أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ​( 14 )














المزيد.....

مذكرات الست سعيدة ​( 14 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 21:26
المحور: الادب والفن
    


إلى الذين ظنوا أن القسوة درع، فكانت هي القيد


​حين وقفتُ اليوم في الممر الطويل، اكتشفتُ الحقيقة التي ظللتُ أكنسها تحت سجادة الانضباط لسنوات: أنا لم أكن أنتصر، كنتُ فقط أتقن فن "تأجيل الهزيمة".

​طوال عمرٍ من الطبشور والصرامة، كنتُ أظن أن صراخي هو صدى الحق، وأن فرض النظام هو عين العدل، وأنني حين أزرع الرهبة في قلوبهم، فإنما أبني لهم سياجاً من الحماية. هكذا أطعمتُ نفسي "الكذبة" حتى سمنت، وصدقتها حتى صارت هي الحقيقة الوحيدة المريحة. لم يكن يومي استثنائياً، بل كان "عادياً" لدرجة مرعبة؛ الطابور كخيط المسطرة، الأفواه مكممة بالصمت، والمدرسات يتحركن كتروسٍ في ساعةٍ سويسرية. وأنا؟ كنتُ كما ينبغي أن أكون.. سجّانةً في قفصٍ ذهبيّ صنعته بيدي.

​في مكتبي، واجهتُ الجدار. لم أرَ طلاءه الباهت، بل رأيتُ عيناً تخرج من أعماقي لتحدق فيّ. سألتني تلك الغريبة: "من أنتِ حين تنزعين عنكِ جلد المديرة؟". لم أجب، ففي الفراغ تكمن الإجابات المخيفة.

​فتحتُ الدرج، فقفزت الرسالة كأنها جمرةٌ لم تبرد. رسالة الأستاذ "موفق". ذلك الرجل الذي لم يكن شجاعاً بما يكفي، ولم أكن أنا مستعدةً للحياة بما يكفي. كنا نمشي على حافة الخوف ونسميه وقاراً. قرأتُ قوله: «أخاف عليكِ من نفسكِ أكثر مما أخاف عليكِ من العالم؛ لأنكِ قوية إلى الحد الذي قد تنسين فيه أنكِ إنسانة».

​ابتسمتُ بمرارةٍ تقطر من قلبي. لم أنسَ يا موفق، بل تعمدتُ النسيان. نسيان الإنسانية هو الثمن الذي تدفعه لتصبح "مؤسسة".

​قطعت خلوتي مُدرسةٌ شابة، كانت ترتجف وهي تبرر خطأً بسيطاً. نظرتُ إليها، لم أرَ موظفةً مقصرة، بل رأيتُ "أنا" القديمة؛ تلك الفتاة التي كانت تخشى الخطأ لا لعظمه، بل لأنها تعيش في عالمٍ لا يعرف المغفرة.

سألتها ببرودٍ انكسر فجأة: "لماذا تخافينني هكذا؟".

قالت بصدقٍ جارح: "لأننا.. لا نريد أن نُغضبكِ".

​في تلك اللحظة، سمعتُ صوت تصدعٍ داخلي. خرجت المُدرسة وبقيتُ واقفة، شعرتُ أن الكرسي الذي أجلس عليه صار غريباً عني، كأنه عرشٌ من ورق. سألتُ نفسي ببطءٍ موجع: هل كنتُ أُربيهم أم أدرّبهم على تدجين أرواحهم؟ هل كنتُ عادلة أم كنتُ "دقيقةً في القسوة"؟

​أدركتُ بشاعة الحقيقة: هذا النظام الصارم لم يكن لأجلهم، بل كان "درعاً" لي. كنتُ أحتاج عالماً لا يفاجئني، عالماً محكوماً بالمسطرة والقانون، لأعفي نفسي من مواجهة "فوضى" حياتي الخاصة، ومن وحدتي التي لا يملؤها إلا صدى الأوامر. كنتُ أدير المدرسة لأهرب من إدارة قلبي.

​عند نهاية الدوام، خرجتُ أجرّ خيبتي. الساحة كانت خالية، صمتها يشبه ما يتبقى من حطام بعد العاصفة. وقفتُ عند الباب الكبير، ذلك الحارس الأمين الذي كنتُ أقف خلفه آلاف المرات لأراقب الداخل وأصدّ الخارج. اليوم فقط عرفتُ أنني لم أكن أحرس "المدرسة"، بل كنتُ أحرس نفسي من الحياة.. من احتمالاتها، من جروحها، ومن حريتها.

​رفعتُ رأسي للسماء، تنهدتُ تنهيدة من أدرك أن العمر قد انسلّ. لن أتغير بين ليلة وضحاها، فالجدران التي بنيتها في سبعين عاماً لا تهدمها صرخة واحدة. لكنني، ولأول مرة، لم أعد أصدق قناعي.. وهذا هو بداية "الخطر" الجميل.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1
- خربشات قلم / 5 والاخيرة
- خربشات قلم / 4


المزيد.....




- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...
- -مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس- مذكرات الوزير السابق جمال أغم ...
- فتحي عبد الوهاب.. كيف يصبح الممثل الأهم دون أن يكون البطل؟
- فرنسا أمام امتحان الاعتراف بنهب الاستعمار
- جامعة إيرانية: الهجمات الأمريكية الإسرائيلية تستهدف تقدم إير ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات الست سعيدة ​( 14 )