أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - حين أنقذتنا الغربة















المزيد.....

حين أنقذتنا الغربة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 20:05
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

​أحيانًا يأتي الوطن من الجهة التي نهرب إليها

​تتحرك فاطمة في الممر الضيق كفراشة متمردة على الجاذبية، تضحك بلا سبب واضح، والطفولة في أقصى تجلياتها لا تحتاج إلى أسباب لتفرح؛ هي الفرح نفسه. أراقبها من مكاني، ثم ألتفت نحو النافذة حيث تجلس أمها أمل، ترتب ملابس صغيرة غسلتها الشقق النمساوية بعناية. يتسلل ضوء فيينا المسائي الهادئ عبر الزجاج، يضيء وجهها، فيبدو لي أن الغرفة بأكملها تدور في فلك هذا الهدوء البارد.
​ابتسمتُ..
لكنها لم تكن ابتسامة عابرة، بل كانت جسراً سرياً عبرتْ فوقه روحي نحو ذلك الليل البعيد.. الليل الكثيف الذي كاد يبتلعنا معاً، ليصنع منا حكاية أخرى.
​حين حزمتُ حقيبتي مغادراً بغداد، لم أكن أحمل في جيبي سوى ورقة تُسمى شهادة جامعية، وأحلام مقصوصة الأجنحة. كنت أظن، بسذاجة الخريجين، أن الحياة تُفتح بالشهادات، لكنني ارتطمت بجدران الواقع السميكة. مرت الشهور ثقيلة كصخور صماء؛ وظائف لا تأتي، ومشاريع تولد ميتة قبل أن تبدأ، وعمر يتبدد في طوابير الانتظار. وحين يضيق الوطن بأحلام أبنائه، يصبح السفر صلاة اضطرارية. لم أكن أبحث عن ترف الرحيل، بل كنت أهرب من بقاء صار يشبه الغرق البطيء.
​في تركيا، حيث يتجمع الهاربون من حتوفهم، أدركت أن الوجع الإنساني لا يحتاج إلى تراجم. وجوه سورية، وعراقية، وأفغانية.. ملامح تختلف ألوانها وتتطابق انكساراتها. الخوف، يا صاحبي، له لغة واحدة تفهمها العيون قبل الشفاه، والجوع إلى غدٍ آمن يملك النبرة نفسها في كل الحناجر.
​هناك، التقينا بالمهرب؛ ذلك الكائن الذي يبيع الأمل بالتقسيط، ويسعّر أرواح البشر بحسب بورصة الرياح والموج.
​في الليلة الثانية، بعد أن انفض الجميع وعادوا إلى جحور انتظارهم لأن البحر هائج، لمحتها. كانت تجلس على صخرة ناتئة، تنظر إلى الحصى تحت قدميها كأنها تفتش عن زمن ضاع منها وسط الزحام.
اقتربتُ، وسألتها بصوت خفيض:
ـ تنتظرين أحداً؟
​رفعت رأسها ببطء، وكان في عينيها حزن الرافدين كله. قالت:
ـ لا أحد.. جئت وحدي من بغداد.
​قالت إن اسمها "أمل".
وهناك، في تلك العتمة، شعرت للمرة الأولى أن الاسم ليس مجرد لافتة، بل هو نبوءة مثقلة بالمسؤولية. حكت لي في طريق العودة إلى الفندق الشعبي عن أحلامها التي تكسرت على عتبات الخيبات نفسها. كنا متشابهين كمرآتين تتقابلان في العتمة. وقبل أن تغلق باب غرفتها، قالت بنبرة مرتعشة:
ـ أخاف من الطريق.
نظرتُ في عينيها وقلت:
ـ وأنا أيضاً.
​كان اعترافي بخوفي هو أول خيط أمان يربط بيننا. لم نعد غريبين بعد تلك الليلة؛ فالخوف المشترك أولى خطوات الصداقة الحقيقية.
​بعد يومين، نادانا البحر في منتصف الليل.
على الشاطئ المعتم، كان يقف قارب مطاطي صغير (بلم). كان يشبه أحلامنا تماماً؛ هشاً، ضيقاً، وأصغر بكثير من أن يحتمل كل هذا الركام الذي نحمله في أرواحنا وظهورنا. صعدنا، خمسة وعشرون نفساً متلاصقة، كأننا جسد واحد يبحث عن رأس.
​انطلق القارب، وصار الموج يتلاعب بنا كطفل عابث لا يدرك فداحة اللعبة. كانت أمل تتشبث بذراعي بقوة تمدني بالحياة، شفتها السفلى ترتجف وهي تقرأ ما تحفظه من آيات السكينة، بينما كنت أقرأ أنا ما أحفظه من الرعب.
​وحين لاحت أضواء السواحل اليونانية في الأفق، قفزت صيحات الفرح من الحناجر، لكن البحر عجوز مكار، لا يحب الذين يفرحون مبكراً.
