أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 2 )














المزيد.....

مذكرات سائق تكسي ( 2 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 15:07
المحور: الادب والفن
    


​الراكب الذي لم ينزل

​في مهنتي، المحرّك ليس هو الشيء الوحيد الذي يستهلك طاقته في الدوران؛ ثمة أرواحٌ تدور حول جراحها في المقعد الخلفي. تعلّمتُ مبكراً أن الأبواب حين تُفتح، لا يغادر الجميع؛ بعضهم يخرج بجسده ويترك "ثقله" عالقاً في سقف السيارة، كدخان سيجارة لا يتبدد.
​أوقفني عند ساحة بيروت؛ شابٌّ كان يرتدي "هيبةً" زائفة، لكن نظراته كانت مشتتة كأوراق خريفٍ في مهب ريح بغدادية. لم يمنحني وجهة، بل منحني هروباً:
— "خُذني إلى أي مكان.. الحركةُ هي ما أحتاج، لا الوصول."
​تحركتُ. كانت شوارع بغداد في تلك الساعة تشبه لوحة "سريالية" لم تكتمل؛ الغروب ينسكب فوق الأسطح، والزحام يخنق الصرخات المكتومة. نظرتُ إليه عبر المرآة — تلك النافذة الصغيرة التي أختلس منها النظر إلى حطام الآخرين — فسألني بصوتٍ قادم من بئرٍ سحيق:
— "هل تعتقد أن الإنسان يملك حق التنازل عن نفسه؟"
​لم أجب؛ فالأسئلة الكبرى في سيارات الأجرة تُطرح لتُرمى في الطريق، لا لتُحلّ. توقفتُ بناءً على رغبته قرب مقهى قديم، مكانٌ تفوح منه رائحة "الأمس" أكثر من رائحة القهوة. حدق فيه طويلاً، ثم عاد والبرد يسكن صوته:
— "هنا كانت الخططُ بسيطة، كحلمِ طفل. لكن الحياة تفضل التعقيد. رفضوني يا كابتن.. قالوا إنني (غير كافٍ). والوجع ليس في الرفض، بل في اللحظة التي تنظر فيها إلى المرآة وتصدقهم."
​انطلقنا مجدداً بلا بوصلة. اعترافه حوّل السيارة إلى "صومعة" اعتراف. وفجأة، وبنبرة خالية من الحياة، قال:
— "اليوم زفافها. وقفتُ بعيداً، كشبحٍ لا يراه المدعوون. كانت تضحك.. تمنيتُ لو كنتُ غريباً تماماً، فالغرباء لا يحملون عبء الذاكرة."
​عند جسر التحرير، حيث يمتد دجلة كشريانٍ صبور، طلب النزول. وقف عند الحافة، وكأنه يزن خياراته بين البقاء والعدم. لكنه عاد سريعاً، بابتسامةٍ مرّة سخر فيها من نفسه: "لا تقلق.. النجاة أحياناً تكون بسبب نقصٍ في الشجاعة".
​حين غادر أخيراً، أغلق الباب بهدوءٍ كان أقوى من أي انفجار. انتظرتُ طويلاً قبل أن أتحرك. نظرتُ إلى المقعد الخلفي؛ كان فارغاً تماماً، لكن السيارة كانت ثقيلة، ثقيلة لدرجة أن المحرك كاد أن ينطفئ.
​منذ ذلك اليوم، كلما صعد معي عابرٌ صامت، لا أنظر إلى وجهه، بل أراقب "ظله" في المرآة؛ لأتأكد هل سينزل حقاً حين يفتح الباب، أم أنه سينضم إلى طابور أولئك الذين يسكنون سيارتي.. ولا يغادرون أبداً.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2


المزيد.....




- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...
- المثقف العربي في مواجهة -الترند-: هل فقدت النخبة سلطة التأثي ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي عن عمر ناهز 56 ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مارجان ساترابي مؤلفة رواية - ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 2 )