أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - من اللاهوت إلى الاحتجاج السياسي: الكلدان والسريان والآشوريون في العراق وإقليم كوردستان















المزيد.....


من اللاهوت إلى الاحتجاج السياسي: الكلدان والسريان والآشوريون في العراق وإقليم كوردستان


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 14:08
المحور: القضية الكردية
    


لم تكن الانقسامات القائمة اليوم بين الكلدان والسريان والآشوريين ذات طبيعة قومية عند نشأتها، بل بدأت بوصفها خلافات لاهوتية داخل الكنيسة المسيحية الأولى، ثم تحولت مع مرور القرون إلى انقسامات كنسية وإدارية، قبل أن تكتسب أبعادًا قومية وسياسية في العصر الحديث. ومن ثم فإن فهم طبيعة هذه المكونات لا يمكن أن يتم بمعزل عن تتبع التطور التاريخي الذي مرت به خلال ما يقرب من ستة عشر قرنًا.
يُعدّ ثيودور المصيصي (نحو 350–428م) وثيودوريت القورشي (نحو 393–466م) من أبرز ممثلي المدرسة الأنطاكية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، وقد ارتبط الثاني فكريًا بتراث الأول. كان ثيودور المصيصي، أسقف مصيصة، تلميذًا لديودور الطرسوسي، ومن أبرز المدافعين عن المنهج الأنطاكي في تفسير الكتاب المقدس، وعن التمييز بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح مع تأكيد وحدة شخصه. وقد أصبحت آراؤه لاحقًا من أهم المرتكزات اللاهوتية التي أثرت في التقليد المشرقي. أما ثيودوريت القورشي، أسقف قورش في شمال سورية، فقد جاء في الجيل التالي، وتأثر بالتراث الأنطاكي ودافع عن كثير من أفكار ثيودور المصيصي، كما وقف إلى جانب نسطور في النزاع اللاهوتي الذي انتهى إلى مجمع أفسس سنة 431م. ومن هنا يمكن النظر إليهما بوصفهما حلقتين متصلتين في تطور اللاهوت الأنطاكي: ثيودور المصيصي وضع جانبًا مهمًا من الأسس اللاهوتية والتفسيرية، ثم جاء ثيودوريت فدافع عن هذا التراث ووسّعه في مواجهة خصوم المدرسة الأنطاكية. وقد كان لهذا الاتجاه أثر بعيد في التقليد اللاهوتي لكنيسة المشرق، ولا سيما عبر انتقال التراث الأنطاكي إلى مدارس الرها ونصيبين وجنديسابور، وإن كان من غير الدقيق اختزال هذا التقليد في شخص نسطور وحده.
ومن الجدير بالذكر أن أتباع هذه الكنيسة لم يطلقوا على أنفسهم اسم "النساطرة"، بل كانوا يعرفون أنفسهم بأبناء كنيسة المشرق أو السريان الشرقيين، في حين كان وصف "النسطورية" تسمية أطلقها خصومهم اللاهوتيون وانتقلت إلى كثير من المؤلفات الغربية.
وبعد نحو عقدين فقط، أدى انعقاد مجمع خلقيدونية سنة 451م إلى انقسام جديد في العالم المسيحي الشرقي، إذ قبلت بعض الكنائس مقررات المجمع، في حين رفضتها الكنائس التي تمسكت بصيغة الطبيعة الواحدة للمسيح، وفي مقدمتها الكنيسة السريانية التي عُرفت تاريخيًا باسم الكنيسة اليعقوبية، نسبةً إلى يعقوب البرادعي (ت سنة 578م)، ثم عُرفت في العصر الحديث بـالكنيسة السريانية الأرثوذكسية. وقد أصبح هذا التقليد يمثل بصورة عامة السريان الغربيين، في مقابل كنيسة المشرق التي مثلت تقليد السريان الشرقيين. وهكذا انقسم المسيحيون الناطقون بالسريانية إلى تقليدين كنسيين رئيسين، لكل منهما تراثه اللاهوتي وطقوسه وتقاليده ولغته الليتورجية وبنيته الكنسية الخاصة، مع التأكيد على أن هذا الانقسام كان في أساسه لاهوتيًا وكنسيًا، ولم يكن يحمل في ذلك العصر مدلولًا قوميًّا أو إثنيًّا بالمعنى الحديث لمفهوم القومية.
