فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 23:28
المحور:
سيرة ذاتية
تكتسب الشهادة الشخصية أهميتها التاريخية عندما تُقرأ في سياقها السياسي والاجتماعي، ولا سيما حين تتصل بتجربة السجن والرقابة على المعرفة والكتاب. ومن هذا المنطلق، فإن واقعة عشتها في سجن الموصل سنة 1984م، تتعلق بوصول كتاب «تفهيم القرآن» للمفكر الباكستاني أبي الأعلى المودودي إلى يدي عن طريق أحد النزلاء الباكستانيين السابقين في السجن، ثم اعتقال ذلك الشخص من قبل المخابرات العراقية في مطار بغداد الدولي، ووصول استمارة من المخابرات العراقية إليّ للتوقيع عليها، تمثل واقعة صغيرة في ظاهرها، لكنها تتيح قراءة أوسع لطبيعة العلاقة بين السلطة والكتاب والفكر الديني في العراق خلال تلك المرحلة.
ولا تهدف هذه الشهادة إلى تقديم حكم شامل على جميع صور النشر والقراءة في العراق في عهد البعث، وإنما إلى تسجيل تجربة شخصية ضمن سياق تاريخي أوسع. ولذلك أحرص على التمييز بين ما عاينته بصورة مباشرة، وما عرفته من الآخرين، وبين التفسير الذي يمكن استخلاصه من تسلسل الأحداث.
كان العراق بعد وصول حزب البعث إلى السلطة سنة 1968م يعيش في ظل نظام سياسي توسعت فيه السيطرة على وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية. وتذكر دراسة Iraq: A Country Study الصادرة عن قسم البحوث الفدرالية في مكتبة الكونغرس أن الكتب والصحف وسائر المطبوعات كانت خاضعة للرقابة، وأن الجهات الحكومية كانت تراقب المواد المنشورة للتأكد من انسجامها مع الخط السياسي والثقافي الرسمي. كما كانت وسائل الإعلام الرئيسية واقعة تحت سيطرة الدولة.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها عند قراءة تجربتي في سجن الموصل سنة 1984م؛ فالكتاب لم يكن يعيش في فضاء ثقافي مستقل تمامًا عن السلطة، وإنما كان جزءًا من مجال عام يخضع بدرجات مختلفة للرقابة والتوجيه.
في ذلك السياق وصلت إليّ نسخة باللغة الإنكليزية من تفسير «تفهيم القرآن» لأبي الأعلى المودودي، جلبها إليّ أحد النزلاء الباكستانيين السابقين في السجن، وكان يعمل في سد الموصل. والمودودي، المولود في 25 أيلول/سبتمبر 1903 والمتوفى في 22 أيلول/سبتمبر 1979، كان من أبرز المفكرين الإسلاميين في القرن العشرين، ومؤسس الجماعة الإسلامية سنة 1941، واشتهر بكتابه «تفهيم القرآن» الذي أصبح من أبرز مؤلفاته وأكثرها انتشارًا.
ولم تكن أهمية الواقعة بالنسبة إليّ نابعة من الكتاب وحده، وإنما من الظروف التي أحاطت بوصوله. فقد كان الشخص الذي حمله إليّ مواطنًا باكستانيًا، ثم علمت لاحقًا أنه اعتُقل من قبل المخابرات العراقية في مطار بغداد الدولي. وزادت الواقعة تعقيدًا أن السفير الباكستاني في بغداد كان موجودًا معه في الرحلة نفسها القادمة من باكستان إلى العراق.
وكان ذلك في عهد الرئيس الباكستاني الجنرال محمد ضياء الحق، الذي تولى رئاسة الجمهورية في 16 أيلول/سبتمبر 1978م، وظل في منصبه حتى وفاته في 17 آب/أغسطس 1988م إثر تحطم طائرته. وبحسب ما وصلني في حينه، يبدو أن السفير الباكستاني، بعد علمه باعتقال المواطن الباكستاني، اتصل بمرجعه في العاصمة إسلام آباد، وتدخلت الجهات الباكستانية المعنية، ثم أُطلق سراحه. غير أنني لا أمتلك وثيقة رسمية تثبت تفاصيل الاتصالات التي جرت أو تثبت أن التدخل الدبلوماسي كان السبب المباشر والوحيد في الإفراج عنه؛ ولذلك أسجل هذه الجزئية باعتبارها مما بقي في الذاكرة وما كان متداولًا في ذلك الوقت.
