أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - ديوالي آغا الدوسكي: الزعامة العشائرية والدور الاجتماعي والسياسي في دهوك وبهدينان















المزيد.....


ديوالي آغا الدوسكي: الزعامة العشائرية والدور الاجتماعي والسياسي في دهوك وبهدينان


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 02:47
المحور: القضية الكردية
    


وُلد ديوالي آغا الدوسكي في دهوك سنة 1927م، وهو ابن سعيد آغا الدوسكي، أحد أبرز زعماء عشيرة الدوسكي في النصف الأول من القرن العشرين. وتذكر الروايات المتاحة أنه تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب الدينية، ثم دخل الحياة العامة في سن مبكرة، وانخرط في النشاط السياسي العراقي خلال العهد الملكي؛ فانتسب إلى حزب الإصلاح سنة 1949م ثم إلى حزب الأمة الاشتراكي سنة 1951م. ويكشف هذا المسار المبكر عن أن شخصية ديوالي آغا لم تكن محصورة في الإطار العشائري، بل كانت لها صلة مباشرة بالحياة السياسية العراقية. (عيسى، 2013؛ مرعي، 2015).
وكان والده سعيد آغا بن ديوالي آغا (1882-1947م) قد تولى زعامة الدوسكي بعد مقتل سفر آغا سنة 1925م، وكان من الشخصيات ذات النفوذ في منطقة دهوك، كما انتُخب عضوًا في مجلس النواب العراقي عن لواء الموصل في شباط/فبراير 1937م، ثم جُدد انتخابه في تشرين الثاني/نوفمبر 1944م، وفي آذار/مارس 1947م، وبذلك أصبح عضوًا في مجلس النواب العراقي لثلاث دورات، وبعد وفاته في 18 أيلول/سبتمبر 1947م، انتقلت الزعامة إلى ابنه ديوالي آغا، الذي أصبح منذ ذلك الوقت أحد أبرز الآغوات في منطقة بهدينان، واصبح بدوره عضوا في مجلس النواب العراقي، وتذكر الروايات المعاصرة له أن ديوالي آغا امتلك شخصية قوية وحضورًا اجتماعيًا واسعًا، وأن مكانته لم تكن مقتصرة على عشيرته، وإنما امتدت إلى عدد كبير من سكان دهوك ومحيطها. (عيسى، 2013).
وتكتسب شخصية ديوالي آغا أهمية خاصة من خلال الجمع بين الزعامة العشائرية والمشاركة السياسية والنفوذ الاجتماعي. فقد كان رئيسًا لعشيرة الدوسكي في مرحلة شديدة الاضطراب سياسيًا وأمنيًا، شهدت نهاية العهد الملكي، وقيام الجمهورية سنة 1958م، ثم تصاعد الحركة الكردية المسلحة، وما رافق ذلك من صراع بين الدولة العراقية والحركة الكردية. ولذلك أصبح موقعه حساسًا بالنسبة إلى السلطة المركزية، خصوصًا مع اتساع نفوذه في دهوك ومناطق الدوسكي. وتؤكد مادة فرست مرعي أن الحكومة العراقية كانت تنظر إليه بعين الريبة بسبب نفوذه المتزايد ومكانته الاجتماعية والعشائرية. (مرعي، 2015).
ومن الوثائق المهمة التي تكشف عن موقف السلطة العراقية منه ما أوردته جريدة «فتى العرب» في عددها الثالث الصادر في 27 شباط/فبراير 1951م، إذ نقلت خبر توجه متصرف لواء الموصل سعيد قزاز إلى دهوك في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1950م للقبض على ديوالي آغا، الذي كان آنذاك عضوًا في مجلس النواب العراقي عن قضاء دهوك، واقتياده مخفورًا إلى متصرفية الموصل. ووفق الرواية التي نقلها مرعي، اتخذت السلطة بحقه إجراءات استندت إلى نظام دعاوى العشائر، وطالبته بتسليم مبلغ مالي وعدد كبير من البنادق، كما فُرضت إجراءات مماثلة على شقيقه رشيد آغا. وتكشف هذه الحادثة عن حجم التوتر بين السلطة المركزية وبعض الزعامات العشائرية الكردية ذات النفوذ المستقل. (مرعي، 2015).

