أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات مراهقة / 4














المزيد.....

مذكرات مراهقة / 4


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 15:50
المحور: الادب والفن
    


​السرُّ الذي خرج من حقيبتي

​اسمي نور، وعمري سبعة عشر عامًا.
​كنتُ أظنُّ أن السرَّ أمانةٌ تُصانُ بالحبّ، ولم أكن أعلم أننا حين نضعُ أسرارنا في قلوب الآخرين، فنحنُ لا نودِعُها هناك، بل نمنحُهم الحقَّ في إعادتها إلينا كما يشاءون.
​عرفتُ ذلك في اللحظةِ التي خطوتُ فيها داخلَ الصف، فارتطمَتْ خطواتي بصمتٍ مفاجئ؛ صمتٍ أثقلَ وأفضحَ من ألفِ كلمة.
​ثلاثُ فتياتٍ تداعينَ أمامي في مشهدٍ مرتبك: إحداهنَّ زرعت عينيها في دفترٍ فارغ، والثانيةُ انشغلت بهاتفها كمن يهربُ من حريق، أما الثالثةُ فأهدتني ابتسامةً باهتةً لا ظلَّ لها.
​جلستُ في مقعدي.
​إلى جواري كانت تجلس "هدى"، صديقةُ العمرِ والدروبِ الأولى. لم تلفِت وجهَها نحوي.
​وكان ذلك السكوتُ كافيًا لتسقطَ الحقيقةُ في صدري كحجر.
​قبل ثلاثةِ أيام، كنا في غرفتي.
​البيتُ هادئٌ كعادته، والوقتُ ينسربُ بيننا. أخرجتُ من حقيبتي ظرفًا صغيرًا، وفي داخله ورقةٌ مطوية. لم تكن رسالةَ حبٍّ سرية؛ فالأسرارُ العاطفيةُ تتبخرُ بدمعة، أما أسرارُ البيوتِ فتبقى رائحتُها عالقةً في الجدرانِ إلى الأبد.
​كانت الورقةُ نتيجةَ فحصٍ طبيٍ لأبي، عثرتُ عليها مصادفةً في درجِ السيارة. لم أفهم المصطلحاتِ الغامضة، لكنّ محركَ البحثِ على الهاتفِ فتحَ أمامي أبوابًا من الرعب.
​منذ ذلك اليوم، تحولتُ إلى حارسٍ صامتٍ لأبي: أعدُّ سعاله، أراقبُ ساعاتِ نومه، وأحصي اللقمَ التي يتركُها في طبقه. حين تسأله أمي: «شبيك اليوم؟»، يجيبُ بنبرةٍ متعبة: «تعب شغل».
​في بيوتِنا، نتعلمُ مبكرًا أن السكوتَ أدب. لكنّ الخوفَ لا يعرفُ الأدب.
​لذلك، أخرجتُ الورقةَ أمامَ هدى وقبلَ أن أفتحَها قلتُ لها:
— تحلفين ما تحچين لأحد؟
​ابتسمتْ بيقينِ السنين:
— بعد كل هالعمر تسألين؟
​قرأتْ الورقة. أشفقتْ عليّ وقالت:
— يمكن الموضوع بسيط.. اسألي أبوچ.
​قلتُ بصوتٍ خفيض:
— ما أگدر.
​كيف أسألُ الرجلَ الذي يتكئُ عليه البيتُ كلّه إذا كان سيبقى معنا؟ كيف نسألُ الأشجارَ العتيقةَ هل ستصمدُ بوجهِ الريح؟
​أمسكتْ يدي وقالت:
— أموت ولا أحچي.
​وصدقتُها. لا لأنها معصومة، بل لأننا حين نَخاف، نلتصقُ بأولِ يدٍ تمتدُّ إلينا.
​في المدرسة، وبعد ذلك الصمتِ المريب، انتظرتُ حتى فرغت القاعة.
​كانت هدى تجمعُ دفاترها ببطءٍ يُشبه الاعتراف.
​وقفتُ أمامها:
— منو يعرف؟
​تجمّدت يدُها:
— شنو؟
​— لا تتصنعين.. منو يعرف عن أبوي؟
​رفعت عينيها المكسورتين:
— بس زينب.. والله مو بقصدي، كنت خايفة عليچ.
​ضحكتُ ضحكةً جافة. كم نرتكبُ من أخطاءٍ فادحة باسم "الخوف على الآخرين"!
​— وصورتِ التحليل؟
​خفضت رأسها:
— إي.. لأن خالها طبيب، وگلت تسأله.
​في تلك اللحظة، شعرتُ أن سري لم يعد ملكي، لقد تحول إلى مشاع.
​بحلولِ المساء، كانت صورةُ التحليلِ قد عبرتْ الهواتف، ووصلتني رسالةٌ من فتاةٍ في صفٍ آخر: «سلامات للوالد، إن شاء الله ماكو إلا العافية».
