أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ظلٌّ على الجدار














المزيد.....

ظلٌّ على الجدار


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 23:29
المحور: الادب والفن
    


​مَن يملك حقَّ أن يقول: ابنتي؟

​لم يكن "محمد" من الرجال الذين تتلقفهم الأبصار إذا عبروا الممرات؛ كان هادئًا كالظل، يمرُّ بين صخب المستشفى ويوزع السلام بالتساوي بين عامل النظافة والمدير، ويكتفي بأن يضع فنجان الشاي قرب أوراقي ويمضي دون انتظار ثناء.
​عندما قلتُ له يوماً:
ـ "ستفسدني بهذا الاهتمام."
ابتسم برفق وقال:
ـ "الأشياء الجميلة لا يفسدها الاهتمام."
​كان الحب بيننا يتسلل كالهواء، حتى استحال جزءًا من نظام الوجود. تزوجنا، وبنينا بيتاً صغيراً في ضواحي بغداد يتسع لكل الأحلام، إلا حلمًا واحدًا ظلّ معلقًا: الأمومة. وضعنا سريرًا صغيراً في الغرفة المجاورة، ثم نقلناه إلى المخزن، وأخيرًا صرتُ أغلق الباب كي لا يصفعني فراغ المكان.
​حتى قال محمد ذات ليلة:
ـ "ما ذنب طفلٍ بلا أبوين أن نبقى نحن بلا طفل؟"
​في دار الأيتام بالصالحية، بين نظرات الصغار الحائرة، مددتُ إصبعي لطفلة لم تتجاوز عامها الأول. قبضت بكفها الصغير عليه، وحين حاولتُ سحبه تشبثت بي أكثر. ضحك محمد وقال: "انتهى الأمر... هي اختارتكِ."
​سميناها "فرح". امتلأ البيت بالضحكات، ولم يخطر ببالي يومًا أن أسأل: أيحتاج الأب إلى الدم كي يكون أبًا؟
​لكنّ الموت لا يستأذن؛ بدأ السعال يثقل في صدر محمد، وصار المستشفى الذي جمعنا هو المكان الذي أخذني منه وحيدة. عدتُ إلى البيت، وحذاؤه قرب الباب يأبى أن يتحرك. ثم جاءت الفاجعة الثانية؛ حادث سير خاطف، ومستشفى آخر، وخطأ في التخدير أخذ فرح الأولى تحت ملاءة بيضاء.
​مرت خمس سنوات. مسحتُ الغبار عن الدمية المنسية، ووجدتُ قدميَّ تقودانني مجدداً إلى الدار ذاتها. هناك كانت طفلة في عامها الثاني تنظر إليّ بحذر. حين سألتني الموظفة عن اسمها، كان الاسم يتوهج في حلقي: "فرح".
​ضممتها إلى صدري؛ كبرت فرح الثانية، وعبرت سنوات الدراسة بخطى ثابتة، حتى دخلت يومًا تركض وتضع الورقة في حضني: "طب!". احتضنتها وبكينا معاً، ولتغطية تكاليف دراستها المقلقة عملتُ في مختبر أهلي ليلاً، أعود معتصرة التعب وأعد النفقات دينارًا دينارًا كي لا تنقصها ورقة، دون أن تشعر بثقل فقرنا.
​وفي سنتها الأخيرة، ظهر الغريب.
​لم يدخل بيتي بمصادفة عابرة؛ بل جاء برفقة أوراق رسمية ومحقق. كان قد انتظر تخرجها ووصول اسمها إلى قوائم المستشفى التعليمي. لم يقل "عرفت وجهها من الصورة"، بل قال بصوت مكسور أمام القاضي:
ـ "سُرقت مني وهي في عامها الثاني من أطراف الناصرية... طفتُ بها المراكز سنين حتى دلّني البلاغ القديم على ملف طفلة عُثر عليها في بغداد وسُلمت للدار."
​أنكرتُه بكليتي، وفي مركز الشرطة كان ملفه يحمل بلاغ اختطاف قديم. أجرى القاضي فحص الحمض النووي (DNA) لحسم النزاع، وجاءت النتيجة قاطعة: لا مطابقة.
​خسر الرجل القضية، وتبين أنه كان يطارد سراب ابنته المفقودة في وجه فرح، لكنه وهو يغادر المحكمة التفت إليّ وهمس بمرارة:
ـ "الورق أثبت أنني لست والدها... لكنه لم ينفِ أنني ما زلت أبحث عن ابنتي."
​تخرجت فرح وارتدت معطفها الأبيض، وصارت تمشي في الممر تماماً كخطوات محمد القديمة. لكن الرجل ظل يتردد على المركز الصحي؛ لا ليؤذيها، بل ليقف من بعيد ينظر إليها بعينين تائهتين تنشدان الأبوة في السراب.
​في هذه الليلة، تجلس فرح بجانبي، تسند رأسها على كتفي وتهمس بثقة:
ـ "ماما... أنتِ أمي."
​تنام على كتفي، بينما أنظر من النافذة إلى الشارع. هناك، عند طرف ضوء المصباح الشاحب، يقف الرجل ذاته في البرد، يرتجف بحثًا عن أثرٍ لا وجود له.
​سحبتُ الهاتف من الطاولة، لم أعد مسلوبة الإرادة ولا حائرة بين أرقام الشرطة. مسحتُ رقم المركز، وأطفأت الشاشة.
​الآن فقط أدركت التنوير الذي خمد في صدري سنين: الأمومة ليست ملكية أوراق، ولا هي معركة نكسبها بالنفي، والأبوة ليست نطفة تُفرز بل حياةٌ تُوهب وسهرٌ يُبذل.
​نهضتُ بهدوء، غطيتُ فرح بدثار دافئ، ثم مشيتُ نحو الباب الخارجي. فتحته قليلاً، ووضعتُ على العتبة مظلة لكبار السن ومعطفًا قديمًا لمحمد، وشيئًا من الشاي الساخن. لم أعد أخشى الظلام، ولا أخشى رجلاً يطارد طيفًا؛ فالتي في الداخلي ابنتي، والذي في الخارج إنسانٌ كسره الفقد كما كسرني قديماً.
​عدتُ إلى الداخل، وأغلقت الباب بإحكام. لم تعد ثمة أسئلة معلقة؛ لقد حسمتُ أمر روحي، وحميتُ ابنتي باليقين لا بالخوف.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات مراهقة / 4
- مذكرات مراهقة / 3
- مذكّرات مراهقة / 2
- مذكرات مراهقة /1
- امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة


المزيد.....




- مصر ترشح -القصص- لخوض سباق الأوسكار 2027
- -لكل كتاب حكايتان.. حكاية النص وحكاية المنع-.. مصائر كتب أُر ...
- بعد دخوله العناية المركزة.. سامح حسين يوجه رسالة لجمهوره ويط ...
- بزي -إلف- السينمائي.. مواطنة موسكوفية تدلي بصوتها في انتخابا ...
- اختفاء 5 نساء يقود إلى كشف أدلة مروعة في منزل صانع أفلام إبا ...
- التعليم العالي:إعلان نتيجة تقليل الاغتراب لطلاب الشهادات الف ...
- أستراليا.. -باتمان- يخطف الأنظار على سطح دار الأوبرا في سيدن ...
- ليوبيموفا: افتتاح 289 مكتبة نموذجية عام 2027 ضمن المشروع الو ...
- لماذا كان الروس -يُخرجون القديسين- من البيت؟
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت ...


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - ظلٌّ على الجدار