ديوالي آغا والحركة الكردية
كان ديوالي آغا، وفق الشهادات التي أوردتها المصادر المحلية، من الشخصيات التي ارتبطت بالحركة الكردية، ولا سيما منذ اندلاع ثورة أيلول سنة 1961م. وتشير الروايات إلى أنه كان من أصدقاء الملا مصطفى البارزاني قبل الثورة، وأن موقعه كرئيس لعشيرة كبيرة في منطقة دهوك، وعلاقاته الواسعة مع رؤساء العشائر، جعلاه شخصية ذات أهمية بالنسبة إلى الحركة الكردية. ولذلك اتهمته الحكومة العراقية بتقديم المساعدة إلى الثوار الكرد. (مرعي، 2015).
وهنا ينبغي أن نكون حذرين منهجيًا؛ فالمعلومات المتعلقة بمساندته للحركة الكردية تأتي في جزء منها من شهادات لاحقة وذكريات محلية، وليست جميعها مدعومة حتى الآن بوثائق حكومية منشورة. ولذلك يمكن القول إن المصادر تشير إلى دعمه أو تعاطفه مع الحركة الكردية، دون تحويل كل رواية شفوية إلى حقيقة قطعية. غير أن اتخاذ الحكومة العراقية إجراءات ضده في خمسينيات القرن العشرين، ثم إدراجه لاحقًا ضمن الشخصيات العشائرية المهمة في تقارير الأجهزة الأمنية، يعطي قرينة على أن السلطة كانت تعده شخصية ذات وزن سياسي وأمني.
وتزداد قيمة هذه النقطة مع التقرير السري الذي نشرته مديرية الاستخبارات العسكرية العامة العراقية – المعاونية الأولى عن العشائر الكردية. وعلى الرغم من عدم وجود تاريخ صريح للتقرير، فإن الدكتور فرست مرعي يرجح أنه أُعد بين 1982 و1983م، اعتمادًا على إشارات التقرير إلى أحداث وقعت في تلك الفترة. ويورد التقرير ديوالي آغا بوصفه رئيسًا لعشيرة الدوسكي، إلى جانب شقيقه رشيد آغا بن سعيد آغا الدوسكي، ويضعهما ضمن زعماء العشائر الكردية في قاطع دهوك/بهدينان. (مرعي، 2026).
وهذا التقرير مهم للغاية؛ لأنه يقدم لنا صورة رسمية من منظور الدولة العراقية عن مكانة ديوالي آغا، بعيدًا نسبيًا عن الروايات العشائرية التي قد تميل إلى تمجيد الشخصية. كما أن إدراج اسمه ضمن قائمة رؤساء العشائر في قاطع دهوك يدل على أن الأجهزة الأمنية العراقية كانت تعده من الشخصيات المؤثرة التي ينبغي رصدها ومتابعة نشاطها. (مرعي، 2026).
ديوالي آغا ودوره في المجتمع الدهوكي
لم تكن أهمية ديوالي آغا مقتصرة على السياسة والعشيرة؛ فقد اكتسب شهرة واسعة في الذاكرة الاجتماعية لمدينة دهوك باعتباره وسيطًا في النزاعات ومساعدًا للفقراء والمحتاجين. وتروي شهادات محلية أنه كان يتدخل لدى السلطات للإفراج عن المعتقلين، بصرف النظر عن انتمائهم السياسي، سواء كانوا من أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الحزب الشيوعي العراقي. كما تذكر هذه الشهادات أنه كان يتدخل لحل النزاعات الاجتماعية والعشائرية، وأن مضيفه كان مقصدًا لأبناء عشائر مختلفة، وليس لأبناء الدوسكي وحدهم. (ميرو، 2024).
