أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الغرفة 13















المزيد.....

الغرفة 13


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 22:05
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة

​حين عاد الجسد إلى الحياة، كان يخشى أن يسبقه القلب في رحلة الرحيل.


​— "جدتي... أنتِ واقفة؟"

​صرخ "آدم" وكأنه يرى معجزةً تتشكل من طين وذكريات. في تلك الثواني، توقف بندول الزمن عن الحركة. حدّق في وجهي بعينين متسعتين، تلمعان بذهول طفلٍ ظنّ أن حصته من الأمان قد تسرّبت من بين أصابعه. ثم ارتمى في أحضاني بكل ما يملك من طاقة الغريق الذي عثر على الشاطئ. احتضنته، وبكيت؛ لم يكن بكاء وجعٍ هذه المرة، بل كان نشيج النجاة.

​قبل ثلاثة أشهر، كنتُ مقتنعة تماماً بأنني بلغتُ محطتي الأخيرة في مكانٍ بارد يُدعى "الغرفة 13". لم تكن تلك الغرفة سياجاً من جدران، بل كانت تجسيداً للفكرة التي استوطنتني: أنني انتهيت.

​ثلاثة أشهر قضيتها في دارٍ للمسنين عند أطراف بغداد. سرير حديدي بائس، طاولة مشروخة، خزانة ضيقة تتسع لما تبقى من امرأة اختصرها العمر في بضع قطع من القماش، ونافذة تطل على حديقة صامتة لا تزورها العصافير. هناك، في الخامسة والستين من عمري، أدركتُ حقيقةً وجودية مريرة: الإنسان لا يموت دفعة واحدة، بل يموت على أقساط؛ قسطٌ حين يخذله الجسد، وقسطٌ حين يشعر أنه بات عبئاً ثقيلاً على كاهل من يحب، والقسط الأخير والقاتل... حين يقتنع من الداخل أن قطار الحياة قد تجاوزه.

​كنتُ أظنني سددتُ القسط الأخير.

​اسمي سلوى؛ ممرضة متقاعدة من مستشفى "مدينة الطب" ببغداد. أربعون عاماً قضيتها بين قناني المغذيات، وحقن الطوارئ، وأجهزة الإنعاش التي تقيس النبض الفاصل بين الوجود والعدم. رأيتُ الموت ينسلُّ إلى الغرف بخطى الثعالب، ورأيتُ الحياة تشبث بأطراف أصابع مريض عائد من حافة برزخ لا يعود منه أحد. المفارقة الساخرة، أنني بعد كل تلك السنوات التي قضيتها في إسعاف الآخرين، وقفتُ عاجزة عن إنقاذ ذاتي.

​كنتُ أظن التقاعد ملاذاً للسكينة. كنتُ أحلم بطقوس بغدادية دافئة: أن أخبز "الكليجة" في الأعياد، أن أتسوق من عطور "الشورجة"، أن أشتري الجبن الطازج من الباعة المتجولين، وأن ألاحق أحفادي في الباحة الخلفية. لكن ركبتيّ كان لهما رأيٌ آخر.

​بدأ الألم كضيفٍ يطرق الباب باحتشام، ثم استقر كمالكٍ أصيل للمكان. مع كل خطوة، كنت أسمع طقطقةً جافة، كأنها حوارٌ جنائزي بين عظمتين تتفاوضان على من سينهار أولاً. جاء التورم، وتبعه العجز، وتحول المشي إلى مجرد ملاحة بائسة بين قطع الأثاث. وفي الصباحات، كان جسدي يستيقظ متحجراً، كأنه تمثال نُحت من طين الوجع.

​كان زوجي "حسن" — بسبعينياته المنهكة وانزلاقه الغضروفي القديم — يحملني كطفلة إلى الحمام، في مشهدٍ يمزق الروح. وفي ليلةٍ معتمة، سمعته يهمس لابنتنا "رشا" عبر الهاتف بصوتٍ متهدج:

— "أمكِ تنهار يا ابنتي... وأنا أتهاوى معها".

​بكيتُ خلف الباب المغلق بصمتٍ مرير. لم تجرحني الكلمات، بل جرحتني الحقيقة العارية.

