أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات مراهقة /1














المزيد.....

مذكرات مراهقة /1


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 00:27
المحور: الادب والفن
    


​سقوط الفارس من كتاب الأسطورة

​في الخامسة عشرة، لا يُقاس الحب بالواقع، بل بمدى اتساع الخيال لابتكاره.
​كانت إيمان تقرأ سيرة عنترة بن شداد غافلةً عن صهيل الخيل وصليل السيوف؛ فلم تكن تعنيها حروب الصحراء بقدر ما تشغلها عبلة—تلك المرأة التي استطاعت أن تجعل رجلاً يرى العالم كله ساحة قتال لأجل عيونها.
​وحين كانت تقف أمام المرآة، لم تكن تتأمل ملامحها الناشئة، بل تبحث عن ظل عبلة المخبأ في عينيها، وتهمس لنفسها بطفولة واثقة:
​— سيأتي عنتر يومًا.
​وجاء… أو هكذا توهمت.
​في رحلة مدرسية إلى "جزيرة بغداد السياحية"، حيث تتشابك ظلال الأشجار على مياه دجلة، وقع بصرها على فؤاد، صديق أخيها. كان أطول من أترابه، في عينيه هدوء يُشبه الحكمة، وفي حضور ثقة ظنتها إيمان، للوهلة الأولى، نبل الفرسان القدامى.
​قال لها بنبرة عابرة:
​— إيمان؟ لم أتوقع أن أراكِ هنا.
​لم تكن الكلمات غزلًا، لكن إيمان حملتها في صدرها كما تُحمل الأسرار الصغيرة، وخبأتها تحت وسادتها ليلاً لتُزهر أحلاماً.
​بدأت الرسائل تُحاكُ خيطاً فخيطاً؛ سؤالٌ عابر عن الدراسة، ثم حديثٌ يطول حتى هزيع الفجر، ثم وعودٌ برّاقة بأنها "المختلفة"، وأن الزواج هو المستقر الأخير حين تُتاح الظروف.
​وذات مساء، وهي تمسك الهاتف بفرصاد مشتعل، سألته:
​— وهل تستطيع أن تقف بوجه الدنيا من أجلي؟
​جاءه الرد سريعاً كطعنة مموهة بالنبل:
​— أفعل أكثر مما فعل عنتر لعبلة.
​أغلقت الهاتف، وضمت وسادتها برفق. لقد اكتملت الأسطورة، وحلّ الفارس في بيتها.
​لكن الأيام لم تطل حتى بدأ الفارس يتخفّف من درعه. صار يطلب منها إثباتاتٍ للحب: صورة أولاً، ثم لقاءً خاطفاً بعيداً عن العيون، ثم نبرة عتابٍ تلعب على وتر الثقة: "من يحب لا يخاف".
​ترددت إيمان. كادت تسقط في الفخ، لا لأنها تصدقه هو، بل لأنها كانت مستميتةً في الدفاع عن "الفارس" الذي اخترعته في رأسها.
​وفجأة، وفي مساء ثقيل الصمت، سقطت الأقنعة برسالة أخطأت طريقها.
​رسالة أرسلها إليها سَهواً، وكانت موجهةً لصديقه:
«البنت مصدقة حكاية الزواج كلها.»
​قرأت الجملة.
ثم أعادت قراءتها.
ثم انطفأ الشاشة في يدها كجمرة أُلقيت في ماء بارد.
​لم تدمع عينها على فؤاد؛ فؤاد لم يكن سوى مجسمٍ فارغ. بكت على عنترة… على الرمز الذي بنته حجراً بحجر عبر سنوات، ثم ألبسته بالخطأ وجه أول عابر قال لها: أحبك.
​حذفت كل شيء، وأغلقت الهاتف، وجلست أمام المرآة طويلاً.
​هذه المرة، لم تفتش عن عبلة في الوجه المنعكس، بل رأت فتاةً في الخامسة عشرة، أدركت للتو أن الأوهام ذات كلفة عالية، وأنها كانت على وشك دفع الثمن لأسطورة لم يكتبها عنتر، بل ألّفتها هي.
​وفي الصباح، مشت بخطوات هادئة نحو الرف، وأعادت كتاب "سيرة عنترة" إلى مكانه. وقبل أن تترك الصفحات للغبار، كتبت على الصفحة الأولى بخط صغير وثابت:
​"ليس كل من وعد بالحرب فارساً؛ بعضهم كان يحتاج فقط إلى ضحية تُصدّق."
​وكان ذلك أول درس خطّته الحياة في دفتر وعيها:
إن القلب حين يسبق العمر، قد يرى الحصان الأبيض… ولكنه يعمى عن وجه الفارس.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )


المزيد.....




- رحيل دوللي بارتون ملكة موسيقى -الكانتري- وصاحبة الإرث الإنسا ...
- رحيل الفنان الفلسطيني سليمان منصور: كواليس أيقونة -جمل المحا ...
- ترامب يأمر بتنكيس الأعلام أسبوعا حدادا على وفاة النجمة دوللي ...
- الممثلة اليهودية هانا إينبيندر تدافع عن مارك رافالو بعد اتها ...
- وفاة دولي بارتون -ملكة موسيقى الكانتري-
- -ما وراء الاستشراق-.. كيف نُعيد بناء اللقاء الحضاري بعيداً ع ...
- وفاة أسطورة موسيقى الكانتري الأمريكية دولي بارتون عن 80 عاما ...
- معتصم النهار يراهن على الكوميديا والدراما الاجتماعية في رمضا ...
- بيان مشترك | مصر: حان الوقت لإطلاق سراح المخرج عمر صلاح مرعي ...
- كبرنا وكبر الكرتون.. هل كان الضحك كافيًا أم بات لا يضحكنا شي ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات مراهقة /1