وتتضمن إحدى الشهادات التي نقلها أنيس ميرو قصة رجل فقير لجأ إلى ديوالي آغا، فذهب معه إلى مديرية تربية دهوك، وطلب من مدير التربية تعيينه عاملًا في الحدائق، ثم أعطاه مبلغًا من المال حتى يتسلم راتبه. وعندما سُئل عن الرجل، أجاب بأنه لم يكن يعرفه سابقًا، وإنما لجأ إليه في مضيفه وشكا حالته. ورغم أن هذه الحادثة تبقى شهادة شخصية لا وثيقة إدارية، فإنها تعكس الصورة التي احتفظت بها الذاكرة المحلية عن ديوالي آغا باعتباره زعيمًا يقدم خدماته خارج حدود عشيرته. (ميرو، 2024).

ديوالي آغا ومسيحيو دهوك
ومن أبرز الجوانب التي تستحق التوقف عندها في سيرة ديوالي آغا الدوسكي موقفه من حماية مسيحيي دهوك في أعقاب حادثة مقتل منصور حنا ساوا، المعروف بـ«منصور شله»، في 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1968م، في محلة النصارى بدهوك. وتفيد الروايات المحلية بأن مجموعة مسلحة اقتحمت منزل منصور وطالبته بدفع مبلغ قدره 300 دينار عراقي، وهو مبلغ كان يعد كبيرًا في ذلك الوقت، ولما رفض الاستجابة لهذا الطلب أقدمت المجموعة على قتله ثم لاذت بالفرار؛ وقد أثارت الحادثة استنكارًا واسعًا بين سكان دهوك من المسلمين والمسيحيين، لما حملته من تهديد للأمن الاجتماعي في المدينة.
وأدت الحادثة إلى إثارة مخاوف لدى سكان محلة النصارى، ولا سيما أن المطالبة المالية بالقوة ثم قتل صاحب المنزل عند رفضه يمكن أن تُفهم في سياق اضطراب أمني أوسع، وليس بوصفها مجرد حادثة جنائية معزولة. وتذكر الروايات المنشورة أن البابا بولس السادس طلب من الرئيس العراقي أحمد حسن البكر توفير الحماية للمسيحيين في شمال العراق(= كردستان العراق)، وأن السلطات العراقية أوعزت إلى القوات العسكرية في الموصل باتخاذ إجراءات لحماية مسيحيي دهوك.
وفي هذا السياق برز موقف ديوالي آغا الدوسكي؛ إذ تعهد، بحسب الروايات المحلية والمسيحية، بحماية سكان محلة النصارى، فأرسل مجموعة من رجاله المسلحين لمراقبة مداخل المحلة والحراسة فيها خلال الليل، بهدف منع تكرار عمليات التسلل والاعتداء. واستمرت هذه الحماية حتى بيان 11 آذار 1970م، الأمر الذي جعل مبادرته حاضرة في الذاكرة المحلية للمسيحيين في دهوك بوصفها موقفًا أسهم في توفير قدر من الأمن لهم خلال تلك المرحلة المضطربة.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية أكبر عند وضعها في سياق طبيعة الزعامة العشائرية في دهوك آنذاك؛ فقد كان ديوالي آغا يمتلك نفوذًا اجتماعيًا وأمنيًا يتجاوز حدود عشيرته، الأمر الذي مكّنه من التدخل السريع في بعض الأزمات المحلية عندما كانت قدرة مؤسسات الدولة على ضبط الأمن محدودة أو بطيئة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مبادرته إلى حماية محلة النصارى باعتبارها صورة من صور ممارسة الزعامة التقليدية لدور أمني واجتماعي لصالح جماعة من سكان المدينة، بغض النظر عن انتمائهم الديني.وفي هذا السياق، قام ديوالي آغا، بحسب الرواية المحلية، بإرسال مفرزة من رجال عشيرته المسلحين لحماية محلة النصارى في دهوك ليلًا، ومراقبة مداخلها ومنع الاعتداءات عليها. واستمرت هذه الحماية حتى بيان 11 آذار/مارس 1970م. وتؤكد الرواية أن هذا الموقف بقي حاضرًا في ذاكرة مسيحيي دهوك، الذين نظروا إليه بوصفه موقفًا إيجابيًا تجاههم.
