أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 1 )














المزيد.....

مذكرات سائق تكسي ( 1 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 12:59
المحور: الادب والفن
    


أُجرة العمر

​وداعٌ على مقعدٍ خلفي

​لم تكن مهنتي يوماً مجرد "سياقة"، بل كانت فنّاً في رصد العابرين؛ كنت أظنني صياداً يقتفي أثر "الكراوي (1)" على أرصفة التعب، حتى علمتني تلك الليلة أن بعض الركاب لا يصعدون بأجسادهم، بل يجرّون خلفهم حيواتهم(2) كاملة.
​توقف الزمن حين أشار لي أمام "مستشفى اليرموك" رجلٌ يرتدي الوقار رداءً، وجهه خارطة لسنواتٍ لم تكن رحيمة. قال بصوتٍ يخرج من بئرٍ سحيق: "للأعظمية يا بني". صعد وجلس في الخلف، لا كراكبٍ يطلب وجهة، بل كمسافرٍ يدرك أن تذكرته هي الأخيرة.
​عند "شارع حيفا"، طلب التوقف. ترجّل بوهنٍ، ورفع عينيه نحو نافذة في الطابق الرابع تشتعل بضوءٍ دافئ، وقال بمرارةٍ فلسفية: "هنا سكنتُ الحياة يوماً". كانت دموعه تسقط بصمت، ولم تكن دمعاً، بل كانت أجزاءً من روحه تترسب على الأسفلت.
​مضينا.. وقفنا عند ضفاف دجلة، هناك حيث تُولد الحكايات وتُدفن. وقف أمام النهر كأنه يحاكيه، ثم همس: "هنا أحببتها". أدركتُ حينها أن الجغرافيا في بغداد ليست شوارع، بل هي مستودعات للقلب؛ نحن لا نمشي على الأرض، بل نعبُر فوق ذكرياتنا.
​كانت المحطة الأخيرة في "الحيدرخانة"، أمام بيتٍ قديم أشار إليه وقال بمرارة: "وهنا صغُرتُ في عين أولادي". لم أستفسر، فبعض الوجع لا يُفسّر، وشرحُ الألم هو ألمٌ إضافي. عاد للسيارة وطلب العودة للمستشفى، وفي يده ظرفٌ ثقيل.
​"يا حاج.. هذا يفوق الأجرة بكثير!"
​نظر إليّ بعينين ذابلتين وقال: "غداً عمليةٌ قد تكون البرزخ بين ضفتين.. ما أردتُ الرحيل قبل أن ألقي التحية على الأماكن التي صنعتني. لستُ خائفاً من الموت، بل من صمت الرحيل الذي لا ينتبه له أحد".
​في الأيام التالية، لم أعد سائقاً، أصبحتُ "مريداً" في حضرته بالمستشفى. كان يحدثني عن تلاميذه، عن العقول التي صقلها، وعن الأجيال التي عبرت من خلاله إلى الضوء. كنت أتعلم منه أن المعلم الحقيقي لا ينتهي، بل يتوزع في دماء الآخرين.
​بعد أسبوعين، وجدتُ "اللافحة" السوداء تصادر الصمت وتعلن النهاية. دخلتُ مجلس العزاء فصُدمت؛ زحامٌ مهيب، أطباء ومهندسون ووجهاء، كلهم يبكون "أستاذهم". كان الجميع يتحدث عن إرثه العلمي وهيبته، لكن أحداً منهم لم يدرك أن هذا العملاق قضى ليلته الأخيرة يطوف أطلال عمره في "تكسي" غريب، يودع شوارع المدينة بصمتٍ نبيل، بلا رفيق سوى "سائقٍ" لا يعرف حتى اسمه.
​خرجتُ من العزاء وأنا أدرك أن "أجرة العمر" لم تكن تلك النقود، بل كانت تلك "البصيرة" التي منحني إياها؛ لقد علمني أننا حين نقود سياراتنا، نحن لا ننقل أجساداً، بل نحرس أماناتٍ تاريخية. منذ تلك الليلة، صار مقعدي الخلفي مزاراً، وصار صمتي إنصاتاً لثرثرة الوجود.

(1) جمع كروة . وهي الاجرة .
(2)جمع حياة .



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة
- الضحية / 2
- الضحية / 1


المزيد.....




- وفاة الفنان المصري أحمد جلال عبد القوي عن عمر 42 عاما
- -الناجون من الظلام-.. شهادة حية من جحيم السجون الإسرائيلية
- ملامح إسلامية في الأدب الروسي.. حضور يمتد من بوشكين إلى الرو ...
- الجمعية العلمية للفنون تناقش السينما باعتبارها قوة ناعمة
- رحيل -سيدة الحمام-.. بريندا فريكر أول أيرلندية فتحت أبواب ال ...
- قائد الثورة: أشكر مراجع التقليد الأجلاء والعلماء والمفكرين و ...
- المغرب: نحو 30 شريطا سينمائيا في السباق ضمن النسخة السابعة م ...
- اصدار مجموعة متاهة الآلات النائمة عن دار العائدون للنشر وال ...
- ملاحقات قضائية تطال فناني الراب في المغرب: -مهدي بلا كويند- ...
- ما الذي يجعل مشهد -حصان طروادة- في فيلم -الأوديسة- مذهلاً لل ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 1 )