وظلت هذه الانقسامات طوال العصور الوسطى ذات طابع كنسي بحت، إذ كان الانتماء إلى الكنيسة هو العنصر الأساس في تعريف الجماعات المسيحية داخل الخلافة الإسلامية ثم الدولة العثمانية. ولم يكن الحديث يدور عن قوميات كلدانية أو آشورية أو سريانية، بل عن كنائس مستقلة لكل منها بطريركها وأساقفتها وأديرتها.
وشهد القرن السادس عشر تحولًا جديدًا عندما وقع انشقاق داخل كنيسة المشرق انتهى بدخول قسم من أساقفتها في شركة مع الكنيسة الكاثوليكية. وقد تُوج هذا التطور سنة 1553م عندما اعترف "البابا يوليوس الثالث" بيوحنا سولاقا بطريركًا، فبدأت البطريركية الكلدانية الكاثوليكية بصورة رسمية. ومنذ ذلك التاريخ أصبح المسيحيون الناطقون بالسريانية في العراق موزعين بين ثلاث كنائس رئيسة: الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية ومعها الكنيسة السريانية الكاثوليكية التي نشأت لاحقًا، وكنيسة المشرق التي بقيت مستقلة عن روما.
وبقيت الانقسامات بين الكنائس المشرقية طوال العهد العثماني ذات طابع كنسي في المقام الأول، إذ ظل الانتماء الديني هو الأساس في تعريف هذه الجماعات داخل نظام الملل العثماني، دون أن تتبلور بينها هويات قومية بالمفهوم الحديث. غير أن القرن التاسع عشر شهد تحولًا جوهريًا، مع اتساع نفوذ القوى الأوروبية في الدولة العثمانية وإيران القاجارية، حيث أصبحت الكنائس المشرقية محط اهتمام ديني وثقافي وسياسي في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، نشطت الإرساليات الكاثوليكية التابعة للكرسي الرسولي، ولا سيما الرهبنة الدومينيكية والآباء اللعازريون، في الموصل وسهل نينوى، وعملت على توثيق صلة الكنيسة الكلدانية بروما، وأسهمت في إنشاء المدارس والإكليريكيات والمطابع، وإعداد نخبة دينية وثقافية كان لها دور بارز في النهضة الفكرية للكلدان وتعزيز ارتباطهم بالمؤسسات الكاثوليكية العالمية.
ولم يكن هذا الاهتمام التبشيري معزولًا عن التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، ولا عن الاكتشافات الأثرية في نينوى ونمرود، التي أعادت حضارات آشور وبابل إلى واجهة الاهتمام الأوروبي، ودفعت البعثات التبشيرية والعلمية إلى النظر إلى الكنائس المشرقية بوصفها جزءًا من الإرث التاريخي لبلاد الرافدين..
وبدأت الإرساليات البروتستانتية الأمريكية، ولا سيما بعثة مجلس المفوضين الأمريكي للإرساليات الخارجية (American Board of Commissioners for Foreign Missions)، نشاطها بين أتباع كنيسة المشرق في أورمية منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر، قبل أن يمتد إلى جبال هكاري ثم الموصل. وكان هذا المجلس، الذي تأسس في مدينة بوسطن سنة 1810م، أول هيئة تبشيرية بروتستانتية أمريكية منظمة، وقد أوفد عددًا من المبشرين إلى الدولة العثمانية وإيران القاجارية، كان من أبرزهم جاستن بركنز (Justin Perkins)، الذي وصل إلى أورمية سنة 1835م، وآساهيل غرانت (Asahel Grant)، الذي بدأ نشاطه في أورمية وهكاري سنة 1839م. وتركزت جهود البعثة على إنشاء المدارس الحديثة، وترجمة الكتاب المقدس إلى السريانية ولهجاتها المحلية، وطباعة الكتب والنشرات الدينية، ونشر أساليب التعليم الحديثة. ولم يكن هدفها تأسيس كنيسة بروتستانتية جديدة، بقدر ما كان إصلاح كنيسة المشرق من الداخل وفق الرؤية البروتستانتية، من خلال الارتقاء بالتعليم الديني، وتشجيع القراءة المباشرة للكتاب المقدس، وإعداد كوادر محلية متعلمة.