أما أنا، فقد وجدت نفسي بعد ذلك موضع إجراء أمني آخر، إذ وصلت إليّ استمارة من المخابرات العراقية طُلب مني توقيعها وإعادتها إليهم، وأنا ما زلت داخل سجن الموصل. وقد رفضت التوقيع عليها؛ لأنني لم أكن أعرف بصورة واضحة الغرض منها ولا العواقب التي يمكن أن تترتب على توقيعي. وفي ظل الظروف الأمنية التي كنت أعيشها، خشيت أن يتحول التوقيع إلى وثيقة يمكن استخدامها ضدي.
وهكذا اجتمعت في واقعة واحدة ثلاثة عناصر: كتاب إسلامي وصل إلى سجين، ومواطن أجنبي اعتُقل من قبل جهاز أمني، ثم استمارة طُلب من السجين توقيعها. ولا أريد أن أذهب بهذه الواقعة إلى القول إن الكتاب كان السبب المؤكد لاعتقال الرجل، ما لم تظهر وثيقة أمنية أو شهادة مستقلة تثبت ذلك؛ وإنما تكمن أهميتها في أنها وقعت في بيئة كان الخوف من الأجهزة الأمنية جزءًا من الحياة اليومية، وكان تداول بعض الكتب والعلاقات المرتبطة بها يمكن أن يثير الحذر لدى السجناء.
ولم تقتصر علاقتي بالكتاب في السجن على «تفهيم القرآن». فقد كنت أرتاد مكتبة سجن الموصل وأستعير منها الكتب المتاحة. وكانت المكتبة تضم عددًا من الكتب الإسلامية لمؤلفين معروفين من السنة والشيعة. ومن الأسماء التي أذكرها في هذا السياق: محمد الغزالي، وسيد قطب، ومحمد قطب، وحسن الترابي، وأبو الحسن الندوي، ويوسف القرضاوي، ويوسف العظم، ومحمد أحمد الراشد، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم.
ومن المهم هنا التمييز بين أمرين: وجود كتب هؤلاء المؤلفين في مكتبة السجن من جهة، وكونها جميعًا ممنوعة رسميًا من جهة أخرى. فالأمر الثاني يحتاج إلى قوائم أو قرارات رسمية يمكن الرجوع إليها. أما الذي أستطيع تسجيله فهو أن بعض هذه الكتب كان يُنظر إليه بين السجناء بوصفه حساسًا أو محفوفًا بالحذر، وأن هذا الشعور أثّر في طريقة تعاملي مع المكتبة.
وكان القيم على مكتبة السجن في تلك الفترة سجينًا مسيحيًا من أهالي تلكيف، وكان يتولى تسجيل أسماء السجناء الذين يستعيرون الكتب. وقد حذرني عدد من نزلاء السجن الذين سبقوني في الاعتقال من أنه كان يدون أسماء الذين يستعيرون بعض الكتب الإسلامية التي كانوا يعدونها ممنوعة أو حساسة، وأن هذه الأسماء كانت تصل إلى إدارة السجن، ومنها يمكن أن تحال إلى الجهات الأمنية المختصة.
لم أشاهد بنفسي وثيقة تثبت أن كل اسم كان يسجل في المكتبة كان يُرسل فعلًا إلى جهاز أمني، ولذلك لا أستطيع الجزم بذلك. لكن تكرار هذه التحذيرات كان كافيًا بالنسبة إليّ لتغيير سلوكي؛ فمنذ ذلك الوقت توقفت عن استعارة الكتب الإسلامية من مكتبة السجن.
وتكشف هذه الواقعة جانبًا مهمًا من طبيعة الرقابة؛ إذ ليس من الضروري أن يكون هناك حارس يقف إلى جانب السجين ويمنعه من قراءة كتاب معين. فقد يكفي أن يعتقد السجين أن اسم الكتاب الذي يستعيره سيُسجل، وأن اسمه قد يصل إلى إدارة السجن أو إلى الأجهزة الأمنية، حتى يبدأ في ممارسة الرقابة على نفسه.
وهنا تظهر ظاهرة الرقابة الذاتية. فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى إصدار قرار معلن بمنع كل كتاب، إذ يمكن أن تنتج بيئة من الخوف تجعل الإنسان يمتنع بنفسه عن القراءة أو السؤال أو الاستعارة. وفي هذه الحالة يصبح الفرق مهمًا بين «الكتاب الممنوع رسميًا» و«الكتاب الذي يخشى السجين من قراءته». فالأول يحتاج إلى وثيقة أو قرار أو قائمة رسمية تثبت منعه، أما الثاني فقد يصبح حساسًا في الممارسة اليومية بسبب الخوف من النتائج المحتملة.
