أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التأويل .














المزيد.....

مقامة التأويل .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8840 - 2026 / 9 / 26 - 16:19
المحور: الادب والفن
    


مقامة التأويل :

تركت رسالتها فوق صفحته , تقول : (( انت سيد اللغة وانا سيدة التأويل )) , لم تكتب من فراغ , بل من واقعٍ مجتمع محافظ , تتقاطع فيه المواقف , وهو المتشظي على خدود الورد وفوق نباتات الصبّار, لا يكفيه النبش في الحقول المعتمة , وإن لثم من كأسِ (( إذا بُليتم فاستتروا )) , فإنّه والله ما ثمل إلّا مِن عُيون مَن نَظَروا , فما هكذا يُوردُ الإبلُ بالهوى ,لذلك , وضع قبل الكلمة تأمّلاً , وفي وسطها فاصلة رحمة , وبعد انتهائها نقطة حكمة , فلم يكن الْقفصُ ذهبيًّا , شبابيكُه قصديرٍ, تصْدأُ , كلّمَا فتحتْهُ امْرأةٌ ذكيّةٌ , جرحَ قلْبَهَا مفْتاحُهُ , وغارَ الْجرْحُ ندوبًا فِي الْمكانِ والزّمانِ , لمْ يخْتر الْكتابةَ لكنَّ زهْرةَ الشّعْرِ انْفجرَتْ كاتبا متعدّدا , ولما عانق الْسبعينَ خافْتُ أنْ يشيخ , فشاخَتِ الْقصيدةُ , قصَّتْ شيْباته , أرْسلْها رسائلَ لمْ تصلْ , مزّقَ الْعنْوانَ , وتاه الْبريدَ , ثمَّ طارَتْ تبْحثُ عنِّه , الْقصيدةُ .

يرد عليها مؤيدا : قلبي , وقلمي , مُستنفران معك , يلاحقان ذرّاتَ وجودِك , أنتِ سيدة التأويل , حادة كما الخنجرِ , وناعمة كما الصلاة , وعلى يديك يتحوّلُ الْإيقاعُ وقوعًا ووقيعةً , أنتِ اللدانةُ , الحِكمةُ , الشفاعة , والطراوة ُالتي تخفي جرعةَ القوّةِ والصمود ْ , كمثل الصمت دوما تحنين إلى الخفاء بدل التجلي , ترضعين رحيق صمتك بعيدا عن خطيئة اللسان ومكره , ومن جذوة الصمت , حيث الوصل والوصال والاتصال بعيدا عن غمغمة الكلمات , والصمت يغرس خيمة بلاغته في تماهي النفي ولذة الفناء .

هي امرأةٌ لا تشبه سواها , امرأةٍ سكنت المخيّلة , لم تكن شاعرة عابرة , ولا اسمًا لمع في ملاعب الشهرة السريعة , بل كاتبة امتلكت سرّ الوصول إلى القلوب , وعلّمت الحرف كيف يكون جسراً بين الوجع والأمل , وبين الذاكرة والحلم , باحثة في أدراج الأسى , طلوعها ألفجر , يناجي روحها الطلعُ الباسم فوق تلال المراكب المسافرة بعيون العاشقين تبقى مضاجعهم تجر أنفاسها الحلم ألوردي بجزر الهيام قيامة الوجد , يعتصر أنفاس ألحب الآخذ بنسائم الفجر يغفو بجنبها نبض ألهذيان راحلة للقلب , وألنشوان بعيون غافية بلاعنوان مسافراً لمنفى ألنسيان , ومن فرط اشتياقها إلى ملامسة القمر , أسرفت في قلبها حتى احترقت , جالت في البساتين كفراشةٍ بلا ألوان , شفافة , تترك في كل مكانٍ تمرّ به سحرًا منثورًا على العابرين.