​بعد أسبوع، وصلت "رشا" من مغتربها في النمسا. قالت وهي تحاول جاهدةً ترويض بحّة صوتها:

— "أمي... دار الرعاية ستكون مرحلة مؤقتة فقط".

"مؤقتة"... ما أكثر الكلمات التي تُصاغ بدافع الرحمة، لكنها تقع في مسامعنا كوقع الخيانة. وافقتُ؛ لا رغبةً في الذهاب، بل إشفاقاً على ظهر "حسن" المنحني، وخوفاً من أن يقتله بقائي في البيت قبلي.

​في الدار، كانت شريكتي في الغرفة امرأة سبعينية من "الكرادة الشرقية"، نهش الزهايمر ذاكرتها. كانت تنادي أمها كل ليلة ببكاءٍ طفولي متواصل، كأن الزمن تعطل في وعيها عند نقطة الطفولة الأولى. كنت أراقبها وأتساءل بفلسفة العاجز: ما هي الشيخوخة في جوهرها؟ هل هي تآكل الغضاريف، أم تآكل الذاكرة؟ أم هي ذلك الصباح الذي تستيقظ فيه فلا تدري أين ينتهي بيتك القديم... وأين يبدأ منفاك الجديد؟

​كان طبيب الدار صريحاً إلى حد القسوة: خشونة مطلقة، وتآكل كامل في المفاصل. العمليات باهظة الكلفة، وقوائم الانتظار طويلة، وبدون معجزة... فالكرسي المتحرك ينتظركِ خلال أشهر.

عجيبةٌ هي قدرة الكلمات على إطفاء بريق العقود!

​صرتُ أعيش لأجل يوم السبت؛ يوم زيارة "حسن". كان يأتي محملاً برائحة "الصمون الحار" من فرن منطقتنا، يجلس قرب سريري ساعةً من الصمت المشحون بالحب، ثم يمضي. وكنت أراقبه من وراء زجاج النافذة؛ رجلٌ عجوز يجر خطاه بصعوبة، لكنه يقطع المسافات كل أسبوع ليعيد إليّ صلتني بالعالم الخارجي.

​ثم جاء الاتصال الذي غيّر مجرى الركود.

رقمٌ غريب، لكن الصوت كان يحمل نبرةً من زمن مضى. إنها "نادية"، صديقة العمر والدراسة، التي لم أرها منذ سنوات حين كانت تعرج ممسكةً بعكازين جراء تلف مفصل الورك وعرق النسا. في اليوم التالي زارتني، قادمةً من البصرة.

​حين دخلت الغرفة، تجمدتُ في مكاني. لا عكازات... لا عرج... كانت تمشي بثباتٍ يحسدها عليه الشباب. همستُ ومحاجر عيني تتسع ذهولاً:

— "كيف؟"

ابتسمت بوجهٍ مشرق، وقالت:

— "لم يشفني دواء سحري يا سلوى، بل أنقذني شيءٌ أعمق من العقاقير".

أخرجت من حقيبتها شريطاً مطاطياً، وكرةً صغيرة، ودفتر ملاحظات، وأردفت:

— "علاج طبيعي، تأهيل، إنقاص وزن، صبر، وانضباط حديدي".

ضحكتُ بمرارة السجين: "أنا انتهيت يا نادية".

أمسكت بيدي بقوة زلزلت يأسي، وقالت جملتها التي هدمت السد داخلي:

​"لا... أنتِ لم تنتهي. أنتِ فقط آمنتِ بفكرة النهاية. الألم يا سلوى لا يعني دائماً أن الجسد ينهار، أحياناً يكون إشارة صاخبة إلى أنه ما زال يقاوم ويطلب النجدة".


​في الصباح التالي، طلبتُ مقابلة اختصاصي العلاج الطبيعي في الدار. فحصني ملياً، ثم قال بابتسامة دافئة:

— "الحالة معقدة يا خالة سلوى... لكن لديّ بشارة لكِ".

سألته بلهفة مستيقظة: "شنو؟"

قال: — "أنتِ لستِ جثة هامدّة. عضلاتكِ خاملة لأنكِ حكمتِ عليها بالموت، لكنها لم تمت بعد".