وقد كانت الرقابة على المطبوعات في العراق خلال حكم البعث جزءًا من منظومة أوسع للسيطرة على المجال الإعلامي والثقافي. وتشير دراسة مكتبة الكونغرس إلى أن الكتب والصحف وغيرها من المنشورات كانت خاضعة للرقابة، وأن الجهات الحكومية كانت تراقب المواد المنشورة وتربطها بالخط السياسي والثقافي الرسمي. كما تناولت مجلة Index on Censorship قضايا الرقابة في العراق والصعوبات التي واجهها الصحفيون والكتاب في الوصول إلى المعلومات ونشرها.
غير أن العلاقة بين نظام البعث والدين لم تكن علاقة عداء مطلق للدين، ولا يصح اختزالها في هذه الصورة. فقد تغيرت سياسة النظام تجاه الخطاب الديني عبر مراحل مختلفة؛ فإلى جانب الرقابة على المؤسسات والتيارات الدينية، استخدم النظام في مراحل معينة بعض الرموز والخطابات الدينية والوطنية لأغراض سياسية. ومن ثم كان جوهر المسألة مرتبطًا بدرجة استقلال المجال الديني والفكري عن السلطة، وبمدى استعداد الدولة لمراقبة التيارات التي يمكن أن تتحول إلى قوة سياسية مستقلة.
وفي هذا السياق لا يمكن فصل تجربة الكتاب الإسلامي عن التطورات التي شهدها العراق في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات. فقد تعرضت الحركة الإسلامية السياسية لقمع شديد، وكان إعدام آية الله محمد باقر الصدر في 9 نيسان/أبريل 1980م من أبرز الأحداث التي جسدت الصدام بين النظام وبعض التيارات الإسلامية. كما جاءت الحرب العراقية الإيرانية لتزيد حساسية النشاط الديني والسياسي، في ظل مخاوف النظام من انتقال التأثيرات السياسية للثورة الإيرانية إلى العراق.
ومع ذلك، فإن وصول «تفهيم القرآن» إلى يدي في سجن الموصل سنة 1984م لا ينبغي أن يتحول إلى دليل منفرد على سياسة عامة تجاه هذا الكتاب بعينه. فالواقعة الشخصية لها حدودها، وقيمتها تكمن في كونها شهادة على تجربة محددة داخل السجن، يمكن قراءتها إلى جانب الوثائق والدراسات الأوسع.
لقد جعلتني تجربة مكتبة السجن أكثر حذرًا في التعامل مع الكتاب. فبعد أن كنت أذهب إلى المكتبة وأختار ما أريد قراءته، أصبحت أفكر أولًا: هل تسجيل اسمي إلى جانب هذا الكتاب يمكن أن يسبب لي مشكلة؟ وهنا انتقلت الرقابة من خارج الإنسان إلى داخله. لم يمنعني أحد بصورة مباشرة من دخول المكتبة، ولم يصدر بحقي قرار مكتوب يمنعني من القراءة، لكن التحذيرات التي تلقيتها من السجناء جعلتني أتوقف عن الاستعارة.
ومن هذه الزاوية تتصل واقعة المكتبة بواقعة «تفهيم القرآن» والاستمارة التي رفضت توقيعها. ففي الأولى كان الخوف مرتبطًا بالكتاب واسم القارئ، وفي الثانية كان مرتبطًا بوثيقة صادرة عن جهاز أمني. وفي كلتا الحالتين لم يكن السجين يعرف بصورة كاملة النتائج التي يمكن أن تترتب على ما يفعله.
لقد كان السجن، في الظاهر، مكانًا لتقييد الحركة، لكنه لم يكن قادرًا على إلغاء رغبة الإنسان في المعرفة. وكان الكتاب إحدى الوسائل التي أبقت للسجين مساحة داخلية للتفكير والتأمل. إلا أن الخوف من الرقابة كان قادرًا على تقييد هذه المساحة أيضًا. فالمكتبة التي يفترض أن تكون فضاءً للمعرفة تحولت، في تجربتي، إلى مكان يحتاج فيه السجين إلى التفكير قبل اختيار الكتاب.