يستعير نصا من شاعر صعلوك يقول :)) كانَ هو ,مثلَ طاسةِ ماءٍ مرشوشةٍ وراء جنديٍّ باسل , مثل دفّانٍ شرس ينطر قطاف الحرب , مثل صباغ أحذية يرجو مطراً طائناً , مثل نادلة الحانة تقرصها أواخر الكؤوس , مثل صمّونةٍ يابسة منسيةٍ بجيب شهيد , مثل بلاد بائسة مرسومة بدفتر القراءة و مثل أعمى يحدس لون الوردة و مثل بجعة سوداء تسير في حشدٍ أبيض , مثل ثورٍ أجير وسبع بقرات سمان , مثل شجرةٍ جريحةٍ تعيّر يدَ فأس , مثل أبٍ تالف يوزع جسمه في جسوم , مثل دعاء يتوّجُ هزيمةً كاملة , مثل تفاحةٍ تعيسةٍ سقطت بعد قانون الجذب , مثل شموع الخضر غصَّت بالغياب , مثل بطانيةٍ تقمّط تابوتَ غريب , مثل حبة قمح وسرب عصافير أوغاد )) , هكذا وصف روحه , شيء مثل ارتقاء النفس وروعة المشاعر , هذا العلو الروحي فوق كل ما هو صغارات الحياة .

تلك الغسقيَّة الشَفقيَّة التي يستَدرْ ضُوئها عهدُ الشّمس قِبلَةُ الحياة , حين بلغت قمة الصومعة , حطّت مطمئنة , ونامت على كتف الأمان , ليسافر بها الحلم بعيدًا , بعيدًا , حتى نسيت اسمها , وعلّقت روحها هناك برضا العاشقين , وفاضت منها العطور, وتناثر العشق من أطرافها , لكن الحلم لم يكتمل , وخزةٌ واحدة أسالت دمعتها الطاهرة , وكادت تغرق في بحرٍ هائج أمواجه لا تستأذن , عندها , مسحت دموعها التي تأبى الجفاف , وقالت لقلبها: هكذا تكون نهاية الإسراف في المشاعر.

عندما هوى المولويّ تحت أسوارها , من خمرة العشق , مأخوذا لا يفيق , سمع أنفاسه تتقطع بعويل هامس : (( أحسدُ الصباحاتِ التي تحظى بوجهك النبويّ , وأحسدُ الهواءَ الذي يُقبّل عنقك خِلسةً , ويلامسُ مساماتِ عطرك بشغفٍ لا يُروى , أحسدُ الأبوابَ , تلك التي تُشرِعُ ذاتَها كاملةً لبهاءِ حضورِكَ اللا مُنتظر , وأحسدُ المدنَ التي حللت ضيفة عليها , بل حتى التي فكّرت , لِوهلةٍ , في زيارتها , ومن ابتسامتك , أعرفُ مواعيدَ الفرح من ارتعاشةِ وجنتيك , وأنا أغارُ من كلِّ ما هو أقربُ إليك منّي , قميصِك الأبيض , الكتابِ الذي احتضنَ كفَّك طويلًا , النظرةِ التي خطفتك من بين الناس ولم تَعُودي , ليتني للحظةٍ , كنتُ ساعةَ معصمك , وتحسّستُ نبضك حين تسبقُ دقّاتُ قلبك الوقت , ليتني الجيبَ الدافئ الذي تهرعُ إليه أصابعُك حين يبردُ العالم , أو الوسادةَ التي تحتضنُ رأسك لحظةَ انهمارك في غيابِ التفكير , يرضيني أن أكون خيطَ الصوفِ العالق على يسرِ صدرك , أو الغمّازةَ التي تُدركُ توقيتَ فرحك , يا امرأة يتنفّسها قلبي قبل أن يصلَ الهواءُ إلى رئتي , يا صوتًا يروي عطشَ القصائد , يا من تمرّ في رأسي كأمنيةٍ طويلةٍ لا تنتهي , ولن تنتهي )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموا ...
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .


المزيد.....




- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...
- معاونة وزير الثقافة السورية تكشف عن تعرضها لتهديدات ومضايقات ...
- أمازونيات الطليعة الروسية.. أربع فنانات يستعدن حضورهن على ال ...
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- 186 سلالة و852 شخصية.. أطلس رقمي يعيد رسم التاريخ الإسلامي
- -عذراء المحطة-.. رواية جزائرية بلغة سينمائية
- بوتين عن تصريحات وزير الدفاع الإستوني: السيرك رحل والمهرجون ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة التأويل .