​بدأت المعركة. اليوم الأول كان جحيماً مستعراً. رفع الساق سنتيمتراً واحداً عن السرير كان يتطلب طاقةً توازي تحريك جبل. ثني الركبة عشر درجات كان معركة دموية ضد الألم. كنت أبكي، أصرخ، وأشتم قسوة التمارين أحياناً، لكن المعالج كان يستقبل ثورتي بابتسامة هادئة وقوله: "ممتاز... الصراخ يعني أننا أيقظنا العصب النائم".

​بعد أسبوعين، بدأ التورم بالانحسار. بعد شهر، وقفتُ لعشر ثوانٍ كاملة دون استناد. بعد شهرين، مشيتُ سبع خطوات متتالية. سبع خطوات فقط في الممر، لكنني بكيتُ عندها كطفلة تخطو أولى خطوتها في الوجود.

​وفي الشهر الثالث، حدثت المعجزة الحقيقية؛ ولم تكن شفاءً إعجازياً هبط من السماء، بل كانت المعجزة الأصعب: إنسانٌ قرر ألا يستسلم لخريف جسده.

​نزلتُ وحدي من الطابق الثاني إلى الحديقة. ببطءٍ شديد، خطوة... تتبعها خطوة... تتبعها خطوة. رأتني الممرضة فشهقت مذهولة: "خالة سلوى! أنتِ تمشين على قدميكِ!".

​نعم، أنا أمشي.

​حين جاءت "رشا" بعد أيام لتفقد أحوالي، التفتُّ إليها وقلت بثقة استعدتها من ركام السنين: "أحضري لي حذائي البني القديم". ذاك الحذاء الذي هجرته لشهور. ارتديته، فكان على مقاس إرادتي الجديدة. مشيتُ برفقتها نحو بوابة الدار، وعند العتبة، التفتُّ وراء الغرفة "13". هناك، انجلت الحقيقة بكامل فلسفتها: الغرفة لم تكن سجناً قط... استسلامي وقناعتي بالعجز هما القيد.

​وقّعتُ أوراق الخروج. كان "حسن" ينتظرني في سيارة الأجرة. رآني من بعيد وأنا أتقدم نحوه منتصبة القامة بلا عكاز. لم ينطق بكلمة واحدة، واكتفى بالبكاء؛ وثمة دموع تختزل في طياتها ما تعجز عنه لغات الأرض برمتها.

​عدتُ إلى بيتي؛ مملكتي الأولى. دلفتُ إلى المطبخ مباشرة، نثرتُ الطحين، وعجنتُ "الكليجة". وحين تسرّبت رائحة الهيل والسمن الزكي لتملأ الفضاء، دخل "آدم" راكضاً، لتنطلق صرخته التي أعادت ترتيب الكون في داخلي:

— "جدتي... أنتِ واقفة؟"

​اليوم، نسير أنا وحسن كل صباح في ممرات حديقة "الزوراء". ظهره يؤلمه في بعض الأحيان، وركبتاي تطقطقان في أحيان أخرى. لم نعد إلى سن الشباب، ولم نتخلص من تآكل السنين، لكننا عدنا إلى "الحياة"، وهذا لعمري يكفي.

​تعلمتُ في الغرفة 13 أن الشيخوخة لا تبدأ حين يضعف النبض أو تتآكل الغضاريف، بل تبدأ في اللحظة التي يرفع فيها الإنسان الراية البيضاء معلناً نهاية صلاحيته. أما أنا... فقد حطمتُ جدران تلك الغرفة، وخرجتُ إلى النور قبل أن تتحول إلى ضريح يُقبر فيه الأمل.


بغداد / تموز / 2026



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة
- مذكرات الست سعيدة ​( 14 )
- مذكرات ست سعيدة ( 13)


المزيد.....




- اتحاد أدباء العراق يحتفي بكتاب -الموريسكيون في الرواية العرب ...
- مهرجان -تولستوي- المسرحي في روسيا يجمع 24 عرضا في نسخته العا ...
- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...
- محمد القصبجي.. عبقري العود الذي أرسى دعائم الموسيقى العربية ...
- رحيل الفنان عبدالعزيز مخيون.. وداعاً مثقف الشاشة المصرية ومن ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - الغرفة 13