وهذه الحادثة ذات قيمة تاريخية بالنسبة إلى دراسة العلاقات الاجتماعية بين المسلمين والمسيحيين في دهوك؛ لأنها تكشف أن الزعامة العشائرية لم تكن دائمًا عاملًا للصراع بين المكونات، بل كانت في بعض الظروف تقوم بوظيفة الحماية وحفظ الأمن المحلي. كما أنها تساعد في تقديم صورة أكثر تعقيدًا للمجتمع الدهوكي في ستينيات القرن العشرين، حيث تداخلت العلاقات العشائرية والدينية والسياسية في إدارة الأمن الاجتماعي.

ديوالي آغا والايزيديون والمكونات الأخرى
تشير المصادر التي تناولت سيرته كذلك إلى علاقاته مع الايزيديين وسكان المناطق المحيطة بدهوك. ويذكر أحد الباحثين أن ديوالي آغا كان يساعد أبناء عشائر أخرى، مثل: المزوري والبرواري بالا، والكوجر بقبائلها المختلفة، والسليفاني، إضافة إلى المسيحيين والايزيديين في أطراف دهوك وسميل. كما تذكر الروايات أن أسرة ديوالي آغا نفسها كانت قد عُرفت في أزمنة سابقة بإيواء المسيحيين والايزيديين والأرمن خلال فترات الاضطراب والنكبات. (مرعي، 2015).
غير أن هذه النقطة تحتاج إلى فصل تاريخ الأسرة عن سيرة ديوالي الشخصية. فإيواء المسيحيين والأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، أو حماية الأسر الآثورية سنة 1933م، وقائع سابقة على بروز ديوالي آغا نفسه، ولذلك ينبغي استخدامها في البحث باعتبارها جزءًا من إرث أسرة ديوالي آغا ومكانتها الاجتماعية، وخاصة والده (سعيد آغا بن اسماعيل آغا) وليس باعتبارها أعمالًا شخصية قام بها هو. وهذه الدقة ضرورية حتى لا تختلط الأجيال في السرد التاريخي.
قصر ديوالي آغا والمضيف
ومن رموز مكانته الاجتماعية «قصر ديوالي» في دهوك، الذي تشير الرواية إلى أنه شُيد سنة 1949م. ولم يكن المكان مجرد مسكن عائلي، بل تحول إلى مضيف يستقبل أبناء العشائر المختلفة، وأصحاب المشكلات، والفقراء، والأشخاص الذين تعرضوا لمظالم أو مشكلات مع السلطات. ولذلك يمكن النظر إلى القصر بوصفه جزءًا من البنية الاجتماعية للزعامة العشائرية في دهوك خلال منتصف القرن العشرين. (مرعي، 2015).
ديوالي آغا في الذاكرة اليهودية
ومن مقتضيات المنهج النقدي في دراسة شخصية ديوالي آغا عدم الاقتصار على الروايات الإيجابية التي حفظتها الذاكرة المحلية عنه، وإنما الإشارة كذلك إلى وجود بعض الروايات المختلفة في تقييم علاقته ببعض أفراد المجتمع اليهودي في دهوك. فقد نقلت بعض الروايات اليهودية، كما وردت في دراسة تناولت يهود كردستان ورؤساءهم القبليين، ملاحظات نقدية بشأن طبيعة العلاقة بين ديوالي آغا وبعض اليهود، ولا سيما فيما يتعلق بالأعراف والاستحقاقات العشائرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت. غير أن هذه الروايات لا تكفي، بمفردها، لإصدار حكم عام على طبيعة علاقة ديوالي آغا باليهود، ولا سيما أن المصادر نفسها تشير إلى أن بعض تلك المواقف ارتبط بخلافات اجتماعية ومالية محددة بين أفراد من الجالية اليهودية وبين الزعامة العشائرية. ومن ثم فإن التعامل معها يقتضي وضعها في سياقها الاجتماعي والتاريخي، بعيدًا عن التعميم أو إسقاط المفاهيم الحديثة على طبيعة العلاقات العشائرية في دهوك آنذاك. (عيسى، 2013؛ مرعي، 2015).
