أحداً لم يعلّمهن كيف يتألمن دون أن يصرخن، فاستبدلن الصرخة بالدخان.

​كانت نسرين حالة تسبقها سمعتها. ضحكٌ في غير موضعه، استهتارٌ مدروس، وأحاديث أكبر من عمرها بكثير. كانت تتعامل مع الوقاحة كأنها "خندق دفاعي"، ومع العبث كأنه تعريفٌ وحيد لنفسها. لكن الحد الفاصل جاء حين ضُبطت تدخن قرب السطح، تمسك السيجارة بثباتٍ مصطنع، وتعرضها على زميلاتها كأنها تمنحهن تذكرة مجانية للهروب من الواقع.
​استدعيتها. دخلت تمضغ العلكة بآلية مستفزة، ترفع ذقنها قليلًا كأنها تحاول استطالة قصر قامتها أمام سلطة المدرسة.
— "أخرجي العلكة."
أخرجتها ببطء، وعيناها تدوران في الغرفة ببرود زجاجي.
— "تدخنين داخل المدرسة؟"
— "لا."
— "كذبتِ.. والأسوأ أنكِ تجرين غيركِ للهاوية."
— "شنو يعني ست؟ كلها سيجارة."
ضربتُ الطاولة ضربة واحدة، ليس غضباً، بل لهدم ذلك الجدار الشمعي الذي تختبئ خلفه:
​"السيجارة التي تشتعل هنا يا نسرين، قد تلتهم مستقبلكِ كله خارج هذه الأسوار."
​بدأتُ أبحث خلفها، فاكتشفتُ واقعاً أثقل من أن يحمله قلب مراهقة: أبٌ غائب في غياهب النسيان، وأمٌّ تعمل في "بار" لتعيل بيتاً يقتاتُ على التعب المرير.
حين دخلت الأم غرفتي، صُدمتُ بملامحها؛ وجهٌ تعبث به تجاعيدُ القلق رغم محاولات إخفائها بطبقة سميكة وباهتة من "المكياج" الرخيص الذي تفرضه مهنتها، وعينان منكسرتان تلمعان ببريق الاعتذار الدائم من الحياة.
بمجرد أن قلت لها: "أنا لا أسأل عن عملكِ.. بل عن ابنتكِ"، انهار ذلك القناع الملون:
— "والله يا ست.. أشتغل حتى أعيشها، ماردتها تطلع مثلي."
هنا صرخت نسرين بمرارة هزت كياني .
— "كل البنات يحكون عليّ.. لأن أمي تشتغل ببار. إذا هم يشوفوني زبالة.. خليني أصير مثل ما يريدون!"
​في تلك اللحظة، لم أرَ فتاة منحرفة، بل رأيت حكماً اجتماعياً جائراً يمشي على قدمين. قلت لها بهدوء:
​"الناس قد يظلمونكِ.. لكن أسوأ ما يمكن أن تفعليه هو أن توقّعي على ظلمهم وتصدقيه. تملكين أن تختاري نفسكِ، قبل أن يختاركِ هذا الطريق.

​لم نكتفِ بالعقوبة، بل منحناها "فرصة البدء". أشركناها في نشاط مدرسي موضوعه: (الإنسان لا يختار بيئته.. لكنه يختار مصيره).
في البداية كانت تسخر، ثم قبلت بتشكيك. ومع الأيام، بدأ شيء خافت يتغير في عينيها؛ انطفأت نظرة التحدي الوقحة وحلّ محلها "خجلٌ" نبيل لم أره فيها من قبل.
​وفي يوم الفعالية، وقفت نسرين أمام الطالبات. يداها ترتجفان، وصوتها الذي كان يوماً يصدح بالتمرد، صار يتعثر بصدقٍ جارح. لم تكن كلماتُها منمقة، لكنها كانت طالعة من "تنور" وجعها الخاص، فكان التصفيقُ حين انتهت مختلفاً.. كان تصفيقاً لمحاولة فَهْم، لا لمحاكمة.

​بعد الدوام، جاءت الأم تحمل علبة حلوى متواضعة، وقد مسحت عن وجهها تلك الأصباغ الزائدة، بدت أكثر صفاءً وكرامة.
نظرتُ إلى نسرين الواقفة عند الباب؛ صامتة، بلا قناع. تقدمت خطوة، أخرجت من جيبها علبة السجائر، نظرت إليها طويلاً كأنها تنظر إلى قيدٍ قديم، ثم رمتها في سلة المهملات.
​سقطت العلبة بصوتٍ خافت، لكن نسرين بقيت تحدق فيها طويلاً.. طويلاً جداً، قبل أن ترفع رأسها نحوي وتغادر دون كلمة.
بقيتُ أنا أنظر إلى تلك السلة، وأفكر بمرارة المعلمة والأم:
كم من الأشياء التي نظن أننا تخلصنا منها، تظلّ في زوايا أرواحنا تنتظر لحظة ضعف لتعود؟
ليس كل دخانٍ علامة فساد.. بعضه أثر حريقٍ نشب في الروح، ولم ينطفئ تماماً بعد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2
- خربشات قلم
- أصحاب الأرض
- زلزال في كفة الميزان
- نزيف الصمت في مقهى الكرخ
- رسالة من وراء الحدود


المزيد.....




- حمار على ظهره بردعة
- أصيلة بين جمال الذاكرة وفوضى الرسم على الجدران
- فيلم -السلم والثعبان 2- تحت النار.. لماذا أثار كل هذا الجدل؟ ...
- -زمن مغربي-.. شهادة من داخل دوائر القرار تكشف تحولات نصف قرن ...
- هل أهان ترمب ستارمر؟.. المنصات تتفاعل مع المقطع الكوميدي الس ...
- -نعم، أعرف اسمه-... من سيخلف المدرب ديشان على رأس الإدارة ال ...
- يحاكي ضربات فرشاة كبار الفنانين.. روبوت يعيد تصوّر لوحات الح ...
- نص سيريالى (يَقظَة تَحلُم بِنَا) الشاعرمحمد أبو الحسن.مصر.
- الأعياد: نافذة الروح على ضوء الذاكرة
- في مديح السؤال: حين تتوارى الحقيقة خلف ضجيج الإجابات


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ​( 7 )