أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قرارات بحاجة الى جرأة / 1















المزيد.....

قرارات بحاجة الى جرأة / 1


نعمة المهدي

الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 22:53
المحور: الادب والفن
    


حلاوة التمر ومرارة الظرف

كان سالم يدرك أن الروح أفرغت من الأوراق قبل أن تجف أحبارها.
​ثلاث مرات أدار أوراق المعاملة بين بنانه؛ الأسماء قائمة كما ولدت، الأختام شواهد يقين، والكتب الرسمية لا تنقصها سوى طفرة قلم. غير أن الملف ربض في عتمة الدرج سبعة عشر يوماً، يتنفس الركود.
​خلف الباب الموارب، كان الممر المعتم يغلي بأشجان المراجعين: أوراق شفافة تكسوها أتربة الانتظار، ونسوة يفترشن البلاط البارد، وأصوات تتكرر كصدى ساقية عمياء:
— "راجعونا الأسبوع الجاي."
​دلف الشيخ المسن يتوكأ على عكازه الخشبي. عرفه سالم؛ صاحب الحق المعلق.
​— "أستاذ، الله يخليك، معاملتنا وين وصلت؟"
— "بعد توقيع المدير، عمي."
​أطرق الرجل، وفي خطوط جبهته خارطة خيبات:
— "صار لنا شهرين نجي ونروح. آني من ديالى، وكل مرة أجرة سيارة وأكل وطريق. إذا عدنا نقص، گولوا لنا."
— "ما عدكم نقص."
— "إذا ما عدنا نقص، ليش واكفة؟"
​فغر سالم فاه ليرد، لكن الكلمات انصهرت على لسانه. كيف يشرح له أن بعض المفاتيح لا تدُار بأسنان القانون، بل بصدأ النوايا؟ اكتفى بـ:
— "إن شاء الله تنحل."
​خرج الشيخ، وترك السؤال يعشش في زوايا الغرفة.
​قبيل الظهيرة، انسل أبو قاسم. رجل بلا صفة رسمية، لكن الحراس يستكينون لخطواته، والموظفين يهتفون باسمه، والأبواب المغلقة أمام الخلق تتنفس سعداء اللين كلما دنا.
​جلس قبالة سالم، وعلى شفتيه ابتسامة مدربة:
— "شلونك أبو علي؟"
— "الحمد لله."
— "الجماعة يريدون ينهون المعاملة."
​أشار سالم إلى الأوراق الرابضة:
— "هاي كدامك. خلي يوقعوها."
​اتسعت الابتسامة في وجه أبي قاسم، وأخرج من جيبه ورقة بيضاء، وضعها على خشب المكتب. لم تمتد يد سالم.
​— "شنو هذا؟"
— "أمانة."
— "لمن؟"
— "أنت تعرف."
— "شكد الرقم؟"
​همس أبو قاسم بالرقم. رفع سالم بصره مذهولاً:
— "كل هذا؟"
— "يتقاسمونه أصحاب المعاملة. مو مبلغ إذا ينقسم عليهم."
— "وهم ينتظرون فلوسهم من شهرين، وتريدهم يدفعون حتى ياخذونها؟"
​تنهد الزائر بمكر:
— "أبو علي، آني لا آخذ ولا أنت تاخذ. إحنا بس نسهّل الموضوع."
​دفع سالم الورقة بأطراف أصابعه:
— "رجّعها."
— "لا تستعجل. فكر."
— "فكرت."
— "بقى لك سنتين وتتقاعد. ليش تفتح باب على نفسك؟"
​شخصت عينا سالم إليه:
— "ولهذا أريد أكمل السنتين وأطلع مثل ما دخلت."
​انطفأت الابتسامة المدربة. لملم أبو قاسم الورقة وهو ينتصب قائماً:
— "براحتك."
وعند الباب قال:
— "بس لا تكول محد حذرك."
​في المساء، كان بيت سالم يشي بالتعب. أم علي تنضد على المائدة أوراقاً وفواتير كأنها ندوب زمن.
أنزل سترته وجلس، فقالت دون أن ترفع عينيها :
— "صاحب البيت يريد يزيد الإيجار من الشهر الجاي."
— "أدبرها."
— "منين تدبرها يا سالم؟"
​سكت. فاطنت سكناته، فقالت:
— "وعلي اتصل اليوم. أهل البنية يريدون يحددون موعد، والولد مستحي يحچي وياك."
​ثم حكا لها المشهد. كانت تسمع وتطوي الفواتير بأصابع مرتجفة، حتى إذا أنهى، سألته:
— "شبيك؟"
فحكى لها، فقالت:
— "رفضت؟"
— "إي."
​سكنت الغرفة. كان ينتظر شعاعاً يشد أزره، لكنها همست:
— "أخاف عليك."
— "من شنو؟"
— "من ناس ما نعرفهم. إحنا ما عدنا غير راتبك وهالبيت والأولاد."
— "أعرف."
— "آني مو دا أگلك سوي الحرام. بس لا تدخل نفسك بحرب وحدك."
— "وإذا كل واحد خاف على نفسه، من يبقى للناس؟"
​أبعدت الملفات عنها:
— "الناس ما راح تجي توكف ويانا إذا صار لك شي."
​لم يجد جواباً؛ إذ كانت الحقيقة المرة تشاركهما الخبز.