وفي المقابل، تقدم روايات أخرى صورة أكثر إيجابية عن علاقة ديوالي آغا بمختلف مكونات مجتمع دهوك، وتشير إلى أنه لم يحصر خدماته في أبناء عشيرته، بل تدخل في قضايا اجتماعية تخص المسيحيين والايزيديين وغيرهم، كما عُرف مضيفه مكانًا يقصده أصحاب الحاجات والمشكلات. وتؤيد بعض الشهادات المحلية هذه الصورة، إذ تصفه بأنه كان يتدخل لحل النزاعات ويسعى إلى الإفراج عن المعتقلين ومساعدة المحتاجين، بصرف النظر عن انتماءاتهم الاجتماعية والسياسية والدينية. (عيسى، 2013؛ ميرو، 2024).
وعليه، فإن الصورة التاريخية الأكثر اتزانًا لديوالي آغا لا ينبغي أن تقوم على تمجيده المطلق أو إدانته استنادًا إلى رواية منفردة، وإنما على مقارنة الروايات المختلفة وتحديد سياقاتها ومصادرها. فاختلاف بعض الشهادات حول علاقته باليهود لا ينفي ما تذكره روايات أخرى عن علاقاته الإيجابية مع مكونات المجتمع الدهوكي، كما أن الروايات الإيجابية عنه لا تعني بالضرورة أن علاقاته الاجتماعية كانت خالية من الخلافات أو التوترات. ومن ثم تبقى شخصيته مثالًا على طبيعة الزعامة العشائرية في دهوك خلال منتصف القرن العشرين، بما كانت تنطوي عليه من نفوذ اجتماعي ووساطة وحماية، وفي الوقت نفسه من علاقات معقدة مع مختلف الجماعات والمصالح المحلية. ومن الناحية المنهجية، فإن هذه المادة لا ينبغي حذفها، بل على العكس، إدراجها يزيد البحث قوة؛ لأن دراسة شخصية تاريخية لا ينبغي أن تعتمد على رواية تمجيدية واحدة. ويمكن القول إن صورة ديوالي آغا في الذاكرة المحلية ليست متجانسة، وإنما تختلف باختلاف الجماعة والرواة والمصالح الاجتماعية التي كانت تربطهم به.
اغتيال ديوالي آغا في 28 آب 1982
بلغت حياة ديوالي آغا نهايتها في 28 آب/أغسطس 1982م، عندما تعرض للاغتيال أثناء وجوده في إحدى قرى عشيرة الدوسكي، وهي بري بهار الواقعة غرب الطريق العام بين دهوك وناحية زاويته، وقُتل معه عدد من مرافقيه. وتذكر مادة فرست مرعي المنشورة في الذكرى الثالثة والثلاثين لاغتياله أن العملية نفذها مجهولون، وأن الاتهام في حينه توجه إلى المخابرات العراقية.
لكن ينبغي، في صياغة بحث أكاديمي، عدم تحويل الاتهام إلى حقيقة قطعية ما لم تظهر وثيقة عراقية مباشرة تثبت الأمر. والأدق أن نقول: «اغتيل ديوالي آغا في 28 آب 1982 في ظروف اتُّهمت فيها أجهزة المخابرات العراقية بالوقوف وراء العملية». وتزداد أهمية هذا الاتهام بسبب السياق السياسي الذي وقع فيه الاغتيال، وبسبب كون ديوالي آغا صاحب نفوذ عشائري واجتماعي في منطقة حساسة بالنسبة إلى الدولة العراقية.
وتدعم أهمية شخصيته وثيقة الاستخبارات العسكرية العراقية التي تذكره بوصفه رئيس عشيرة الدوسكي ثم تشير، بحسب قراءة فرست مرعي للتقرير، إلى مقتله في آب 1982م. وهذا يجعل اغتياله جزءًا من سياق أوسع يتعلق بمراقبة الدولة العراقية للزعامات العشائرية الكردية في بهدينان خلال الحرب العراقية الإيرانية. (مرعي، 2026).
أسرته واستمرار الزعامة بعده
أنجب ديوالي آغا الدوسكي عددًا من الأبناء الذين برز بعضهم لاحقًا في الحياة السياسية والاجتماعية، ومن بينهم المحامي جيايي آغا، والمحامي سعيد آغا، والمهندس سربست ديوالي آغا، والدكتور قيس آغا، فضلًا عن كوهدار وجلنك، مع وجود بعض الاختلاف بين المصادر في ترتيب الأبناء وفي تفاصيل أدوارهم السياسية والاجتماعية. وبعد اغتيال ديوالي آغا، آلت زعامة عشيرة الدوسكي مؤقتًا إلى ابنه الأكبر جيايي آغا، الذي لم تدم زعامته طويلًا، ثم انتقلت بعد وفاته إلى شقيقه سعيد آغا، قبل أن تستقر لاحقًا لدى شقيقهما المهندس سربست ديوالي آغا، الذي أصبح من أبرز الشخصيات المرتبطة بقيادة الأسرة والعشيرة في مرحلة لاحقة.
وتكشف المسيرة السياسية لأسرة ديوالي آغا الدوسكي عن استمرارية لافتة في المشاركة في الحياة النيابية العراقية والكردستانية، امتدت من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري، ثم إلى مرحلة ما بعد انتفاضة آذار 1991. ولم تبدأ هذه المشاركة مع ديوالي آغا نفسه؛ إذ كان والده سعيد آغا الدوسكي من الشخصيات السياسية البارزة في منطقة بهدينان، فقد نال عضوية مجلس الأعيان العراقي سنة 1932م، ثم انتُخب عضوًا في مجلس النواب العراقي في ثلاث دورات قبل وفاته سنة 1947م. وبذلك كانت أسرة ديوالي آغا قد دخلت الحياة السياسية والنيابية العراقية في وقت مبكر، ولم تكن زعامتها مقتصرة على النفوذ العشائري المحلي، بل ارتبطت كذلك بالمؤسسات الدستورية للدولة العراقية في العهد الملكي. (مرعي، 2015).
واستمر هذا الحضور في الجيل التالي مع ديوالي آغا الدوسكي، الذي تولى زعامة عشيرة الدوسكي بعد وفاة والده، وأصبح بدوره عضوًا في مجلس النواب العراقي خلال العهد الملكي، فضلًا عن انخراطه في الحياة السياسية والعامة. ولم تنقطع المشاركة النيابية للأسرة بعد انتقال العراق إلى العهد الجمهوري؛ إذ برز من أبناء ديوالي آغا جيايي آغا الذي انتُخب عضوًا في مجلس النواب العراقي مرتين، كما تولى خلال مرحلة الحركة الكردية المسلحة منصبًا قضائيًا في مؤسسات الحركة الكردية بين عامي 1973–1975م. كذلك تولى ابنه الآخر سعيد آغا عضوية مجلس النواب العراقي، الأمر الذي يعكس استمرار الحضور السياسي للأسرة في مرحلة مختلفة من تاريخ العراق السياسي. (مرعي، 2015).
ولم يقتصر هذا الحضور على أبناء ديوالي آغا المباشرين، بل امتد إلى أبناء إخوته وأفراد الأسرة من الجيل اللاحق؛ فقد برز بيار طاهر آغا الدوسكي عضوًا في مجلس النواب العراقي، ثم عضوًا في برلمان كردستان العراق، كما برز سلار عصمت آغا الدوسكي في الحياة السياسية الكردستانية. وإلى جانب ذلك، أصبح الدكتور قيس ديوالي آغا عضوًا في أول برلمان لكردستان العراق بعد انتفاضة آذار 1991م. وبذلك امتدت المشاركة السياسية للأسرة من المؤسسات النيابية العراقية في العهد الملكي، مرورًا بالعهد الجمهوري، إلى مؤسسات الحكم الذاتي الكردستاني بعد عام 1991م، وهو ما يمنحها موقعًا خاصًا في تاريخ النخب السياسية في منطقة بهدينان. (مرعي، 2015).
ومن اللافت أن هذا الحضور لم يكن وليد جيل واحد، بل شكل سلسلة متعاقبة: سعيد آغا في العهد الملكي، ثم ديوالي آغا في العهد الملكي والجمهوري، ثم أبناؤه وأبناء إخوته في العهد الجمهوري ومرحلة الحركة الكردية، وصولًا إلى برلمان كردستان بعد عام 1991م. ومن ثم يمكن النظر إلى أسرة ديوالي آغا بوصفها واحدة من أبرز الأسر العشائرية في بهدينان التي جمعت بين الزعامة التقليدية والتمثيل النيابي والمشاركة السياسية الحديثة، وحافظت على حضورها العام رغم التحولات العميقة التي شهدها العراق وكردستان خلال القرن العشرين.
وبناءً على المعطيات المتاحة، يمكن القول إن أسرة ديوالي آغا الدوسكي كانت من أكثر الأسر العشائرية البهدينانية استمرارًا في الوصول إلى المؤسسات النيابية العراقية والكردستانية عبر أجيال متعاقبة، ولا سيما إذا أخذنا بالاعتبار امتداد عضوية أفرادها من مجلس الأعيان والنواب في العهد الملكي إلى مجلس النواب في العهد الجمهوري، ثم إلى برلمان كردستان في مرحلة ما بعد 1991م. وتنافسها في هذا الحضور، بحسب ما تشير إليه المعطيات التاريخية المتاحة، أسرة شيوخ بريفكان بفروعها المختلفة، ولا سيما البريفكاني، "الشيخ نوري بن الشيخ عبدالجبار البريفكاني"(1871 -1944م) والبريفكاني الدهوكي " الشيخ عبيدالله بن الشيخ نور محمد" (1885 -1954م)، و "الشيخ نور محمد بن الشيخ عبيدالله بن الشيخ نور محمد الكبير" التي كان لها هي الأخرى حضور ملحوظ في الحياة العلمية والدينية والسياسية والنيابية في منطقة بهدينان والعراق. ويكشف ذلك عن ظاهرة أوسع في تاريخ المنطقة، تتمثل في انتقال بعض الأسر ذات المكانة الدينية أو العشائرية من مجال الزعامة التقليدية إلى المجال السياسي والنيابي، مع احتفاظها في الوقت نفسه بنفوذها الاجتماعي ومكانتها المحلية.
تقييم تاريخي لشخصية ديوالي آغا
إذا أردنا وضع ديوالي آغا في سياقه التاريخي، فلا ينبغي تقديمه فقط بوصفه «زعيمًا عشائريًا كريمًا»، كما تفعل بعض الكتابات التذكارية، ولا بوصفه مجرد أداة للحركة الكردية أو شخصية معارضة للدولة، بل ينبغي النظر إليه باعتباره أحد نماذج الزعامة العشائرية الكردية التي استمرت في أداء وظائف اجتماعية وسياسية وأمنية في دهوك وبهدينان خلال مرحلة انتقال العراق من الملكية إلى الجمهورية ثم إلى مرحلة الصراع الكردي–العراقي.
فهو من جهة كان جزءًا من النظام السياسي العراقي، إذ كان عضوًا في البرلمان، وانخرط في أحزاب عراقية في العهد الملكي؛ ومن جهة أخرى احتفظ باستقلالية عشائرية جعلته قادرًا على التواصل مع الحركة الكردية ومساعدة رجالها، وهو ما أدى إلى اصطدامه بالسلطات العراقية. وفي المجال الاجتماعي، كان يؤدي دور الوسيط والحامي، وتقدم الروايات المحلية أمثلة على تدخله لصالح المسيحيين والايزيديين والفقراء والمعتقلين.
