أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 3 )














المزيد.....

مذكرات سائق تكسي ( 3 )


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 22:48
المحور: الادب والفن
    


​المقعد الأمامي: مأساة الحيز المفقود

​في شريعة الشوارع، المقعد الخلفي مسافة أمان، أما المقعد الأمامي فهو "ورطة" في المكاشفة. الركاب العاديون يختبئون خلف ظهر السائق، أما الذين أرهقهم الصمت، فيجلسون بجوارك.. كأنهم يريدون للقصة أن تقود معك، لا أن تتبعك.
​تلك الليلة، لم تصعد "راكبة"، بل صعد "انتظارٌ" طويل. وقفتْ عند زاوية شارعٍ منسسي، لم ترفع يدها، بل اكتفت بنظرةٍ اخترقت الزجاج الأمامي وأجبرتني على التوقف. فتحت الباب وجلست في مقعد "الشريك" دون استئذان.
​قالت بلهجةٍ فاترة، كأنها استهلكت كل مخزونها من الانفعال:
— "امشِ.. وسأدلك."
​تحركتُ. كانت عيناها مصلوبتين على الأفق، لا تريد أن تراني، بل تريد للطريق أن يبتلع ملامحها. فجأة، وبلا تمهيد، ألقت بسؤالها كحجرٍ في بئر:
— "أنت متزوج؟"
قلت: "نعم".
سكتت قليلاً، ثم سألت بحدةٍ هادئة: "مرتاح؟"
​قلت "الحمد لله"؛ تلك الكلمة التي نلقيها كدرعٍ حين لا نملك إجابة. ابتسمت ابتسامةً مكسورة، وقالتها خلفي كأنها تتذوق مرارتها: "الحمد لله!". شعرتُ حينها أن الحديث لم يكن موجهاً لي، بل كان "مونولوجاً" داخلياً انفجر في فضاء السيارة الضيق.
​توقفنا أمام بيتٍ قديم، بيتٍ يسكنه الصمت والتراب. لم تنزل. ظلت ترقب الباب كمن يودع جثة.
— "هل تنتظرين أحداً؟" سألتُها.
أجابت: "لا.. هذا كان بيتي. طلقني صاحبه قبل عام."
​لم يكن في صوتها انكسار الضحية، بل فراغ الوجود. أضافت وكأنها تشرح فلسفة الخراب:
— "لم يكن يضربني.. لكنه كان غائباً وهو حاضر. أتعلم ما هو الأقسى؟ أن تكون وحدك، وأنت لست وحدك. الوحدة مع الآخر هي الجحيم الحقيقي."
​في تلك اللحظة، شعرتُ أن هواء السيارة أصبح ثقيلاً، كأن جدرانها تضيق على ذكريات هذه المرأة. مررنا بمدرسة، فأشارت بزهوٍ جريح: "هنا يدرس ابني.. هو ما تبقى لي، لكنني أدرك أنه، في نهاية المطاف، لن يكون لي."
​كانت تتحدث بيقين من خسر كل شيء، فلم يعد يخشى فقدان البقية. سألتني قبل أن نصل:
— "المرأة حين تُطرد من جغرافيتها (بيتها).. ماذا يتبقى من هويتها؟"
​لم أملك جواباً، فالأسئلة الوجودية لا تُحل في سيارة أجرة. توقفتُ في شارعٍ لا ملامح له. دفعت الأجرة، وقبل أن تغادر، تركت الرصاصة الأخيرة:
— "ليس كل من يخرج من بيته، يجد مكاناً يحتويه. بعضنا يظل في الشارع.. حتى وهو داخل غرفة."
​أغلقت الباب. نظرتُ إلى مقعدها، كان ما يزال يحتفظ بحرارة جسدها وحرقة حكايتها. منذ ذلك اليوم، صرتُ أنظر لمن يجلس في المقعد الأمامي نظرةً مختلفة؛ فالذي يختار القرب من السائق، لا يبحث عن إيصال جسده، بل يبحث عن "شاهد" يثبت له أنه ما زال موجوداً في هذا العالم المزدحم بالغرباء.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق
- قيود من رمل وصدى
- الضحية / 3 والاخيرة


المزيد.....




- فستان من أرشيف 1995.. كيندال جينر تخطف الأنظار في مهرجان الب ...
- -كسارة البندق – ليست حكاية خرافية-.. عرض روسي معاصر في إسطنب ...
- بمشاركة عربية واسعة.. مهرجان قازان يحتفي بالسينما العالمية و ...
- ستارة المسرح الجامعي الثالث تُسدل…- الخطة صفر- تحصد المركز ا ...
- طائرة ورقية.. ذلك الملاك الذي يُعيد الحب: إلى روح الشهيد الش ...
- في تحية الفيلسوف الرئيس
- مايلي سايرس تتخلى عن اسم عائلتها قبل ألبومها الجديد.. وماثيو ...
- مشاركة إماراتية نوعية في معرض موسكو الدولي للكتاب
- كتلة حزب الله النيابية: لن يكون بمقدور أحد إلغاء العداء لإسر ...
- من -غوستيني دفور-.. موسكو تحتضن الدورة الـ 39 من معرض الكتاب ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 3 )