​هكذا تسافرُ الأسرار؛ لا تحتاجُ إلى أشرار، بل إلى طيبين كثيرين، يمررُ كلٌّ منهم الأمانةَ لغيره بدافع الحبّ والشفقة.
​عدتُ إلى البيت.
​كان أبي يجلسُ على الأريكةِ كعادته، يُقشرُ برتقالة. أطعمَني نصفَها، وسألني بفضولِ الأب: «شبيچ؟».
​أنكرتُ تعبي، لكنني جلستُ بجواره.
​أمي في المطبخ، وأبي يتابعُ الأخبار، وأنا بينهما. ثلاثةُ أفرادٍ على أريكةٍ واحدة، تفصلُ بينهم مسافاتٌ لا تُقاسُ بالسنتيمترات، بل بما نكتمه عن بعضنا كي لا نجرحَ السكينة.
​في المساء، أتتني رسالةٌ أخيرة من هدى: «خال زينب قال التحليل مو خطير، أرجوچ لا تخافين».
​كان ينبغي أن أفرح، لكنني شعرتُ بمرارةٍ أشدّ. كيف تطوفُ طمأنينةُ أبي على ألسنةِ الغرباء حتى تصلني عبر هاتفٍ بارد، بينما هو يجلسُ في الغرفةِ المجاورة؟
​خرجتُ إليه.
​كان وحده في المطبخ. جمعتُ شتاتَ شجاعتي وسألته:
— بابا.. أنت مريض؟ لقيت التحليل بالسيارة.
​توقف الزمانُ للحظة. وضع كأسه على الطاولة، وشخصت عيناه في عيني ثم قال بهدوء:
— فحص روتيني يا بنتي.. ارتفاع بسيط وبيروح. ليش ما سألتي من الأول؟
​— خفت.
​— من شنو؟
​— من الجواب.
​ابتسم بدفء، وربتَ على رأسي قائلاً:
— إذا خفتِ من شيء يخصني.. تعالَي إليّ، لا تخافين مني.
​كدتُ أقول له: «أنا لم أخف منك، أنا خفتُ عليك»، لكنني اعتصمتُ بالصمت.
​في الصباح التالي، أخرجت هدى هاتفها أمام المقعد.
​فتحت صورةَ التحليل، وضغطت "حذف"، ثم دخلت إلى المحذوفات ومحتها تمامًا.
​قالت بنبرةٍ خالية من الأعذار:
— ما أطلب تسامحيني.. بس أريدچ تعرفين إني فهمت. أنا أخذت خوفچ.. ووزعته على الناس.
​لم أنطق. رنَّ الجرس، وجلست إلى جواري.
​لم نعد كما كنا، ولن نعود، لكنني لم أطلب منها تغيير مكانها.
​في الليل، أعدتُ الظرفَ لأبي. ابتسم وقال: «خليها يمچ، صرتِ دكتورة البيت».
​ثم كتبتُ لهدى رسالةَ المنامِ الأخير: «تصبحين على خير».
​خاليةً من القلوبِ والألوان.
​كان بيننا شيءٌ قد انكسر. لكنني تعلمتُ في تلك الليلة أن بعضَ الأشياءِ المكسورةِ لا نرميها، بل نحتفظُ بها.. ونعرفُ تمامًا من أين نمسكُها كي لا تدميَ أيدينا من جديد.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مذكرات مراهقة / 3
- مذكّرات مراهقة / 2
- مذكرات مراهقة /1
- امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت
- مذكرات سائق تكسي ( 5 ) والاخيرة
- مذكرات سائق تكسي ( 4 )


المزيد.....




- فوز فيليب جاينادا بجائزة غونكور 2026.. انتصار البحث الأرشيفي ...
- -إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في ...
- باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة ...
- وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد ...
- رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و ...
- بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح ...
- وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا ...
- باربيس- حي ينبض بالموسيقى
- ميلوني تدعو لتوحيد التمثيل الأوروبي في مفاوضات السلام الأوكر ...
- مليون كتاب للبنان .. استعادة المكتبات من ركام الحرب


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - مذكرات مراهقة / 4