ولهذا فإن اغتياله سنة 1982م يمكن أن يُقرأ في سياق أوسع من مجرد تصفية شخصية عشائرية؛ فقد كانت الدولة العراقية آنذاك تسعى إلى إحكام السيطرة على المجتمع الكردي وتفكيك مراكز النفوذ التقليدية التي يمكن أن تتقاطع مع الحركة الكردية. غير أن هذه القراءة تبقى تفسيرًا تاريخيًا يحتاج إلى دعمها بوثائق أمنية عراقية مباشرة، ولا ينبغي تقديمها كسبب مثبت للاغتيال دون وثيقة صريحة.
قائمة المصادر
عيسى، ماري إسكندر (2013)، «قراءة في كتاب عن ديوالي دوسكي: للباحثة تريفة دوسكي»، الحوار المتمدن، 2013.
مرعي، فرست (2015)، «خدمة الناس بدون مقابل: ديوالي آغا الدوسكي أنموذجاً»، كتابات، 30 آب/أغسطس 2015.
مرعي، فرست (2026)، «الآغوات الكرد لعشائر بهدينان من منظور الاستخبارات العسكرية العراقية: عرض ونقد»، الحوار المتمدن، العدد 8591، 18 كانون الثاني/يناير 2026.
مرعي، فرست (2020) «العلاقات بين الإسلام والمسيحية في كوردستان من التصادم إلى التسامح»، مادة توثيقية عن تاريخ العلاقات الاجتماعية في دهوك، وتتضمن رواية حماية محلة النصارى من قبل ديوالي آغا.
ميرو، أنيس (2024)، «رجال من بلادي… رقم 3»، الرواد نيوز، 12 أيلول/سبتمبر 2024.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عام الفيل بين الرواية الإسلامية والقراءات الاستشراقية الحديث ...
- من اللاهوت إلى الاحتجاج السياسي: الكلدان والسريان والآشوريون ...
- من العمادية إلى روما: قصة بطرس جيسي... أول كردي مسلم توثّق ا ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- الإرساليات البروتستانتية والنشاط التبشيري في كردستان العراق ...
- الجامع الكبير في دهوك: أئمةٌ صنعوا الوعي وشجاعةٌ حفظت هوية ا ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(3)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(2)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(1)
- العنف السياسي في العراق: من الأسرة الهاشمية إلى الأنفال
- ثورة 14 تموز 1958 والقضية الكوردية: بين الاعتراف الدستوري وت ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- شفان توفيق ودهوك: عشق مدينة لا ينتهي


المزيد.....




- تصاعد التوتر في سبتة: مواجهات بين السكان والشرطة إثر أزمة تد ...
- سبتة.. احتجاجات عنيفة وأزمة إنسانية تعصف بالجيب الإسباني بعد ...
- خالد شيخ محمد.. من اعتقاله في باكستان إلى محاكمة مؤجلة في غو ...
- بين عودة النازحين وتأمين المساعدات.. «الشروق» ترصد تحديات ال ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام يمني -قصاصا- وتكشف عن جريمته ...
- الأمم المتحدة تحذر من أي وجود عسكري إسرائيلي مفتوح في سوريا ...
- مركز إغاثة طبية في غزة.. معاناة مركّبة من نقص الأدوية والمعد ...
- اللاذقية.. اعتقال أحد أبزر الضباط الميدانيين في عهد الأسد بع ...
- تحديد موعد محاكمة العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر في غوانتانام ...
- إطلاق للنار وتفكيك للخيام.. سكان سبتة يخرجون للتصدي للمهاجري ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - ديوالي آغا الدوسكي: الزعامة العشائرية والدور الاجتماعي والسياسي في دهوك وبهدينان