أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الطريق الذي جئنا منه














المزيد.....

الطريق الذي جئنا منه


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 02:37
المحور: الادب والفن
    


​سيرة الخسارات النبيلة

​لم يكن الحبر الذي جفّ على شهادته الجامعية يعلن بداية شيء أو نهايته، بل كان مجرد إشارة عبور أخرى في حياة سيف. منذ صباه، في تلك العطل الصيفية الطويلة، لم يكن والده يدفعه إلى العمل في دكاكين السوق لحاجة في الجيب، بل لحاجة في الروح؛ كان الشيخ يؤمن أن اليد التي لا يخدشها السعي، تظل قاصرة عن تذوق طعم الاستحقاق. نشأ سيف في دعة من العيش ببيوت "المنصور" الأنيقة، يركب سيارة حديثة تليق بشاب في مقتبله، لكنه لم يتعلّم قط أن يزن الآدميين بموازين الذهب والفضة. كان يرى في زملائه الوافدين، القادمين من المحافظات البعيدة بحقائبهم القماشية وأحلامهم الشاهقة، امتحانًا صامتًا لامتيازاته التي وُلد فيها ولم يصنعها بيده.
​وفي ركن منزوٍ من ناد الجامعة، التقت مساراته بـ "ريم".
​كانت حضورًا حادًا وصافيًا، تعتني بتفاصيلها كما يعتني نحات بقطعته الأخيرة. وفي مساء خريفي، حركته ألفة غامضة ليسألها عن عائلتها، فتهدجت ملامحها، وتعلقت عيناها بظلال الأشجار على الأرض قبل أن تنطق بحرج مكتوم:
— والدي سائق أجرة... ونسكن في حيّ عشوائي بأطراف المدينة.
​لم يتغير في وجه سيف شيء سوى اتساع ابتسامته. قال بنبرة هادئة كأنما يقرأ في كتاب قديم:
— وما العيب؟ الرجل الذي يعود في المساء مثقلاً بالتعرق الحلال، هو سيد نفسه. الأمكنة يا ريم معاطف نرتديها، وليست جلودًا تولد معنا.
​حين رفعت رأسها تلك اللحظة، لم تنظر إليه بفضول الفتاة، بل بنظرة الغريق الذي وجد ضفة صلبة. كأنما ألقى عنها درعًا ثقيلاً من الادعاء كانت تتفادى به عيون العالم.
​هندسة السقوط... عندما ينقص المعنى
​تزوجا، ومرت السنوات الأولى كنهار عراقي مستقر ودافئ. امتلأت زوايا البيت بضحكات "محمد وباسم"، وظن سيف، في غمرة الطمأنينة، أن النعم حين تطول تتحول إلى حق أبدي. لكن الحياة لا توقع عقودًا دائمًا مع العابرين.
​في غضون ثلاثة أعوام، انفرط عقد الأمان؛ رحل والداه تباعًا، ودخل في مغامرة تجارية ظنها بوابته نحو الأفق، فإذا بها الفخ الذي أطبق على كل ما يملك. خسر المال، ثم البيت، وأخيرًا تلك السكينة التي كانت تطبع جبينه. لم يتحول سيف إلى رجل شرير، لكنه انكفأ نحو الداخل، صار يوزع كلماته بمكيال شحيح، ويحمل همومه إلى بيته الجديد كما يحمل البنّاء غبار الطوب على سواعده.
​حين كانت ريم تسأله بنبرة مرعوبة عن الغد، كان يلوذ بعبارات مقتبسة من الصمت، حتى جاءت تلك الليلة التي سألته فيها بصوت خافت:
— هل سنعود يوماً كما كنا؟
​أطال النظر إلى عتمة الجدار المقابل، ثم همس:
— لا أعرف.
