أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكّرات مراهقة / 2














المزيد.....

مذكّرات مراهقة / 2


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8814 - 2026 / 8 / 31 - 08:09
المحور: الادب والفن
    


​القميص الأزرق

​لم أكن أكره المرآة، لكنني في السابعة عشرة بدأتُ أشك في أمانتها؛ فالزجاج لا يعكس ما نكونه، بل يعيد إلينا ما نتوقع أن نراه، أو ما يتمنى الآخرون أن نكونه.
​كنتُ أقف أمامها كل صباح، أرتب شعري المتمرّد، أتراجع خطوة، ثم أقترب كمن ينقب في ملامحه عن غريب يختبئ تحت الجلد. وما إن تطأ قدمي فناء المدرسة حتى تتوارى مرآة الزجاج لتبدأ المرايا الأشد ضراوة: نظرات الزميلات التي تُقيّم، والتعليقات العابرة التي تصنع للجمال مقاييس صلبة، والصور التي تقرر في ثوانٍ معدودة من يملك المسرح ومن يقف مجرد هامش للحدث.
​في بيتنا البغدادي القديم الذي يتنفس برائحة شاي الهيل المعتّق والألفة الروتينية، كنتُ أعيش هدوئي الشاق؛ أب يعود مع المساء متعبًا من صخب السوق، يحمل جريدته ويلملم حكايات يومه، وأم تحفظ مواعيد امتحاناتي وتعرف لون أطباقي المفضلة، لكنها تعجز عن قراءة السكوت الممتد خلف باب غرفتي المغلق. وكان لي أخ أكبر يملك حق الغياب بجملة واحدة: «سأخرج قليلًا»، بينما تتحول الجملة ذاتها على لساني إلى وثيقة اتهام تتطلب العناوين والرفقاء ومواعيد العودة. لم يكن أهلي قساة، لكن حمايتهم كانت تشبه قبضة حنونة تُحكم إغلاقها حتى تكتم أنفاس ما تحميه.
​ثم كانت سارة.
​لم تكن سارة مجرد صديقة، بل كانت تجسيدًا للخفة التي أفتقدها. تدخل الصف فيستقيم لها الضوء دون جهد، تضحك كأن العالم لا يحمل أسئلة، وتدرك بالبديهة كيف تواجه العدسة دون أن ترتب وجهها.
​في يوم خريفي، التقطنا صورة مشتركة عند مدخل المدرسة ونشرتها سارة. في المساء، كنتُ أقرأ الإعجابات الهائلة المنسابة لها، ثم قمتُ بفيزيائية بسيطة بتكبير الصورة: اختفت سارة، وبقي وجهي يملأ الشاشة. تأملتُ ملامحي التي بدت لي غريبة، أغلقتُ الهاتف ثم أعدتُ فتحه، كأنني أبحث عن تأكيد لوجودي في عالم يفضل الصور الجاهزة.
​بعد أيام، نشرتُ صورة لي وحدي؛ لم تكن مبهرة، مجرد ضوء نافذة يتهادى على شطر من وجهي. ومن بين الإعجابات الشحيحة، برز تعليق من حساب غريب باسم «حسام»:
«أنتِ مختلفة.»
​لم يقل "جميلة"، لكن الكلمة فتحت ثقبة في جدار عزلتي. فالجمال يضعني في مقارنة خاسرة مع سارة، أما "الافتراق" فيمنحني وجودًا مستقلاً. حسام، طالب الجامعة الشاب، صار يتسلل إلى ليلي. يسألني عن أفكاري، وحين اعتراني الضياع وقلتُ له: «لا أعرف ماذا أريد»، أردف بذكاء: «لأنكِ تفكرين أكثر من غيرك».
​كانت تلك أول مصيدة فلسفية أقع فيها؛ لقد توهمتُ أن هناك من يراني لذاتي، بعيدًا عن كوني أختًا أو ابنة أو ظلاً لسارة، ولم أدرك أنني بدأتُ أُعيد تشكيل نفسي لأطابق الصورة التي يرسمها هو لي. حذفتُ ضحكتي العالية لأن ذوقه يتطلب الوقار، واستبدلتُ بألواني المبهجة ثوبًا أسود قال إنه يليق بي. لقد كان يمحو مريم الحقيقية ليصنع "نسخته" المشتهاة مني.
​حين سألتني أمي ليلةً عن سبب انشغالي بالهاتف، كذبتُ وسَمّيتُ سارة. كانت كذبة صغيرة، لكنها جعلت مساحة الغرفة تضيق على نفَسي.
