أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي















المزيد.....

امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 02:27
المحور: الادب والفن
    


​حين تتفوق الصورة على الحقيقة، ويبدأ الحب من المحاولة الثانية

​قد يكون الوهمُ كاذباً، لكنّ القلبَ الذي عاشَهُ لم يكن يكذب.

​كانت تنظرُ إليه كما ينظرُ الإنسانُ إلى غريبٍ اقتحمَ وحدتَهُ دونَ موعد، بينما كان هو ينظرُ إليها كما ينظرُ مسافرٌ أنهكَهُ الطريقُ إلى البيتِ الذي ظلّ يحلمُ بالعودةِ إليه.

​وقف «محمد» أمام طاولتها في أحد مطاعم بغداد. على وجهه ابتسامةٌ مرتبكة، تتنازعها فرحة اللقاء وخشية اللحظة الأولى. قال بصوتٍ حاول أن يخفي ارتجافه:

ـ السلام عليكم، دكتورة فرح.

​رفعت المرأةُ رأسها عن الكتابِ الذي كانت تقرؤه، وردّت السلامَ بابتسامةٍ مقتضبة، ثم تأملته كأنها تبحثُ في ذاكرتها عن وجهٍ غاب عنها. انتظر أن تنطق اسمه.. أن تضحك من ارتباكه.. أن تعاتبه لأنه ترك للصدفة ما عجزت المواعيد عن تحقيقه.

​لكنها قالت:

ـ عذرًا... هل أعرفك؟

​ارتبكت ابتسامته، لكنه حسب سؤالها دعابةً ثقيلة أرادت بها معاقبته على ظهوره المفاجئ. قال:

ـ يبدو أنك قررت أن تبدئي لقاءنا بالمزاح!

​لم تتغير ملامحها:

ـ أعتذر منك، لكنني لا أمزح.. أظنك أخطأت في الشخص.

​نظر إلى وجهها مليًّا. كان هو الوجه الذي حفظه خلال ثلاثة أشهر: العينان الهادئتان، الخصلة المائلة، الخاتم الفضي، والشامة الصغيرة عند جانب أذنها اليسرى.

​قال وكأنه يدافع عن ذاكرته:

ـ لا يمكن أن أخطئ فيكِ.

​أغلقت كتابها وقالت بحزمٍ مهذب:

ـ ربما تشبهني امرأة تعرفها، لكنني متأكدة أنني لم ألتقِ بك من قبل.

​لم يكن يخشى أن تقول إنها لم تعد تحبه؛ كان يمكنه بمرور الوقت أن يحتمل ذلك. لكنه لم يتخيل يومًا أن تقول إنها لا تعرفه.. فكأنها لم تنكر علاقة بينهما فحسب، بل محته هو من ذاكرتها ومن الحكاية كلها!

​سألها بصوت منخفض:

ـ هل أنتِ بخير؟

ـ نعم، بخير.

ـ فلماذا تتصرفين كأنك لا تعرفينني؟

​أجابته بهدوء الطبيبة التي اعتادت وزْن كلماتها:

ـ لأنني، فعلًا، لا أعرفك.

​حولَهما، كان المطعم يمضي في ضجيجه المعتاد: نادل يحمل صينية، طفل يلح على أبيه، وأكواب تتلامس. غير أن الزمن عندهما بدا كأنه توقف، تاركًا رجلًا وامرأة أمام حقيقتين متعارضتين.

​قالت:

ـ أخبرني، من فضلك، أين التقينا؟

​أخرج محمد هاتفه، ومدّه نحوها. وفي اللحظة التي امتدت فيها يدها، عاد الزمن في ذاكرته ثلاثة أشهر إلى الوراء.. إلى ليلةٍ بدأت برسالةٍ عادية: «مساء الخير».

​كتب محمد يومها تعليقاً على منشورٍ طبي يتناول علاقة الضغوط النفسية بأوجاع الجسد. لم يكن طبيباً، بل كان قارئاً جيداً تعلّم من سنوات عمله في دائرة التقاعد العامة أن الأجساد لا تحمل آثار العمر وحده، بل تحمل أيضاً خيبات أصحابها وانتظارهم الطويل.

​جاءه الرد من حسابٍ يحمل اسم «الدكتورة فرح»: «أعجبني أنك ناقشت الفكرة بعقل، لا بانفعال».

​ومن تلك الليلة، امتد الحديث. بدأ بالطب والقراءة، ثم خرج منهما إلى الموسيقى، والمدينة، والوحدة، والأشياء الصغيرة التي لا يبوح بها الإنسان إلا عندما يشعر أن خلف الشاشة روحاً تصغي إليه.

​كانت رسائلها نافذته الصغيرة إلى الهواء. سألها ذات مساء:

ـ ما أكثر شيء تخافين منه؟

فتأخر جوابها ثم كتبت:

«أن أستيقظ يومًا، فأكتشف أنني عشت عمرًا لا يشبهني».

​ظلت العبارة تُحفر في داخله. قال في نفسه: "المرأة التي تخاف أن تخون نفسها، لا يمكن أن تخون قلباً". وكان ذلك أول خطأٍ جميلٍ ارتكبه.

​توالت الرسائل، وصار غيابها يجعل الوقت أثقل، وحضورها يمنح اليوم معنى لا يستطيع تفسيره. وعندما سألته والدته ذات يوم عن الصورة التي وضعها قرب سريره، قال بعفوية رجلٍ صدّق قلبه قبل أن يصدق العالم:

ـ اسمها فرح... حبي الجديد.

​حذّرته أمه يومها وهي تتجه نحو الباب:

ـ يا محمد، لا تجعل قلبك يسبق خطواتك. فالطريق الذي يركض إليه القلب قد يتأخر عنه القدر.