​كانت تلك الكلمة زلزالاً صامتاً. للمرة الأولى تدرك ريم أن السقف الذي يظلها ليس سماءً ثانية، بل سقفاً قابلاً للسقوط. وأخذ الخوف ينهشها؛ خوف البدائية الأولى، خوف العودة إلى قاع طردته من ذاكرتها وصنعت المستحيل لتتجاوزه.
​حين اقترح عليها الانتقال إلى حي شعبي يناسب انكسارهما المالي، انتفضت. بدأ الأمر بعتب مكتوم، ثم بصراخ، ثم بخلاف يومي يستنزف ما تبقى من ود. كان سيف يستمع إليها بذهول ينمو؛ لم يكن يوجعه رفضها للمكان، بل الخفة الفاضحة التي تتحدث بها عن تلك الأحياء، وكأنها تصف كوكباً غريباً لم تطأه قدمها يوماً. كأنها تمحو تاريخها الشخصي لتنجو من واقعه.
​حتى والدها، بشيبته ويديه اللتين حفرت فيهما عجلة القيادة أخاديد عميقة، جاء وجلس معها ساعات طويلة. ذكرها بالغرفة الصغيرة التي كبرت فيها، بالخبز والشاي، وبالكرامة التي دفع عمره لحمايتها خلف مقود التاكسي كي لا تحتاج أحداً. لكن الكلمات كانت ترتطم بقلبها وتتحول إلى حصى؛ فقد اتخذت قرارها الأخير: الطلاق.
​خرج سيف من باب المحكمة في ذلك الصباح. بغداد ممتلئة بالصخب اللاهث تحت شمس تعكس بريقاً حاداً على زجاج المركبات المتوقفة عند الإشارة. عند أول منعطف، توقفت أمامه سيارة أجرة صفراء، قديمة ومتهالكة. كان سائقها الخمسيني يضع كوفيته على المقود، مستنداً برأسه المتعب، ينتظر الضوء الأخضر بصبر رمادي.
​أطال سيف النظر إليه. وفي تلك اللحظة، عبرت مخيلته كل الوجوه: والد ريم، حديقة الجامعة البعيدة، والخجل القديم الذي داواه يوماً بكلمات عن شرف السعي.
​تأمل السيارة التي تحركت مع الضوء الأخضر وغابت في لجة الزحام، وانجلت أمامه الحقيقة الفلسفية العارية: إن الإنسان لا ينكسر حين يفقد سقفه أو ماله، فتلك أشياء تُستعاد أو يُستعاض عنها. الإنسان ينكسر ويضيع تماماً حين يتبرأ من محطته الأولى... حين يفقد الطريق الذي جاء منه.
​تنفس بعمق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، ثم استدار ومضى في الاتجاه المعاكس تماماً للمحكمة. كان وحيداً في خطوته، لكنه للمرة الأولى منذ سنوات، كان يبصر الطريق بوضوح تام.

٦ حزيران ٢٠٢٦



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )


المزيد.....




- بيت المدى يستذكر -أبو سرحان- ابرز شعراء الاغنية السبعينية
- -7 دوجز-.. فيلم استثنائي أم نسخة معربة من هوليوود؟
- رحلة سلمان بونعمان لفهم النهضة اليابانية.. مصالحة الهوية وال ...
- هيلين ميرين.. مسيرة سينمائية في خدمة السردية الإسرائيلية من ...
- -مدينة من ورق-.. مكتبة في نيويورك تضم 3.5 ملايين صفحة من ملف ...
- فنانة أمريكية تواجه بلوحاتها إقصاء الأمريكيين السود
- 6 شهداء و4 جرحى جراء غارة إسرائيلية على بلدة السكسكية جنوب ل ...
- تفاصيل صادمة حول حريق حاملة الطائرات -جيرالد فورد-: دمار واس ...
- تضارب الروايات حول انفجار تل أبيب: -حنظلة- تزعم اغتيال ضابط ...
- بسبب جدارية تاريخية.. فنان أمريكي يقاضي -فيفا- ويطالب بـ 25 ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الطريق الذي جئنا منه