أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة














المزيد.....

مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8689 - 2026 / 4 / 26 - 22:44
المحور: الادب والفن
    


أرصفة تائهة
​حين يصبح "الاتجاه" وطناً مستحيلاً

​كانت ليلةً من تلك الليالي التي تشعر فيها أن "بغداد" ليست مجرد شوارع وبيوت، بل هي كائنٌ مجهد يزفر برداً ورطوبة. في مهنتي، نحن لا ننقل الأجساد فحسب؛ نحن نُشيعُ الحكايات من عناوين معلومة إلى نهايات متوقعة. لكن في تلك الليلة، كسر القدرُ "عداد" الروتين.
​عند زاويةٍ ميتة، حيث ينكسر الضوء قبل أن يلامس الرصيف، رأيته. لم يلوّح بيده كبقية العابرين، ولم يهرع نحوي مستجيراً من صمت الشارع. كان واقفاً بجمودٍ كأنه جزءٌ من جدارٍ قديم قرر فجأة أن يتجسد في هيئة طفل لم يتجاوز العاشرة.
​توقفتُ. سحبَ البابَ بوقارِ مَن أتعبته المسافات، وجلس في الخلف. في المرآة، لم أرَ وجهاً طفولياً، بل رأيتُ سؤالاً معلقاً في الفراغ.
— "تمشي؟"
نبرته لم تكن استئذاناً، بل كانت أقرب إلى "مُضيٍّ" في المجهول.
سألتُه وعيني على زحمة الطريق: "إلى أين يا ولدي؟"
صمتَ. بدا أن كلمة "أين" هي الضريبة الوحيدة التي لا يملك ثمنها. ثم تمتم ببرودٍ جارح: "لا يهم.. المهم أن نتحرك".
​انطلقتُ. كانت الأضواء تمرُّ على وجهه في المرآة كشريط سينمائي قديم. سألتُه، محاولاً لملمة شتات الصمت: "أين أهلك؟ أين عنوانكم؟"
هز كتفه بلامبالاة كأن السؤال يخصُّ شخصاً آخر. قال بلهجةٍ قتلت فيّ الرغبة في الكلام: "ليس لنا عنوان. ننام حيث ينتهي التعب. وإذا اشتد البرد، نبحث عن جدارٍ يسرق لنا بعض الدفء".
​مررنا بمطعمٍ يعبق برائحة الخبز الحار، تلك الرائحة التي تُشعر الغريب بالانتماء. لم يطلب الطعام، لكن انكسار عينيه كان جائعاً. توقفتُ واشتريتُ له وجبة. أخذهـا منه بسرعةٍ غريزية، لكنه وضعها جانباً بقدسيةٍ غريبة.
— "لماذا لا تأكل؟"
— "سأخبئها للجوع القادم.. الجوع لا ينتهي، لكن الخبز قد ينتهي".
في تلك اللحظة، شعرتُ أن مقودي أصبح أثقل من الجبال. هذا الطفل لا يعيش طفولته، بل يدير "أزمة بقاء".
​قبل أن يطلب التوقف، سألني سؤالاً هزّ أركان وعيي: "عمو.. هل تعود إلى بيتك كل ليلة؟"
أجبتُه بمرارة: "نعم".
قال بصوتٍ كأنه صدى من بئرٍ سحيقة: "هذا جيد.. أن يكون للعالم بابٌ يُغلق عليك".
​عند منعطفٍ مظلم، حيث تبتلع العتمةُ الملامح، طلب النزول. لا بيوت هناك، لا حياة، فقط مساحة من الفراغ. قبل أن يغادر، التفت إليّ بعينين تسبقان عمره بقرون: "عمو.. إذا كان الشخص بلا عنوان، فأي طريق يوصله؟"
​تسمرت يداي على المقود. أنا الذي قضيتُ عمري أدلّ الناس على الوجهات، وقفتُ عاجزاً عن دلهِ على "الوجود". نزل، ومشى نحو الظلمة بخطواتٍ لا تلتفت، كأنه يدرك أن خلفه فراغاً وأمامه تيهٌ أكبر.
​لم أطلب منه أجرة، فكيف نأخذ ثمن الرحلة ممن هو "الرحلة" ذاتها؟
منذ تلك الليلة، لم يعد سؤالي للركاب "إلى أين؟" مجرد إجراء روتيني. صرتُ أقوله وفي قلبي غصة، فالحقيقة التي علمني إياها ذلك الصغير هي: أن أقصى أنواع الضياع ليس في جهل الطريق، بل في أن العالم كله لم يترك لك متراً واحداً تسميه "وطناً".



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )
- مذكرات الست سعيدة ( 5 )
- مذكرات الست سعيدة (4)
- مذكرات الست سعيدة ( 3 )
- مذكرات الست سعيدة (2)
- مذكرات الست سعيدة (1) ​
- البابُ الذي لم يُغلق


المزيد.....




- الكاتب فيليب جاينادا يحصد جائزة غونكور الأدبية لعام 2026 برو ...
- شاهد.. الأديب حامد ياسين يكشف للجزيرة سر دموعه التي أيقظت ال ...
- ذاكرة السينما تعود إلى الشاشة.. 27 فيلما مرمما في مهرجان الق ...
- -أشنكض-.. غزال تندوف يتحدى عزلة الجغرافيا
- القضاء الهندي يرجئ ترحيل الممثل عمران خان بعد اعتذاره عن الم ...
- فنان لبناني فرنسي يلاحق الجيش الإسرائيلي قضائيا بتهمة ارتكاب ...
- اكتشاف مصري نادر في أرض كنعان.. قطعة فرعونية تتخطى 3300 عام ...
- -موغينغ-.. من قاموس كمال الأجسام إلى التربع على عرش -كلمة ال ...
- نتفليكس تعلن فيلم «Dogfight» وتجمع ستاثام وريتشي للمرة الساب ...
- رولان غوسيف يتولى القيادة الفنية لنادي أحمد غروزني الروسي


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة