أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة ( 12 )














المزيد.....

مذكرات ست سعيدة ( 12 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 23:03
المحور: الادب والفن
    


سادنُ الرمق الأخير

​في المؤسسات التي ترفع شعار "النظام الصارم"، تتحول الوجوه أحياناً إلى امتداد لبرودة الجدران، لكنني تعلمتُ مع الوقت أن خلف كل بابٍ مُغلق، يقف بشرٌ يحرسون ما تبقى من شظايا أرواحهم، لا ما كُلّفوا به من عُهدةٍ فقط. لم أؤمن يوماً أن الأبواب مجرد أخشابٍ صماء؛ فبعض الأبواب، إن أمعنتَ النظر في تفاصيلها، وجدتَها السدّ الأخير الذي يمنع انهيار حياةٍ كاملة.

​كان أبو سليم يقف عند بوابة المدرسة كأنه نُصبٌ تذكاري نبت من الأرض، لا يتحرك إلا للضرورة، ولا يبتسم إلا في ممرّات الذاكرة. لم تكن مهمته منع الغرباء فحسب، بل كانت مهمته الحقيقية هي منع "الفوضى" من أن تتسرب إلى الداخل. الطالبات يسلّمن عليه بخفة؛ بعضهن يخشينه كظلّ القانون، وأغلبهن يشعرن بالأمان بوجوده، أما أنا.. فكنتُ أرى في صمته شيئاً لا يُقال، صمتاً يشبه صمت الجبال التي تخبئ تحت ثقلها براكين منسية.

​ذات ظهيرة، انكسر هذا السكون؛ شابٌ يحمل غطرسة غريبة حاول اقتحام الحرم المدرسي، وقف أبو سليم أمامه كجدارٍ من كونكريت لا يتزحزح. ارتفع الصوت، واحتدّت النبرة: "ماكو دخول.. المدرسة مو ممر مشاة!". كان صوته حاداً بوجعٍ غير معهود، فيه حرقة لا تنتمي للوظيفة، بل لشيءٍ أعمق. حين تدخلتُ وأنهيتُ الموقف، لم تكن عيني على الشاب المستهتر، بل كانت على أبي سليم.. كان واقفاً في مكانه، لكن شيئاً ما في أعماقه كان يرتجف.

​في اليوم التالي، استدعيتُه لمكتبي. دخل بترددٍ غريب، كأن العتبة التي يحرص على حمايتها كل يوم صارت أثقل من أن يخطوها. سألتُه بهدوء: "أبو سليم.. شبيك؟ الشدة قوة، بس مرات تكون غطاء للتعب". في تلك اللحظة، سقط الجدار الأول؛ رفع عينيه التي غطاها الانكسار وقال ببطء: "ست.. ابني ضيّع طريقه وما عاد، والبنية ذبلت قبل أن تشبّ، والبيت صار يسكت أكثر مما يحچي".

​أدركتُ فجأة أن هذا الرجل لا يحرس بوابة مدرسة، بل يحرس "ما تبقى" من قدرته على الوقوف. المدرسة بالنسبة له لم تكن عملاً، كانت آخر جدارٍ في حياته لم يسقط بعد، والمكان الوحيد الذي ما زال يشعر فيه بامتلاك السيطرة على الأشياء. لذا، حين وصلتني شكوى من ولي أمر يتهمه بالحدة، لم أوقّع على إنذار، ولم أرضِ غرور المشتكي، بل قلت له: "هذا الرجل، قد يكون صوته عالياً، لكن ضميره أعلى.. وإذا كان لدينا بابٌ آمن، فبسبب قلبٍ يقف عليه ولا ينام".

​قبل رحيلي في نهاية الدوام، مررتُ بالبوابة، توقفتُ عنده للحظة وقلت: "أبو سليم.. شدّتك مطلوبة، بس لا تخلي وجعك يحچي بدالك". نظر إليّ، ولأول مرة رأيت شقوقاً في ذلك الوجه الصخري.. كانت ابتسامة خفيفة، لكنها كافية لتقول إن الرجل لم يكن قاسياً، كان فقط متعباً أكثر مما ينبغي.

​تعلمتُ من أبي سليم درساً بليغاً: بعض الناس يقفون عند الأبواب لا لأنهم أقوياء، بل لأنهم يدركون تماماً أنهم إن تراجعوا خطوة واحدة للخلف.. فلن يجدوا شيئاً يعودون إليه.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4
- خربشات قلم / 3
- خربشات قلم / 2


المزيد.....




- كاريس بشار تكشف سرا عن ابنها وتعلق على مقارنتها بسلافة معمار ...
- “الزراعة” تُطلق برنامجاً توعوياً مكثفاً لنشر ثقافة “الزراعة ...
- -مسألة حياة أو موت- السعودي مرشح للأوسكار
- الروس يختارون فيلمهم المفضل لعام 2026
- الباليه الروسي.. من أحلام الطفولة إلى سنوات التدريب الشاق
- -معركة المحركات- يتجاوز المليار روبل في شباك التذاكر الروسي ...
- ريان جونسون يروّج لتطبيق «كروماغراف» لتصوير آيفون بمعالجة سي ...
- صفاء سلطان في ورطة بسبب العلم السوري القديم
- أمل عرفة تخوض أولى تجاربها في الدراما السعودية عبر -ليل خرمس ...
- بعد العوضي.. محمد رمضان يثير الجدل برسالة إلى أحمد فلوكس


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات ست سعيدة ( 12 )