​عادت الذاكرة إلى طاولة المطعم..

​كانت فرح الحقيقية تقلب الرسائل في هاتف محمد. ومع كل حركة من إصبعها، كانت ملامحها تتغير. قالت أخيرًا:

ـ هذه صوري فعلًا.. لكن الكلمات ليست كلماتي! وهذا الحساب لا يعود لي.

​أخرجت هاتفها وأرته صفحتها الرسمية:

ـ أحدهم أخذ اسمي وصوري، وصنع بها حساباً مستعاراً.. يا أستاذ محمد، أنا لا أملك هذا الرقم، ولم أتحدث إليك يومًا.

​نظر إلى هاتفه، ثم إلى هاتفها. كان الاسم واحدًا، والصورة واحدة، والمرأة أمامه هي نفسها التي أحب ملامحها، لكنها خالية تمامًا من الذكريات التي جمعته بها!

​شعر أن الحقيقة انشطرت أمامه إلى نصفين: وجهٌ يعرفه، وروحٌ لا تعرفه.

​أغلق هاتفه ببطء ونهض مستأذناً، لكنها أوقفته:

ـ أستاذ محمد، اجلس من فضلك.. إن خرجت الآن، فسأشعر أنني تركت إنسانًا جاءني بقلبه، فعاد يحمل انكساره وحده.

​جلس، وبدأ يحكي لها الحكاية من بدايتها. وعندما سألته فرح:

ـ هل أحببتني أنا... أم أحببت الصورة التي رسمتها عني؟

​صمت محمد ملياً.. كان السؤال أصعب من كشف الخديعة نفسها! قال بعد تفكير:

ـ لا أعرف. ربما أحببت امرأة بنيتها من الصور والكلمات، وأكملت ما نقص منها بخيالي.. الغريب أنني لا أكره ذلك المحتال، لأنه رغم كذبه، منحني ثلاثة أشهر كانت من أجمل أيام حياتي. السعادة التي شعرتُ بها لم تكن كاذبة.

​ابتسمت فرح ورأت فيه رجلاً نادراً يعترف بضعفه وبحقيقة مشاعره دون ادعاء، فقالت:

ـ أنت رجل محترم ومثقف.. لكن دعنا نبدأ من المكان الصحيح. يمكننا أن نكون صديقين.

​أجابها بابتسامة باهتة:

ـ أنتِ ستبدئين من الصفحة الأولى، أما أنا فقد قرأتُ الكتاب كله.. وأحتاج إلى وقتٍ حتى يقتنع قلبي بأن بطلتَهُ لم تكتبه.

​مرت الأسابيع..

​عاد محمد إلى حياته الهادئة. فتح درَجه ذات مساء، وأخرج صورة فرح من الإطار ووضع بدلاً منها صورة والده، بينما جعل صورة فرح بين صفحات كتابٍ توقف عن قراءته منذ أشهر، هامساً لنفسه:

"بعض الصفحات لا نحتاج إلى أن نحرقها... يكفي أن نغلق الكتاب".

​وفجأة.. أضاء هاتفه برسالة من رقمٍ جديد:

«مساء الخير أستاذ محمد. أعجبني أنك واجهت ما حدث بعقل، لا بانفعال.. فرح.»

​ثم أتبعتها برسالة أخرى:

«وجدت رقمك في بطاقة التعريف التي نسيتها على الطاولة. غداً أنهي عملي في الخامسة.. إن لم يكن لديك ارتباط، فهل تقبل أن نشرب فنجان قهوة؟»

​نظر محمد إلى الشاشة، ثم رفع رأسه لأمه التي لاحظت بريق عينيه، فقال لها:

ـ الحقيقة وصلت أخيرًا يا أمي.. لم تكن بعيدة، لكنها كانت تسيرُ على مهل.

​كتب إلى فرح:

«يسعدني اللقاء، لكن بشرط.. دعينا هذه المرة نتعارف ببطء، فبعض القلوب تستحق أن نصل إليها سيرًا على الأقدام.»

​فجاءه الرد: «اتفقنا.»

​خرج محمد في اليوم التالي متوجهاً إلى موعده الجديد. لم يكن ذاهباً لتعويض وهمٍ ضائع، بل كان ذاهباً إلى الصفحة الأولى.. حيث لا صورة تسبق صاحبها، ولا قلب يركض بعيداً عن خطواته. ولأول مرة، لم يشعر أن القدر جاء متأخراً، بل جاء في اللحظة التي أصبح فيها قادراً على استقباله.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )
- مذكرات سائق تكسي ( 1 )
- مذكرات ست سعيدة( 15) والاخيرة


المزيد.....




- فرقة -BTS- تعلن عدم ترشيح أعمالها لجوائز غرامي العام المقبل ...
- فستان مارلين مونرو وسيارة جيمس بوند.. أغلى مقتنيات الأفلام ا ...
- ماذا تقول الثقافة اليهودية في سلوكه؟.. سيناتور أمريكي يثير ...
- تتارستان ترمم مسجدا وكنيسة خشبيين من أقدم معالمها المعمارية ...
- من الأدب إلى السياسة.. هذه الكتب رافقت أوباما في صيفه هذا ال ...
- فيلم نولان يرفع مبيعات -الأوديسة- لهوميروس في روسيا بنسبة 19 ...
- تريتياكوف يستعيد علاقته التاريخية ببولينوف.. لوحات الجليل وا ...
- -سوريون أم لبنانيون؟-.. الخارجية اللبنانية تتدخل لتصحيح -خطأ ...
- بعد حل العقبات القانونية.. الفيلم الروسي -المعلم ومارغريتا- ...
- نساء يحملن أباريق الشاي..فنانة تحوّل تفاصيل البيوت بالمغرب ل ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي