أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات مراهقة / 3














المزيد.....

مذكرات مراهقة / 3


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 22:41
المحور: الادب والفن
    


ترميمُ الغياب

​في السادسة عشرة، لم تكن الأسئلة تُطرح عليَّ لكي أُجيب، بل لتُحدَّدَ إقامتي داخل أوهامهم.
​كان السؤال عن المستقبل يقع على كاهلي كجدارٍ يتهدم بطبقاتٍ من الإسمنت. يسألني أبي بصوتٍ يحمل يقين الضباط والأطباء:
— ماذا قررت؟ الطب أم الهندسة؟
​وتسبقه أمي بنظرةٍ ممتلئة بالرجاء المعلق على كتفيَّ:
— سيف ذكي، وسيكون طبيباً.
​أما أنا، فكنتُ ألوذ بابتسامةٍ باهتة، وألوذ بصمتي. لم أكن أكره الطب، ولا أحلم بالهندسة؛ كان السر الحقيقي الذي أخشى الاعتراف به حتى لنفسي: أنني لم أستدلّ بعد على ما أحبه. كنتُ أشعر كأنني صفحة بيضاء في كتابٍ يتزاحم الجميع على الكتابة فيه.
​في أروقة المدرسة، كان لكل رفيقٍ خريطةٌ جاهزة: "حيدر" يرى نفسه في زيٍ عسكري، "مصطفى" يذوب في تفاصيل معالجات الحاسوب، و"حسام" يقطع تذكرة وهمية نحو ألنمسا كل صباح. وحين التفت إليَّ مدرس الرياضيات وتساءل عن مقعدي في غد الأيام، لم أملك إلا ضحكة خفيفة ورداً عابراً:
— لا أعرف.
​ضج الممر بضحكات الزملاء، فيما ألقى المدرس جملةً كأنها قذيفة ناعمة:
— عليك أن تعرف.. الوقت لا ينتظر الغافلين.
​منذ تلك اللحظة، تحول الزمن لديَّ إلى مضمار ركضٍ مجنون؛ الجميع يركضون نحو نقطة وصول مرئية، وأنا وحدي أقف عند خط البداية، أتأمل الخيوط المقطوعة.
​توارى نشاطي المعهود، وسكنتُ إلى نومٍ طويل وهربٍ متواصل عبر شاشة هاتفي: هذا أقراني يعزف أوتار الغيتار، وذاك يحصد ذهب الرياضة، وآخر ينساب بلغة غريبة كأنها لغته الأم. كنتُ أغلق شاشتي كل ليلة وأنا أشعر ببردٍ قارس؛ الجميع صاروا شيئاً ملموساً.. إلا أنا.
​وفي ظهيرة شاحبة، انزلقتُ من الباب الخلفي للمدرسة هرباً من الحصة الأخيرة.
​صعدتُ أول حافلة تصادفني. عبرت بي بغداد، بضجيجها، وواجهاتها، وجسورها المقوسة فوق دجلة. كانت المدينة تموج بحركة لها أهداف محددة، بينما كنتُ الراكب الوحيد الذي ينظر من النافذة بلا محطة ينتظرها.
​نزلتُ قرب شارع المتنبي. مشيتُ بين الممرات المتشابكة مع رائحة الورق المعتق والأزقة القديمة، حتى توقفت قدماي أمام رصيفٍ يفرش عليه رجلٌ مسنٌ أطنان الأفكار المطبوعة. مددتُ يدي إلى كتابٍ مجلد، قلّبتُ أوراقه، ثم أعدتُه بنشيجٍ مكتوم.
​تفرّس فيَّ الشيخ المكتظ بالخبرة وقال:
— عن أي شيء تبحث يا بني؟
​رددتُ بنبرة انكسار:
— لا أعرف.
​ابتسم العجوز ابتسامةً عريضة وشبّك يديه:
— إذن أنت في الطريق الصحيح.. ابحث! ليس ذنباً ألا تعرف، الذنب أن تتوقف عن البحث.
​وقعت الكلمات في أذني كإيقاعٍ موسيقي يُعيد ضبط الأوتار النشاز.
​جلستُ على حافة الرصيف، أخرجتُ دفتر الصغير وقلمي، وفي المساحة البيضاء النظيفة، لم أكتب ما يتمنى أبي، ولا ما تطلبه أمي، ولا ما يفرضه المدرس.. أمليتُ على الورق أول سطور كياني:
​"اسمي سيف. عمري ستة عشر عاماً. لا أعرف ماذا سأكون غداً.. لكنني أعلم الآن أنني أحب الرسم، وأضيق بالرياضيات، وأجد سكينة غريبة حين أُعيد الحياة إلى الأشياء القديمة المكسورة."
​عندما وطئت قدمي عتبة الدار، كان أبي ينتظر عند الممر، والعتاب يسبق عينيه:
— أين كنت حتى هذا الوقت؟
​رفعتُ رأسي. ولأول مرة، لم أهرب بعينيَّ نحو الأرض، بل استقررتُ بنظري في عيني أبي بثباتٍ هادئ:
— كنتُ أبحث عني.
​— وهل وجدتك؟
​ضممتُ دفتري الصغير إلى صدري وقلت:
— ليس كلياً.. لكنني عرفتُ الإبرة التي سأبدأ بها حياكة ثوبي.
​دخلتُ غرفتي، واتجهتُ مباشرة إلى زاوية الخزانة المهجورة. أخرجتُ جهاز "راديو" قديم، صدئ الحواف، كان قد توقف عن النهوض منذ سنوات.
​وضعته على الطاولة، فككتُ براغيه بحرص، رتبتُ قطع المحول والصمامات، وبدأتُ أتفحص أسلاكه الدقيقة النحاسية، أُعيد وصل ما انقطع، وأُنظف النقاط التي تراكم عليها الغبار.
​وبعد ساعة من الصبر والتركيز، اهتزت السماعة الصغيرة، وانطلق من جوف الراديو صوتٌ دافئ، خافت ومشوّش، ينساب كالموسيقى في عتمة الغرفة.
​ابتسمتُ، وكانت تلك أول ابتسامة حقيقية تخرج من أعمق نقطة في روحي.
​لم أكن قد رسمتُ معالم مستقبلي بعد، لكنني صعدتُ أول درجات الحقيقة: أن الضياع الأكبر ليس في تعثرك وأنت تبحث عن وجهتك، بل في أن تسير بسرعة فائقة في طريقٍ عبّده الآخرون لك، لتصل في النهاية وتكتشف أنك لم تكن هناك أبداً.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكّرات مراهقة / 2
- مذكرات مراهقة /1
- امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )


المزيد.....




- -يا المقنين الزين-.. حين أنقذت أغنية جزائرية شهيدا من النسيا ...
- التعليم العالي تعلن تفاصيل قبول الطلاب الحاصلين على الشهادات ...
- التعليم العالي: «القاهرة 2026» تتجاوز حدود المنافسات الرياضي ...
- تقرير: مسؤولون عسكريون يخشون تأثير نهج هيغسيث على جهود تحديث ...
- انطلاق تدريب معلمي اللغة الألمانية على كتاب «Dabei» المقرر ض ...
- -السيدات العالمات-.. معرض في موسكو يروي قصص رائدات العلم
- صفقة النفط مع فنزويلا.. -مشهد مافيا- على طريقة فيلم العراب؟ ...
- يعقوب الأطرش.. فنان فلسطيني يكتب التاريخ بالفسيفساء
- 5 صفقات أشعلت الانطلاقة العالمية للموسيقى الإفريقية
- الفاشر وأسئلة المآل.. حين تصبح الثقافة والتراث والإبداع تحت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات مراهقة / 3