وقد أسهمت هذه الجهود في نشوء نخبة ثقافية جديدة أكثر اتصالًا بالفكر الغربي، وكان لذلك أثر واضح في تطور الوعي الديني والثقافي، ثم في بروز اتجاهات قومية حديثة بين قسم من أبناء كنيسة المشرق خلال العقود اللاحقة.وقد أسهم هذا النشاط في نشوء نخبة ثقافية جديدة أكثر اتصالًا بالفكر الغربي، الأمر الذي كان له أثر ملحوظ في تطور الوعي الديني والثقافي، ثم في تبلور مفاهيم الهوية القومية الحديثة لدى قسم من أبناء كنيسة المشرق خلال العقود اللاحقة.
ومع دخول القرن التاسع عشر دخلت الكنائس المشرقية مرحلة جديدة، إذ تجاوزت الانقسامات إطارها اللاهوتي والكنسي لتصبح جزءًا من التنافس السياسي والثقافي بين القوى الأوروبية داخل الدولة العثمانية وإيران القاجارية. فقد كثفت الإرساليات الكاثوليكية، ولا سيما الدومينيكية واللعازرية، نشاطها في الموصل وسهل نينوى، وعملت على ترسيخ ارتباط الكنيسة الكلدانية بالكرسي الرسولي، وأسهمت في إنشاء المدارس والإكليريكيات والمطابع، وتخريج نخبة دينية وثقافية كان لها دور بارز في النهضة الفكرية للمسيحيين الكلدان.
وفي المقابل، اتجهت الإرساليات البروتستانتية الأمريكية منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر إلى العمل بين أتباع كنيسة المشرق في أورمية وجبال هكاري، حيث أنشأت المدارس، وطبعت الكتب بالسريانية، وشجعت ترجمة الكتاب المقدس، وأسهمت في إدخال أساليب التعليم الحديثة، الأمر الذي أوجد جيلًا جديدًا أكثر احتكاكًا بالفكر الغربي وبمفاهيم الهوية الحديثة.
وساعدت الاكتشافات الأثرية الكبرى التي شهدتها بلاد الرافدين منذ منتصف القرن التاسع عشر على تهيئة المناخ الفكري الذي نشأت فيه كثير من التصورات الأوروبية الحديثة عن مسيحيي المشرق. فقد قاد أوستن هنري لايارد حفرياته الشهيرة في نينوى ونمرود بين عامي 1845 و1851م، ثم واصل مساعده العراقي الكلداني هرمز رسام أعمال التنقيب في نينوى وخورسباد وغيرها من المواقع الأثرية، الأمر الذي أعاد الحضارة الآشورية إلى واجهة الاهتمام العلمي والثقافي في أوروبا. ولم يقتصر تأثير لايارد على نشاطه الأثري، بل شغل لاحقًا مناصب دبلوماسية بارزة، منها سفير بريطانيا لدى الدولة العثمانية، الأمر الذي جعله أحد أبرز الشخصيات البريطانية المهتمة بشؤون المشرق.
وفي ظل هذا الاهتمام المتزايد بتراث بلاد آشور، اتخذ الحضور البريطاني بين أتباع كنيسة المشرق أبعادًا جديدة تجاوزت النشاط التبشيري التقليدي. ففي عام 1881م أسست الكنيسة الأنكليكانية بعثة رئيس أساقفة كانتربري إلى مسيحيي كنيسة المشرق (Archbishop of Canterbury s Mission to the Assyrian Christians)، وأقامت علاقات وثيقة مع البطريركية في قرية قوجانس (قودشانس)، المقر التاريخي لبطاركة كنيسة المشرق في جبال هكاري. وأقام عدد من رجال الدين الأنغليكانيين سنوات طويلة في قوجانس، حيث نسجوا علاقات متينة مع البطريركية، وعززوا الحضور الديني والثقافي البريطاني في المنطقة.
ثم برز القس ويليام أيغرام ويكرام (1872–1953م) بوصفه أبرز شخصيات هذه البعثة وأكثرها تأثيرًا، إذ جمع بين العمل الكنسي والبحث التاريخي، ونشر مؤلفات عدة عن كنيسة المشرق وسكان هكاري، ربط فيها بين أتباع الكنيسة والإرث الآشوري القديم. وأسهمت كتاباته، إلى جانب مؤلفات عدد من الرحالة والباحثين البريطانيين، في ترسيخ استعمال اسم "الآشوريين" في الأدبيات الإنكليزية الحديثة بدلًا من وصف "النساطرة" الذي كان شائعًا في معظم الكتابات الأوروبية السابقة. ثم تبنت الدوائر الرسمية البريطانية هذه التسمية تدريجيًا خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن تصبح الاسم الأكثر تداولًا في وثائق الانتداب البريطاني المتعلقة بقوات الليفي والقضية الآشورية.
