أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة














المزيد.....

مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


قيامة الأقنعة

​في حضرة الانكسار.. حين تُمتحن الروح لا الذاكرة
​لم أكن أخشى الامتحانات يوماً كتقييمٍ للمعلومات، بل كنتُ أخشى ما تقترفهُ من "تعرية". فالأسئلة الوعرة لا تجدها فوق الورق المصقول، بل تراها تنبتُ فجأةً كأخاديد على الوجوه حين يضيقُ الوقت، وتسقطُ القدرة على التمثيل، ويصبح المرءُ وحيداً أمام حقيقته.
​في ذلك الصباح، استيقظتُ قبل المنبه بمسافة قلق. لم يكن جفاءً للنوم، بل كان نداءً داخلياً يُلحّ عليّ بأن ثمة "زلزالاً" صامتاً ينتظر خلف الباب، يوماً لن نخرج منه كما دخلنا.. يوماً ستسقط فيه الأدوار الموزعة علينا بعناية.
​هيبة المكان وقلق البشر
دخلتُ المدرسة والصمتُ يغلف الساحة كصلاةٍ مؤجلة. مررتُ كفي على الطاولات الخشبية الباردة، على مقابض الأبواب التي أكلتها الأيادي، وعلى شقوق الجدران.. كنتُ كمن يطمئن المكان: "اليوم سنُختبر جميعاً يا صديقتي.. لا الطالبات وحدهن".
​عند البوابة، كان أبو سليم يقف بصلابةٍ تثير الريبة، كأنه يحاول إسناد السماء بظهره. انكسرت نبرته حين رآني وهمس:
— "ست.. اليوم لازم نكون حذرين، أكو حجي عن غش".
أومأتُ له بأسى. فالعالم لا يغش في قاعات الامتحان؛ الغش يبدأ حين نعلّم الصغار أن "النتيجة" أهم من "الإنسان".
​في غرفة الإدارة، كانت سعاد ترتب الأوراق بدقةٍ هندسية مفرطة، وكأنها ترمم شتات نفسها عبر ترتيب الورق. وجهها كان قناعاً من الثبات المحسوب، لكن عينيها كانتا تشيان بليلةٍ مثقلة بوجع البيوت المستور. لم أسألها؛ فالمدارس أحياناً لا تتسع لفيضانين في آنٍ واحد.
بدأ الامتحان. ساد ذلك الهدوء الخادع الذي يسبق العواصف. ثم بدأت الحقيقة بالتسرب كأثر ماء في سقفٍ قديم.
جاءتني مدرسة تهمس عن طالبة تخفي "قصاصة". اقتربتُ منها، لم أكن أبحث عن "جرم"، بل كنت أبحث عن "خوف". حين التقت أعيننا، رأيتُ كائناً يرتجف من فكرة السقوط في عين المجتمع. سحبتُ الورقة ببطء وقلت لها بصوتٍ هو أقرب للمواساة:
— "أنتِ لستِ بحاجة لهذه الورقة.. أنتِ بحاجة فقط أن تثقي أنكِ أكبر من مجرد علامة".
بكت.. وكان بكاؤها هو "الاعتراف" الذي يغسل الخطايا.
​فجأة، انطفأ الضوء. غرق المكان في عتمةٍ كاشفة، وتحول الهمس إلى ذعرٍ جماعي. في تلك العتمة، سقطت "الرتب" الوظيفية.
صوت تماضر الذي كان يوزع الأوامر بصلف، بدأ يرتعش وهي تحاول التهدئة. أما أم نوفل "الفراشة"، فقد كانت هي النور البديل؛ تفتح النوافذ، توزع الماء، وتمسح على الرؤوس بكلمة واحدة: "لا تخلين الظلمة تكسر واهسچن". أدركتُ حينها أن السلطة قد تدير مدرسة، لكن "الحنان" وحده هو من يدير الأزمات.
ثم جاءت الصرخة. طالبة هوت على الأرض كأن خيط الحياة ارتخى بها.
هنا، حدثت المعجزة. تلاشت المسميات الطبقية والوظيفية تحت وطأة الفطرة. أبو سليم دخل القاعة كأبٍ مفزوع، تماضر أمسكت يد الفتاة رغم خوفها من المرض، سعاد نظمت الفراغ لتمنع الفوضى، وأم نوفل كانت تمسح جبين الفتاة بحنانٍ يختصر كل فلسفات الوجود.
​في تلك الدقائق الصعبة:
​غابت المديرة، والمدرسة، والعاملة..
​وحضر "الإنسان" فقط.. عارياً من لقبه، ملتحماً بوجع الآخر.
انتهى اليوم. خرجت الطالبات بوجوهٍ غسلها التعب الجميل. بعضهنّ نجحن في الإجابة على الورق، وبعضهنّ نجحن في الشيء الأصعب: أن يبقين "حقيقيات".
​جلستُ في مكتبي وحدي، أسندتُ رأسي إلى الماضي وأغمضتُ عيني. تساءلتُ بهدوءٍ يشبه النعاس: "هل كنتُ اليوم مديرة.. أم إنسانة؟".
وجاءني الجواب: نحن لا نُختبر حين نحمي النظام، بل نُختبر حين ينهار النظام، فنبقى "نحن".
​في ذلك اليوم، لم يسقط الغشّ وحده.. بل سقطت "الأقنعة" التي نرتديها لنواجه بها العالم. وبقيت الحقيقة وحدها.. عارية، صلبة، وبلا زينة.


ختامُ المذكّرات:
صدى الجرس الأخير
​هنا.. يهدأُ ضجيجُ الطباشير، ويستريحُ الجرسُ المثقلُ بالنداءات.
​لقد كانت مذكراتُ الست سعيدة أكثر من مجرد يومياتٍ عابرة في أروقة مدرسة؛ كانت محاولةً لترميم الإنسان في زمن الانهيارات، وقراءةً في الوجوه التي عبرت تلك الساحة، حاملةً معها أحلاماً صغيرة وخيباتٍ كبيرة.
​تُغلق السيدة سعيدة دفترها اليوم، لا لأن الحكايات انتهت، بل لأنها أتمّت رسالتها في تحويل "الوظيفة" إلى "موقف"، و"الإدارة" إلى "احتواء". تتركُ خلفها جدراناً تحفظُ صوتها، وطالباتٍ يحملنَ في حقائبهنَّ شيئاً من صلابتها، وزملاءَ أدركوا معها أنَّ القناعَ مهما كان مُتقناً، لا يصمدُ أمام حرارة الصدق.
​انتهت المذكرات ككلمات.. لكنها بدأت الآن كأثرٍ لا يُمحى.
​أتمنى أن تكون راقت لكم .

المؤلف



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة


المزيد.....




- لكل شعب -جحاه-.. أحمق حكيم أم معارض هز عروش الأقوياء؟
- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة