أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - تراتيل العزلة الثانية














المزيد.....

تراتيل العزلة الثانية


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 17:09
المحور: الادب والفن
    


​طقس الغياب المفخخ بالحياة

​لم يعنِ الجيران يوماً رصد البدايات؛ فالأشياء التي تولد من رحم الفقد لا تعلن عن تاريخ ميلادها. بعضهم قال إن الأمر بدأ مع أول خيط غسيل تُرِك وحيداً على الحبل، وبعضهم أقسم أن فنجان الشاي الثاني وُضِع هناك والترابُ على قبرها لم يجف بعد.
​لكن الثابت الوحيد في الحي، كان ذلك التوقيت الصارم. قبل أن توافد العتمة بدقائق، يخرج الشيخ إلى شرفته الحجرية الضيقة. في يده إبريق نحاسي معتم، مات بريقه مع السنوات لكنه احتفظ بحرارة الحكايات القديمة. وعلى الطاولة الخشبية المقشرة، يمارس طقسه اليومي المهيب: يضع فنجانين. واحدٌ حذاء صدره، والآخر يواجه الفراغ.
​لم يكن يقرأ، ولم يكن يكترث بفتية الحي الذين كبروا وهم يراقبون صمته الهادئ، حتى كفوا عن الفضول وصاروا يمرون من تحت الشرفة بخطوات خفيضة. كان يجلس فحسب، يدير حواراً صامتاً مع المدى، يحرك رأسه موافقاً، يبتسم لملامح لا يراها سواه، وأحياناً تلمع عيناه بدمع مكتوم يرفض أن يسقط؛ كأنه يخشى أن يقطع هيبة الحضور.
​ذات غبار، تجرأ شاب من الجيل الجديد وسأله:
ـ "لمن الفنجان الآخر يا عم؟"
​نظر إليه الشيخ برفقٍ صارم، وأشار بإصبع مرتجفة إلى جهة قلبه وقال كلمتين:
ـ "للتي هنا."
​كان يؤمن، دون حاجة للشرح، أن الموت لا يختطفنا دفعة واحدة، بل يتسلى بقضمنا على مراحل؛ يسرق النبرة أولاً، ثم وقع الأقدام على البلاط، ثم رنين الضحكة في الممر، لكنه يعجز في النهاية أمام الذكريات الكثيفة، تلك التي تقاوم كحارس قلعة قديمة يرفض مغادرة موقعه.
​في ذلك الشتاء، انكسر الإيقاع. غاب الشيخ واحتجب الإبريق، وبدت الشرفة للحي كفجوة سوداء في وجه العمارة. تيقن الجميع أن الغياب الذي كان يطعمه الشاي كل مساء، قد استأثر به أخيراً.
​وفي مساء شديد البرودة، عاد.
كان يتهادى على عصاه كمن يجر خلفه جبالاً من التعب. لم يكن قادراً على حمل النحاس الثقيل، لكنه رفعه بعناد أخير. وضع الفنجان الأول.. ثم الثاني.. وجلس ببطء من يتصالح مع جاذبية الأرض.
​نظر إلى السماء الرمادية، ثم استدار نحو المقعد الفارغ. هناك، على وجهه، نبتت ابتسامة بكر، صافية ومكتملة؛ ابتسامة رجل عثر على ضالته بعد تيه دهر. همس بصوت كاد الخريف أن يبتلعه:
ـ "أبطأتِ هذه المرة.."
ثم أسبل جفنيه.
​في الغد، وجدوه في جلسته تلك، هادئاً كمن أتم معزوفته الأخيرة. فنجانه كان جافاً، أما الفنجان المقابل.. فقد كان طافحاً بماء المطر النقي. وحين أزاحوا الفنجان المترع، وجدوا ورقة صغيرة حماها الزجاج من البلل، كُتب عليها بخط واهن:
"إذا سألتم عني، فلا تبحثوا في المقابر.. لقد عبرتُ المسافة الطويلة أخيراً، وجلستُ على المقعد المقابل."

حزيران ٢٠٢٦



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)
- مذكرات ست سعيدة ( 12 )
- مذكرات الست سعيدة ( 11 )
- مذكرات ست سعيدة ( 10 )
- مذكرات الست سعيدة ( 9 )
- ​مذكرات ست سعيدة (8)
- مذكرات الست سعيدة ​( 7 )
- مذكرات الست سعيدة ( 6 )


المزيد.....




- الجمعية العلمية للفنون تناقش السينما باعتبارها قوة ناعمة
- رحيل -سيدة الحمام-.. بريندا فريكر أول أيرلندية فتحت أبواب ال ...
- قائد الثورة: أشكر مراجع التقليد الأجلاء والعلماء والمفكرين و ...
- المغرب: نحو 30 شريطا سينمائيا في السباق ضمن النسخة السابعة م ...
- اصدار مجموعة متاهة الآلات النائمة عن دار العائدون للنشر وال ...
- ملاحقات قضائية تطال فناني الراب في المغرب: -مهدي بلا كويند- ...
- ما الذي يجعل مشهد -حصان طروادة- في فيلم -الأوديسة- مذهلاً لل ...
- -الجريمة 101-.. حين تعود هوليوود إلى أفلام الجريمة الهادئة
- -أصوات التراث-.. أول مهرجان روسي للأغنية السوفيتية في موسكو ...
- ظنوه خارجا من فيلم خيال علمي.. ما سر الراكون -جيموثي- الذي ح ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - تراتيل العزلة الثانية