وفي المقابل، واصلت الإرساليات الفرنسية، بالتنسيق مع الكرسي الرسولي، تركيز جهودها على الكنائس الكاثوليكية الشرقية، ولا سيما الكنيسة الكلدانية والكنيسة السريانية الكاثوليكية، من خلال تأسيس المدارس والإكليريكيات والمطابع، وتشجيع الدراسات السريانية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ خصوصية هاتين الكنيستين، وتعزيز حضورهما الثقافي، وإبراز تسميتي "الكلدان" و"السريان الكاثوليك" في الأدبيات الكنسية والتعليمية.
ولم يكن هذا التحول معزولًا عن التنافس الأوروبي على النفوذ في المشرق خلال القرن التاسع عشر، إذ ارتبطت الكنائس المشرقية، بدرجات متفاوتة، بعلاقات وثيقة مع قوى أوروبية مختلفة. فقد أولى الكرسي الرسولي وفرنسا اهتمامًا خاصًا بالكنيسة الكلدانية والكنيسة السريانية الكاثوليكية، فدعما مؤسساتهما الدينية والتعليمية والثقافية، وأسهما في تعزيز ارتباطهما بالعالم الكاثوليكي. وفي المقابل، ركزت الكنيسة الأنكليكانية وبريطانيا اهتمامهما على كنيسة المشرق، وعملتا على توثيق صلاتها بالمؤسسات الدينية البريطانية، كما أسهمتا في ترسيخ استعمال التسمية الآشورية في الأدبيات الكنسية والسياسية الحديثة. أما الإرساليات البروتستانتية الأمريكية، فقد انصرفت إلى التعليم والطباعة والترجمة والإصلاح الديني بين أتباع كنيسة المشرق، وكان لها دور بارز في نشر التعليم الحديث وتكوين نخبة مثقفة أكثر انفتاحًا على الفكر الغربي.
ومن ثم، فإن تشكل الهويات الحديثة لدى المسيحيين الناطقين بالسريانية لم يكن نتيجة عامل منفرد، بل جاء حصيلة تفاعل معقد بين الانقسامات الكنسية الموروثة، والنشاط التبشيري الأوروبي والأمريكي، والاكتشافات الأثرية في بلاد الرافدين، وصعود الفكر القومي في الشرق الأدنى، والتنافس السياسي بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في انتقال الانتماء تدريجيًا من الإطار الكنسي التقليدي إلى فضاء الهوية القومية الحديثة، فأخذ أتباع كنيسة المشرق يتبنون على نحو متزايد الهوية الآشورية، في حين تمسك الكلدان باسمهم الذي ارتبط كنسيًا بالاتحاد مع روما منذ القرن السادس عشر، ثم تطور لدى قطاع واسع منهم ليصبح تعبيرًا عن هوية قومية أيضًا، بينما حافظ السريان، ولا سيما أتباع الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، على خصوصيتهم التاريخية والثقافية، وعدّوا أنفسهم امتدادًا للتراث السرياني والآرامي، وهو ما مهد لظهور ثلاثة اتجاهات قومية متمايزة داخل المسيحيين الناطقين بالسريانية خلال القرن العشرين.وخلال القرن العشرين ظل هذا الخلاف محدود التأثير نسبيًا، لأن هموم البقاء والهجرة والاضطرابات السياسية كانت تتقدم على النقاشات القومية.
ولم تسلم كنيسة المشرق في العصر الحديث من الانقسامات الداخلية؛ إذ انقسمت في القرن العشرين إلى أكثر من فرع، أبرزها كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة، فضلًا عن استمرار الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية بوصفها فرعًا متحدًا مع روما منذ القرن السادس عشر. ولم يكن هذا الانقسام الحديث نتيجة خلاف عقائدي محض، بل أسهمت فيه جملة من العوامل الكنسية والسياسية والقومية. فقد أدى الخلاف حول الوراثة البطريركية ونظام انتقال المنصب داخل أسرة البطريرك إلى توترات متراكمة، ثم جاءت إصلاحات البطريرك شمعون الثالث والعشرون إيشاي في القرن العشرين، ولا سيما محاولته الحد من النظام الوراثي، لتزيد حدة الخلاف بين المؤيدين له والمعارضين لإصلاحاته. كما كان للظروف السياسية التي عاشها آشوريو العراق بعد الحرب العالمية الأولى، ثم أحداث سميل سنة 1933م وما أعقبها من نفي البطريرك شمعون الثالث والعشرين إلى الخارج، أثر بالغ في تعميق الانقسام.