​نهضت لتعد الشاي، ثم التفتت إليه:
— "آني بس أريدك ترجع لي كل يوم سالم."
ابتسم ابتسامة صغيرة:
— "إن شاء الله."
​في الصباح التالي، كان المدير بانتظاره. رجل خمسيني هادئ في العادة. أشار له بـ "اكعد أبو علي".
​— "أبو قاسم حچا وياك؟"
— "نعم، استاذ."
— "وزعلته؟"
— "ما زعلته. رجعت له شي مو اسوية."
​أطرق المدير رغبة، ثم قال:
— "سالم، إحنا نعرفك من زمان. وأعرفك نظيف، وما أريد منك شي غلط. بس الدائرة مو كتاب تقراه من أوله لآخره. أكو أمور تمشي بالتفاهم."
— "المعاملة كاملة، استاذ؟"
— "كاملة."
— "وأصحابها مستحقين؟"
— "مستحقين."
— "إذن نوقعها."
​تغيرت عينا المدير:
— "لا تصعّبها."
— "آني ما صعّبتها."
— "لا تسوي قضية من موضوع صغير. أنت ما أخذت دينار، ولا أحد طلب منك تاخذ."
— "بس طلبوا مني أوصل المبلغ ."
— "مجرد توصيل."
​سكت سالم لحظة، ثم قال:
— "إذا مرّ من إيدي، ما يبقى مجرد توصيل."
​صمت المدير، أمسك ملفاً آخر وقال:
— "تفضل أبو علي. أنت موظف جيد. لا تخسر هدوء آخر سنتين."
— "هذا اللي أحاول أحافظ عليه، استاذ."
​عند باب المكتب، كان الشيخ المسن يترقب.
— "بشرنا أستاذ."
— "بعدها."
​تردد الشيخ، ثم دنا هامساً:
— "واحد گال لنا إذا نجمع مبلغ، المعاملة تخلص بيوم."
— "منو؟"
— "والله ما أعرفه. گال هاي الأصول."
— "هاي مو الأصول، عمي."
— "يعني ما ندفع؟"
— "لا تدفعون ولا دينار."
— "إحنا ناس على قد حالنا. إذا القانون يريد من عدنا شي ندفعه، بس غير هذا..."
— "القانون ما يريد."
​مضت ثلاثة أيام، والملف يربض في مكانه.
في اليوم الثالث، جاء ثلاثة من أصحابها مع الرجل المسن حانقين:
— "أستاذ، إحنا راح نقدم شكوى. عدنا وصولات مراجعة وكل أوراقنا كاملة."
— "هذا حقكم."
— "نكتب اسمك؟"
— "اكتبوا الحقيقة بس."
​بلغت الشكوى المفاصل الرقابية. سرى الخبر كالنار في القش. كف الزملاء عن الثرثرة بقربه. وفي آخر الساعات.. وصلت المعاملة إلى مكتبه موقّعة.
​بعد أسبوع، هبط على مكتبه كتاب رسمي آخر: أمر نقل إلى وحدة إدارية في أطراف بغداد.
​دخل زميله فاضل، قرأ القرار وحسّر:
— "مو گتلك؟ شنو استفدت هسه؟ بقالك سنتين وتتقاعد. لو خليت الظرف يمر، شنو جان صار؟ غيرك ياخذ بيده، وأنت حتى ما أخذت!"
— "أعرف."
— "نادم؟"
​تأمل سالم كتاب النقل:
— "متضايق؟ إي... نادم؟ لا."
​في يومه الأخير، جمع نزر عمره في صندوق كرتوني صغير.
قال فاضل وهو يشايعه:
— "بعد عندك فرصة. روح للمدير. كلمة منك وكلمة منه وتنتهي."
أغلق سالم الصندوق:
— "وباچر؟"
— "شنو باچر؟"
— "إذا إجا ظرف ثاني؟"
سكت فاضل.
​حمل الصندوق ومضى. في الممر، كان كل شيء يعيد نفسه: مرجاس المراجعين، أوراق تطير، وأبواب تشرع وتغلق.
وقبل أن يعبر العتبة الخارجية، هتف صوت:
— "أستاذ سالم!"
​تلفت؛ كان الشيخ المسن يهرول نحوه، يحمل كيساً صغيراً.
— "وين رايح؟"
— "نقلوني لمكان ثاني."
​فهم الشيخ المأساة. أطرق خجلاً، ثم مد الكيس:
— "هاي شوية تمر من بستاننا. أم العيال گالت وديها للموظف اللي ما خلانا ندفع."
— "ما يحتاج عمي."
— "تحتاج. مو إلك... لأولادك."
​صافحه سالم، وأخذ الكيس. خرج إلى الشارع يحمل صندوقه بيد، وكيس التمر بالأخرى.
​في المساء، وضعت أم علي التمر في صحن على المائدة:
— "منين هذا؟"
— "من واحد من أصحاب المعاملة."
— "اللي نقلوك بسببها؟"
أومأ. سكتت طويلاً، ثم دفعت صحن التمر نحوه:
— "خسارة النقل تتعوض... بس لو أخذت الظرف... ما أعرف شلون چنت راح أشوفك بعدها."
​امتدت أصابعه، أخذ تمرة ووضعها في فمه.
كانت حلوة.
خارج النافذة، كانت بغداد تدخل ليلها ككل ليلة، وفي الصباح سيستيقظ سالم أبكر من عادته، ويسلك طريقاً أطول إلى عمله.
أما تلك الليلة، فقد عاد إلى بيته متعباً...
لكنه عاد سَالِماً.



