أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مقايضة الضوء














المزيد.....

مقايضة الضوء


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 07:55
المحور: الادب والفن
    


​عن الخيوط التي تُنسج من عتمة الخيارات

​في ليل بغداد الذي يسكب برده فوق الأسطح، كانت عقارب الساعة في بيت "الحاج سالم" لا تدور، بل تقضم صمتاً ثقيلاً. رنين الهاتف عند الثانية بعد منتصف الليل لم يكن مجرد صوت، بل كان انقطاعاً مفاجئاً في حبل الطمأنينة الواهن.

​على الجانب الآخر، جاء صوت الطبيب مشحوناً بوقار رمادي:

— "القلب متعب يا سالم.. أمامنا ساعات لتدارك الأمل، وإلا سنفقدها."

​في ممر المستشفى، حيث الضوء الأصفر الشاحب يسيل على الجدران كحبر حزين، كان سالم يواجه أثقل موازين الوجود. في يده اليمنى دفتر توفير ضئيل، يختصر أربعين عاماً من الوظيفة والخطى الهادئة، وهو الحساب الذي أسماه طويلاً "حلم علي". وفي يده اليسرى صورة ابنه، طالب الهندسة الشاب، الذي يلوح من بعيد وراء أفق جامعة غريبة، كطائر ينتظر إشارة الإقلاع.

​لم يكن الخيار بين المال والحياة، بل كان بين زمنين:

زمن شريكة العمر التي وهنت نبضاتها، وزمن الابن الذي يبدأ في التفتح.

هل يشتري الحاضر الغارب، أم يؤمّن المستقبل الآتي؟

​بأصابع ترتجف كغصن داهمه الخريف، وقّع سالم الأوراق. في تلك اللحظة، شعر وكأنه يقايض سماءً بسماء، ويقتطع مجرة من أفق ابنه ليزرعها في صدر زوجته.

​عادت دقات قلب الأم تنبض بانتظام، ترسم على الشاشة خطوطاً خضراء تشبه تضاريس نجاة صغيرة.

عند الصباح، وقف "علي" بجانب السرير. نظر إلى والده، ثم إلى الأم التي عاد الدم يداعب وجنتيها ببطء. لم يسأل عن تفاصيل السفر، ولم يندب حظاً. وضع يده على كتف أبيه وقال بابتسامة تفيض باليقين:

— "لقد أعدتَ للبيت روحه يا أبي. وهذا هو الاتجاه الصحيح للريح."

​لكن الحياة، بطبعها الصارم، لا تترك الفراغات بيضاء.

انطفأت المنحة بصمت في أدراج المراسلات البعيدة. ومضت السنوات ثقيلة هادئة؛ انخرط علي في متجر صغير للقطع الكهربائية، يرمم أسلاكاً وأضواءً للناس، بينما كان والده يرمم في داخله شعوراً خفياً بالذنب. كان سالم كلما رأى شاباً يحمل حقيبة سفر أو شهادة بلغة أجنبية، يشعر بوخز صامت، كأن ابنه يمشي بقدم واحدة لأن الأخرى بقيت معلقة في تلك الليلة البغدادية.

​بعد خمسة عشر عاماً، في زاوية الحديقة الصغيرة حيث تنمو شجيرات الياسمين ببطء، جلس سالم واهناً. اقترب منه علي، الذي غزا الشيب صدغيه باكراً.

قال الأب بصوت يشبه حفيف الورق الجاف:

— "سامحني يا بني.. أشعر أنني سرقتُ سمائك لأبقي على أرضنا."

​جلس علي قبالته، ونظر إلى عيني أبيه بتركيز فلسفي دافئ:

— "يا أبي، أنت لم تسرق سمائي.. أنت فقط جعلتني أعيش تحت سماء تظللها أمي. المستقبل ليس مكاناً نصل إليه في الخارج، بل هو هؤلاء الذين نحبهم ونجدهم بجانبنا عندما نلتفت."

​تنهد سالم، ونظر إلى السماء الصافية فوق بغداد. أدرك حينها أن بعض القرارات الكبرى في الحياة تشبه الجراحة بالفعل:

إنها تنقذ الجسد، وتمنح الروح فرصة أخرى لتتنفس، لكنها تترك ندبة صغيرة.. ندبة لا نملك إلا أن ننظر إليها بامتنان دافئ، لأنها تذكرنا دائماً بالثمن الذي دفعناه لنظل معاً.

بغداد /تموز / 2026



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )


المزيد.....




- تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية
- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يلتقي محافظ ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة ال ...
- قنصوة: الأنشطة الطلابية جزء أصيل من التجربة الجامعية.. والمو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مقايضة الضوء