وهنا تكمن أهمية الشهادة الشخصية. فالوثيقة الرسمية قد تسجل اسم المعتقل وتاريخ اعتقاله، لكنها لا تسجل بالضرورة شعوره عندما يتلقى استمارة مجهولة العواقب، ولا تروي تردده قبل التوقيع، ولا تصف خوفه من أن يتحول اسم الكتاب الذي استعاره إلى معلومة أمنية.
ولهذا ينبغي أن يعتمد تاريخ السجون، إلى جانب الوثائق الرسمية، على شهادات من عاشوا التجربة، مع إخضاع هذه الشهادات للنقد التاريخي. فهناك فرق بين الواقعة التي عاينها صاحب الشهادة مباشرة، والمعلومة التي وصلته من الآخرين، والتفسير الذي يقدمه بعد مرور سنوات. ولا تقلل هذه التفرقة من قيمة الشهادة، بل تمنحها قدرًا أكبر من المصداقية.
وبناءً على ذلك، فإن ما أستطيع أن أشهد عليه بصورة مباشرة هو أن «تفهيم القرآن» وصل إليّ في سجن الموصل عن طريق مواطن باكستاني كان يعمل في سد الموصل، وأن ذلك الشخص اعتُقل لاحقًا في مطار بغداد الدولي، وأن استمارة من المخابرات العراقية وصلت إليّ وطلب مني توقيعها، وأنني رفضت التوقيع خوفًا من عواقب لم أكن أعرفها. أما العلاقة السببية الدقيقة بين الكتاب واعتقال الرجل، أو الغرض المحدد من الاستمارة، فتظل بحاجة إلى وثائق أو شهادات مستقلة.
إن قيمة هذه الواقعة لا تكمن في تضخيمها، وإنما في تسجيلها كما بقيت في الذاكرة، ووضعها في سياقها التاريخي. فالكتاب الذي دخل السجن لم يكن مجرد وسيلة لقضاء الوقت؛ كان يحمل أفكارًا ورؤية دينية وفكرية، وكان اسم مؤلفه واتجاهه الفكري جزءًا من معنى وجوده داخل بيئة أمنية مغلقة.
ومن هنا فإن «تفهيم القرآن» الذي دخل سجن الموصل سنة 1984م أصبح في ذاكرتي أكثر من كتاب في التفسير؛ فقد تحول إلى شاهد على مرحلة تاريخية تداخل فيها السجن والكتاب والأمن والخوف. كما أن تجربة مكتبة السجن كشفت لي أن الرقابة لا تمارس دائمًا بالمنع المباشر، وإنما يمكن أن تعمل عبر تسجيل الأسماء، ونقل المعلومات، والتحذيرات، والخوف من النتائج، حتى يصل الإنسان إلى مرحلة يراقب فيها نفسه بنفسه.
وبعد مرور عقود على تلك الواقعة، تبدو أهمية تسجيلها أكبر؛ لأن تاريخ العراق في عهد البعث لا يتكون فقط من القرارات السياسية والحروب والانقلابات، وإنما يتكون كذلك من التجارب اليومية للأفراد الذين عاشوا تلك المرحلة. ومن بين هذه التجارب علاقة الإنسان بالكتاب والسجن والسلطة، ومحاولته الاحتفاظ بمساحة خاصة للتفكير رغم القيود.
وهكذا يصبح «الكتاب خلف القضبان» وثيقة من نوع آخر؛ فهو ليس وثيقة رسمية صادرة عن جهاز من أجهزة الدولة، وإنما شهادة إنسان عاش التجربة واحتفظ بتفاصيلها في ذاكرته. وإذا ما قُرئت هذه الذاكرة إلى جانب الوثائق والدراسات التاريخية، فإنها يمكن أن تسهم في كتابة تاريخ اجتماعي وفكري للسجون في العراق، وفي فهم الكيفية التي أثرت بها الرقابة والخوف في الحياة اليومية للسجناء، وفي علاقتهم بالكتاب والمعرفة والفكر الديني.
إن أهمية شهادتي، في النهاية، لا تكمن في الادعاء بأنها تحيط بكل سياسات النظام البعثي تجاه الكتاب والدين، وإنما في أنها تحفظ واقعة محددة من سنة 1984م: كتاب إسلامي وصل إلى سجين، ومواطن باكستاني اعتُقل لاحقًا، واستمارة أمنية وصلت إلى السجين نفسه، ومكتبة كان السجين يخشى أن تتحول استعارة الكتب منها إلى مصدر للمساءلة. وبين هذه التفاصيل الصغيرة تظهر صورة أوسع لعلاقة الإنسان بالمعرفة والخوف والسلطة في العراق البعثي.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