وفي سنة 1964م وقع انشقاق كبير بسبب الخلاف حول إصلاح التقويم وبعض المسائل الكنسية، فانفصل جناح بقيادة "مار توما دارمو" وأسس لاحقًا الكنيسة الشرقية القديمة، في حين استمرت قيادة شمعون في كنيسة المشرق الآشورية؛ وهكذا فإن تاريخ كنيسة المشرق في العصر الحديث يكشف أن الانقسامات لم تكن لاهوتية فحسب، وإنما تشابكت فيها قضايا السلطة البطريركية، والتقاليد الكنسية، والإصلاح، والتقويم، والسياسة، والهوية القومية.
إلا أن صعود القوميات الحديثة في ظل الإصلاحات العثمانية (التنظيمات)، ثم مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وازدياد نشاط الجاليات المسيحية في أوروبا وأمريكا، ساهما في بلورة اتجاهات قومية أكثر وضوحًا؛ فظهرت أحزاب آشورية تؤكد أن الكلدان والسريان والآشوريين يشكلون شعبًا واحدًا فرقته الانقسامات الكنسية، بينما ظهرت في المقابل أحزاب ومنظمات كلدانية تؤكد استقلال الهوية الكلدانية، وأخرى سريانية تدافع عن الهوية السريانية بوصفها قومية قائمة بذاتها.
ومع الاحتلال الامريكي للعراق سنة 2003م ودخول البلاد مرحلة التعددية السياسية، انتقل هذا الجدل من الأوساط الثقافية والكنسية إلى الساحة السياسية؛ فقد برزت خلافات حول التسمية التي ينبغي اعتمادها في الدستور العراقي، وفي قوانين الانتخابات، وفي نظام الكوتا، وفي المناهج الدراسية، بل وحتى في أسماء المؤسسات الثقافية والإعلامية. ودافعت بعض القوى السياسية عن اعتماد تسمية "الكلدان السريان الآشوريين" باعتبارها صيغة جامعة، بينما رفضتها قوى أخرى وعدّتها صيغة سياسية لا تستند إلى إجماع تاريخي أو قومي، وطالبت بالاعتراف بكل مكون باسمه المستقل.
وازداد هذا الجدل في إقليم كوردستان العراق بعد عام 2003م ايضاً مع تنامي التنافس على التمثيل السياسي، وإدارة مناطق سهل نينوى، وتوزيع مقاعد الكوتا، والعلاقة مع الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان، حيث أصبحت مسألة الهوية القومية ترتبط بصورة مباشرة بالمطالب السياسية والإدارية، ولم تعد مجرد نقاش فكري أو كنسي.
ومع بداية القرن الحادي والعشرين، ولا سيما بعد عام 2003م، انتقلت الخلافات من دائرة الهوية والتسمية إلى قضايا أكثر ارتباطًا بالواقع السياسي والإداري، وفي مقدمتها ملكية الأراضي والتمثيل السياسي والإدارة المحلية في مناطق الوجود التاريخي للمسيحيين في كوردستان العراق. وقد تصدرت الأحزاب والمنظمات الآشورية هذه المطالب، ولا سيما في بلدات وقرى محافظتي دهوك ونينوى، حيث نظمت احتجاجات وأصدرت بيانات متكررة بشأن التجاوز على بعض الأراضي والعقارات العائدة للمسيحيين.
وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن عددًا من هذه المطالب استند إلى نزاعات حقيقية وموثقة، خاصة في مناطق زاخو والعمادية وسرسنك وعقرة، حيث ظلت بعض قضايا الملكية عالقة لعقود، وتداخلت فيها آثار سياسات الدولة العراقية السابقة مع التحولات التي شهدتها المنطقة بعد عام 1991م. وقد أقرت حكومة إقليم كوردستان في أكثر من مناسبة بوجود نزاعات عقارية، وشكلت لجانًا لمعالجتها، كما أُعيدت بعض الأراضي إلى أصحابها في عدد من الحالات، في حين بقيت ملفات أخرى دون حسم، الأمر الذي أبقى هذه القضية محورًا دائمًا للاحتجاجات والنقاش السياسي بين ممثلي المكونات المسيحية وحكومة الإقليم.