#نعمة_المهدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ظلٌّ على الجدار
- مذكرات مراهقة / 4
- مذكرات مراهقة / 3
- مذكّرات مراهقة / 2
- مذكرات مراهقة /1
- امرأة سكنت قلبي قبل أن تعرف اسمي
- مقايضة الضوء
- الغرفة 13
- درسٌ في الوفاء
- غواية الغياب
- الرحيل إلى القلب
- الذاكرة المفتوحة على سياج الوقت
- مقايضة الغد بالظل
- الطريق الذي جئنا منه
- تراتيل العزلة الثانية
- حين أنقذتنا الغربة
- تراتيل في باب الغياب
- الملاذ الأخير
- لوكي
- دائنُ الصمت


المزيد.....




- بعد حفل أصالة.. هل تعود -إنانا- لإنتاج عروض المسرح الراقص في ...
- -ليس الحب الأول. اعتراف الحزن والفرح-.. كتاب سيمونيان يتصدر ...
- مبابي يتحدث عن -صدمة الديربي- ويصف تدريب زيدان لفرنسا بـ-الف ...
- أزمة نيشان وياسمين عز تعود إلى الواجهة.. حكم جديد في دبي وآخ ...
- تأجيل مهرجان البحر الأحمر مع استمرار برامجه السينمائية
- وزير الثقافة اليمني: فرص التسوية تتلاشى وصنعاء هي هدفنا الاس ...
- توقيف المدون نيكوغلاي في مولدوفا بشبهة الاتجار بالمخدرات
- السعودية.. تأجيل الدورة الـ 6 من مهرجان البحر الأحمر السينما ...
- إعادة المسروقات... العالم بأسره يترقب مصير كنوز القرم
- كيف تعمل مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون على رعاية المواهب الإ ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعمة المهدي - قرارات بحاجة الى جرأة / 1