​فجأة، انشق القارب تحت ثقل الحمولات.. تلوى كجرح مفتوح يتسرب إليه الموت من كل جانب. وفي لمحة عين، انقلب الوجود؛ انمحت الحدود بين السماء والماء، ارتفعت صرخات النساء، وتخبطت الأجساد في العتمة الباردة.
​لا أذكر التفاصيل الرياضية لتلك اللحظة، فالذاكرة تحمي نفسها من الفواجع بنوع من الضباب. أذكر فقط أن غريزتي لم تسألني؛ طوقتُ خصر أمل، رفعتها على ظهري، وبدأت أسبح. لم أكن أصارع موجاً، بل كنت أصارع فكرة العدم. كنت أدفع الماء بيدين تملكهما رغبة عارمة في أن نعيش معاً، أو نغيب معاً.
​حين غاصت قدماي في رمل الشاطئ اليوناني، تقيأنا الموت الذي ابتلعناه. ومع خيوط الفجر الأولى، استيقظنا على الحقيقة العارية: ثلاث نساء وطفلان لم يعبروا معنا.. بقوا هناك، في برزخ ما بين القارب والقبر. جلسنا على الساحل ساعات طويلة، صامتين، ينهشنا البرد، ونشعر أن البحر أخذ جزءاً من أرواحنا وأبقانا ناقصين.
​ثم بدأت المأساة الثانية: رحلة الغابات الشاسعة.
عبرنا حدوداً وراء حدود، مقدونيا، صربيا، هنغاريا.. كنا نمشي تحت ظلال الأشجار الكثيفة، نختبئ من الشرطة، ونفر من ظلالنا. تنهار أمل أحياناً من الإنهاك، فآخذ بيدها وأهمس لها: "النهاية قريبة". ولم تكن تعلم أن كلماتي لها كانت في الحقيقة قارب نجاتي أنا؛ كنت أستمد قوتي من حاجتها إليّ. في الغابات، تكتشف أنك لا تعبر حدود الدول فحسب، بل تعبر حدود الخوف القديم في داخلك.
​وصلنا فيينا أخيراً، لنجد أن الرحلة لم تنتهِ.
بسبب الإجراءات والتقسيمات، انتُزعت أمل مني ونُقلت إلى مركز إقامة بعيد، وانقطعت أخبارها تماماً. تبخرت كأنها كانت وهماً جميلاً أهداه لي البحر ثم استعاده. مرت أربعة أشهر.. كانت أطول من سنوات عمري الثلاثين كلها؛ أربعة أشهر من الترقب والحنين والتساؤل عما إذا كان الغرق قد نال منها بطريقة أخرى.
​وفي صباح خريفي بارد، دخلت قاعة تعلم اللغة الألمانية. دفعتُ الباب بتثاقل، ونظرت نحو المقاعد.. فتوقفت دقات قلبي.
هناك، في الزاوية، كانت العينان نفساهما تنتظرانني.
​لم ننطق بكلمة واحدة، فالكلمات اخترعها البشر للأشياء الصغيرة، أما اللقاءات الكبرى فلا لغة تسعها. وقفنا وسط الذهول، ارتمينا في عناق طويل ذابت فيه الغابات، والبحر، والبرق، والشهور الأربعة الفائتة. بكينا بحرارة جعلت حتى معلمتنا الهنغارية تقف مذهولة، والدموع تطرق عينيها دون أن تفهم القصة الكاملة.
​بعد ذلك الصف، لم يعد هناك مجال للفراق.
كنا كلما تذكرنا البحر والغابات، نوقن أننا لم نلتقِ لنفترق. تزوجنا فور انتهاء الدورة الأولى، بارك لنا الرفاق، وقالت لنا المعلمة متبسمة: "أنتما ضيفاي حين تزوران بودابست".
​واليوم، وأنا أرى فاطمة تملأ الشقة المتواضعة صخباً جميلاً، وأرى أمل تنظر إليّ بالعينين ذاتهما اللتين أنقذتاني من غرق الروح، أبتسم بعمق.
​كنت أظنني أهرب من وطن ضاق بي، ولم أكن أعلم أن القدر كان يسوقني في دروب المشقة ليمنحني وطناً حقيقياً. الغربة التي أخذت منا الأمان الأول، أعطتنا ما هو أثمن؛ أعطتني زوجة، وابنة، وحياة ما كنت لأحلم بها. وأدركت أخيراً، أن أجمل ما وجدته في هذه البلاد الباردة، لم يكن الإقامة، ولا جواز السفر، بل تلك الفتاة البغدادية التي كان اسمها.. أمل.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )


المزيد.....




- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...
- من -موسكو الصغرى- إلى شاشة السينما..-باغي عينكاوة-.. مقهى يح ...
- موجة من الموسيقى القاتمة تسيطر على إصدارات نجمات البوب هذا ا ...
- -ليست مجرد مهنة-.. مكتبات الخرطوم تعاود نشاطها رغم ندوب الحر ...
- وفاة الممثلة المصرية سهام جلال عن 54 عامًا


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - حين أنقذتنا الغربة