​غير أن السقف الحقيقي لهشاشتي انهار في ظهيرة خميس في ساحة المدرسة، حين لمحْتُ إشعارًا خاطفًا على هاتف سارة يحمل الاسم نفسه: حسام.
​لم تدارِ سارة الحقيقة طويلاً. أخرجت محادثاتها القديمة معه، لأكتشف أن الجمل ذاتها، والعبارات الفلسفية المعكوسة، وحتى تقييم الألوان، كانت بضاعة مكررة يُعيد توزيعها على الصبايا. وتختتم الصورة بوجه سارة المكتوب تحته ذات العبارة: «أنتِ مختلفة».
​في تلك اللحظة، انكشفت الهاوية؛ سارة لم تكن غريمتي بل كانت ضحية أخرى للوهم ذاته، وقالت لي بصوت متهدج: «غرتُ منكِ... فلستُ أملك كل ما تملكين». ورأيتُ لأول مرة أن سارة ليست "الأيقونة" التي تصنعها الصور، بل هي صبية في السابعة عشرة تائهة خائفة مثلي تمامًا.
​عدتُ إلى البيت مشيًا عبر أزقة المحلة. كانت بغداد حافلة بحركتها الاعتيادية: بائع الخضار ينادي بصوته المألوف، أصوات أطفال يركضون خلف كرة قديمة، حفيف النخل في البساتين المجاورة، ورائحة الخبز الطازج تنبعث من المخابز. وكان ألمي يكمن في هذا التناقض: كيف يستمر العالم في الدوران بثبات ودفء بينما يتهدم عالم كامل من الأوهام داخل إنسان؟
​في غرفتي، فتحتُ المحادثة. حدّقتُ في الشاشة مليًّا؛ لم يكن القتيل في هذه المحادثة هو حسام، بل كانت تلك "المريم" المستعارة التي صاغها من أهوائه—تلك الفتاة الصامتة، المقيدة بالأسود، التي تخاف من ضحكتها. أدركتُ أن التنازل عن الذات لإرضاء الآخر هو أقسى أنواع المحو. مسحتُ الأسود المقنع من ذاكرتي، وضغطتُ زر الحذف الأبدي.
​وحين دخلت أمي تحقن الصمت برغيف تفاح وحنان حائر، لم أجد كلمات تشرح الخديعة، لكنني ألقيتُ برأسي على صدرها وبكيت؛ بكيتُ لأغسل النزيف الذي خلفته محاولتي أن أكون شخصًا آخر.
​وفي الصباح التالي، وقفتُ أمام الخزانة. تجاوزتُ القميص الأسود، ومددتُ يدي إلى القميص الأزرق—ذاك الذي اخترتُه يومًا براحة وفرح فطري برفقة أمي.
​ارتديتُه، وقفتُ أمام المرآة، ابتسمتُ، ثم ضحكتُ ملء حنجرتي دون أن أضع يدي على فمي لأقمع صوتي.
​لم أتوقف لأقارن نفسي بسارة، ولم أنتظر من غريب أن يمنحني صك الاستثنائية.
​رأيتُ مريم الحقيقية بوضوح... ومضيتُ إلى الحياة.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات مراهقة /1
- امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )
- مذكرات سائق تكسي ( 3 )
- مذكرات سائق تكسي ( 2 )


المزيد.....




- -رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور ...
- حرب الروايات في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تحاول إسرائيل إعاد ...
- -الفراشة الماسية- تفتح آفاقا جديدة للتعاون السينمائي الروسي ...
- جرس القيصر.. قصة جرس روسيا العملاق الذي لم يُقرع أبدا
- جون بولتون: مهمة مدير -سي آي إيه- في موسكو مسرحية ترمبية
- وفاة الفنان المصري محمد التاجي عن عمر يناهز الـ 72 عاما
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يلتقي محافظ ال ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد جامعة ال ...
- قنصوة: الأنشطة الطلابية جزء أصيل من التجربة الجامعية.. والمو ...
- مصر تكشف عن مشروع لم يسبق له مثيل بمنطقة الأهرامات


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكّرات مراهقة / 2