وفي المقابل، فإن حصر هذه المطالب تحت عنوان "القضية الآشورية" لا يعكس الصورة كاملة، إذ إن كثيرًا من الأراضي المتنازع عليها تعود ملكيتها إلى عائلات كلدانية وسريانية أيضًا، غير أن الأحزاب والمؤسسات الآشورية كانت الأكثر نشاطًا في تدويل هذه الملفات وإبرازها في وسائل الإعلام والمنظمات الدولية، وهو ما جعل الخطاب الآشوري يبدو الأكثر حضورًا في هذا المجال، رغم أن جوهر القضية يتعلق بحقوق الملكية لمختلف المكونات المسيحية في تلك المناطق.
ويبدو أن الخلافات القائمة اليوم بين الكلدان والسريان والآشوريين في العراق وإقليم كوردستان لم تعد تقتصر على الجوانب الكنسية أو التاريخية، بل أصبحت ترتبط بصورة وثيقة بقضايا الهوية والتمثيل السياسي وملكية الأراضي وإدارة المناطق ذات الوجود المسيحي التاريخي. ومع أن جذور هذه الانقسامات تعود إلى خلافات لاهوتية وكنسية نشأت قبل قرون طويلة، فإنها اكتسبت منذ أواخر القرن التاسع عشر أبعادًا قومية، ثم تحولت بعد عام 2003م إلى جزء من المشهد السياسي العراقي. ورغم استمرار التباين في تعريف الهوية القومية بين الكلدان والسريان والآشوريين، فإنهم ما زالوا يشتركون في إرث حضاري ولغوي وثقافي واحد، الأمر الذي يجعل معالجة قضاياهم المشتركة، بعيدًا عن الانقسامات الحزبية والتسميات المتنافسة، أكثر أهمية لضمان مستقبل وجودهم التاريخي في العراق وإقليم كوردستان.
ولعل التحدي الحقيقي الذي يواجه هذه المكونات في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتمثل في إثبات أسبقية تسمية على أخرى، بقدر ما يتمثل في حماية وجودها التاريخي، وصون حقوقها الدستورية، والحفاظ على تراثها المشترك في العراق وإقليم كوردستان.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من العمادية إلى روما: قصة بطرس جيسي... أول كردي مسلم توثّق ا ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- الإرساليات البروتستانتية والنشاط التبشيري في كردستان العراق ...
- الجامع الكبير في دهوك: أئمةٌ صنعوا الوعي وشجاعةٌ حفظت هوية ا ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- الإرساليات التبشيرية البروتستانتية وأثرها في التحول الديني ل ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- التبشير المسيحي في كردستان العثمانية والقاجارية (1835–1914م) ...
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(3)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(2)
- من الفقيه إلى المرجع الأعلى: تطور المرجعية الشيعية(1)
- العنف السياسي في العراق: من الأسرة الهاشمية إلى الأنفال
- ثورة 14 تموز 1958 والقضية الكوردية: بين الاعتراف الدستوري وت ...
- من خانقين إلى وادي السلام: تطور العلاقات العراقية–الإيرانية ...
- الكُرد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- شفان توفيق ودهوك: عشق مدينة لا ينتهي
- الكورد في الحضارة الإسلامية: رحلة تشكل العقل الفقهي والعقدي ...
- من الوسام البابوي إلى وسام الجمهورية الإيطالية: محطات في الع ...


المزيد.....




- لبنان.. اعتقال -دكتور فود- بعد ساعات من احتفال -شروق صن شاين ...
- الأمم المتحدة تحذر من عودة الفظائع إلى جنوب السودان قبيل الا ...
- -ثقب أسود- على الحدود.. مخاوف من توسع صلاحيات الجيش الأمريكي ...
- تصعيد واسع في الضفة: إصابات واعتقالات وبؤرة استيطانية جديدة ...
- أمريكا.. اعتقال مؤثر يميني متطرف معاد للإسلام بعد تحول احتجا ...
- إيمان كريم: المجتمع المدني شريك أساسي في حماية وتمكين الأشخا ...
- قاضية أمريكية تلغي حظر تأشيرات المهاجرين من 75 دولة.. ومصر ض ...
- وزير مغربي يحمّل إسبانيا المسؤولية عن تدفق المهاجرين الجماعي ...
- الضفة.. إصابة 5 فلسطينيين واعتقال شابين بهجمات واقتحامات إسر ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- في جازان وتكشف ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - فرست مرعي - من اللاهوت إلى الاحتجاج السياسي: الكلدان والسريان والآشوريون في العراق وإقليم كوردستان