أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - “الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت إلى كارثة استراتيجية في عهد ترامب















المزيد.....

“الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت إلى كارثة استراتيجية في عهد ترامب


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 20:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أصدر الزوجان فلاينت ليفريت وهيلاري مان ليفريت ، في عام 2013 ، كتابًا مثيرًا للجدل بعنوان “الذهاب إلى طهران: لماذا يجب على الولايات المتحدة أن تتصالح مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية”. لم يكن هذا الكتاب مجرد تحليل أكاديمي، بل كان صرخة تحذير من دبلوماسيين محترفين خدموا في قلب صناعة القرار الأمريكي، حذّروا فيها من أن رفض واشنطن الاعتراف بالواقع الجيوسياسي لإيران سيؤدي حتمًا إلى حروب استنزافية وكوارث إقليمية.

بعد أكثر من عقد على صدور الكتاب، وبينما يشهد العالم في عام 2026 حربًا أمريكية-إسرائيلية مفتوحة على إيران، تبدو أطروحة ليفريت نبوءة تحققت بمرارة مطلقة. لم يكن الكتاب مجرد رأي؛ بل كان خارطة طريق متجاهلة لتفادي الكارثة التي نعيشها اليوم.

من هما كاتبا “الذهاب إلى طهران”؟

لا يمكن فهم ثقل كتاب “الذهاب إلى طهران” دون فهم خلفية مؤلفيه، فهما ليسا ناقدين من الخارج، بل كانا في قلب غرفة العمليات الاستراتيجية الأمريكية.

فلاينت ليفريت عمل مديرًا لشؤون الخليج في مجلس الأمن القومي الأمريكي (NSC) خلال إدارة جورج دبليو بوش، كما شغل منصب محلل أول في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، ومتخصصًا في قسم التخطيط السياسي بوزارة الخارجية. وهو حاليًا أستاذ للشؤون الدولية والقانون في عدة جامعات أمريكية. أما هيلاري مان ليفريت، فكانت مديرة لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي، وتُعد من الدبلوماسيين الأمريكيين القلائل الذين فوضتهم إدارة بوش للتفاوض سرًا مع إيران بعد أحداث 11 سبتمبر حول ملفات أفغانستان والعراق والقاعدة. عملت أيضًا كخبير استشاري في بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة.

هذه الخلفية المهنية تجعل من كتابهما شهادة من الداخل، وليس مجرد نقد نظري من الخارج.

أطروحة الكتاب: نيكسون في الصين، لا حرب في طهران

يتمحور الكتاب حول فكرة أساسية واحدة: فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يعود إلى رفضها قبول الجمهورية الإسلامية الإيرانية كقوة إقليمية شرعية. استعار الكاتبان عنوان كتابهما من الزيارة التاريخية للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972، مطالبين الرئيس الأمريكي بامتلاك “شجاعة نيكسون” لعمل انفتاح جيو-استراتيجي كبير تجاه طهران، والاعتراف بالوضع الراهن دون اشتراط تغيير النظام.

دحض الكتاب ثلاث “أساطير” أساسية كانت واشنطن تبني عليها سياستها: أسطورة سقوط النظام الإيراني قريبًا تحت وطأة العقوبات؛ وأسطورة اللاعقلانية التي تصور القادة الإيرانيين كأيديولوجيين متطرفين لا يفهمون لغة المصالح، بينما أثبت الكاتبان أن طهران تتصرف كفاعل عقلاني يبحث عن أمنه القومي؛ وأسطورة جدوى العقوبات التي أدت إلى نتائج عكسية تمامًا، إذ زادت نفوذ إيران الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وألحقت الضرر بالمصالح الأمريكية، ودفعت إيران إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والنووية كوسيلة وحيدة لردع التهديدات.

الحل الذي اقترحه الكتاب كان واضحًا: “صفقة شاملة” تعترف فيها واشنطن بالنظام الإيراني ومصالحه الأمنية المشروعة، مقابل التزام إيران بالشفافية النووية، مع رفع العقوبات التي ثبت عدم جدواها.

من “الذهاب إلى طهران” إلى الحرب على طهران

عندما أُعيد انتخاب دونالد ترامب في عام 2025، لم يكتفِ بإحياء سياسة “الضغط الأقصى” التي وصفها ليفريت بالفاشلة قبل سنوات، بل حولها إلى حرب شاملة. في 13 يونيو 2025، شنت إسرائيل هجمات عسكرية واسعة على إيران، لتنضم إليها الولايات المتحدة في 21 يونيو بقصف ثلاثة منشآت نووية إيرانية، بما في ذلك منشأة فوردو المحصنة تحت الأرض. ما وصفه الكتاب قبل عقد بأنه “أسطورة” أصبح واقعًا دمويًا: حرب استنزافية كلفت آلاف الأرواح، وأدت إلى ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة نفسها إلى مستويات قياسية.

في تصريح صادم، قال ترامب إنه “لا يندم” على الحرب، مؤكدًا أنه سيتخذ القرار نفسه مرة أخرى، وملمحًا إلى أن الحرب ستنتهي فقط بعد الانتخابات النصفية في نوفمبر 2026. هذا المنطق، الذي يربط حياة البشر ودولة كاملة بمصالح انتخابية شخصية، هو التجسيد الحرفي لما حذر منه ليفريت: “اللاعقلانية” في صنع القرار الأمريكي تجاه إيران.

لم تكن الحرب مجرد خطأ استراتيجي؛ بل كانت عدوانًا صهيوأمريكيًا موثقًا. فقد أكدت مقررة أممية أن “العدوان الصهيو-أمريكي على إيران انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة”، بينما أشارت رسالة رسمية إيرانية إلى مجلس الأمن إلى أن الحرب شملت هجمات على المدنيين والأهداف المدنية، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 1100 شخص بريء، بينهم 132 امرأة و45 طفلًا، وإصابة أكثر من 5700 آخرين. هذا ما يصفه ليفريت في كتابه بأنه “كلفة العداء الأمريكي”، التي تدفعها شعوب المنطقة قبل غيرها.

وتكشف تقارير دولية أن العقوبات الأمريكية لم تكن مجرد “أداة ضغط اقتصادي”، بل كانت تمهيدًا أساسيًا للعدوان العسكري، إذ عملت على “التفكيك الاستراتيجي للقدرات الدفاعية الإيرانية”، مما جعل الدولة مكشوفة أمام الهجوم العسكري اللاحق. هذا التسلسل، من العقوبات إلى الحرب، هو بالضبط ما حذر منه كتاب “الذهاب إلى طهران”: أن “العزل” لا يجلب السلام، بل يجلب الحرب.

لماذا تجاهلت واشنطن نبوءة “الذهاب إلى طهران”؟

واجه الكتاب عند صدوره انتقادات حادة داخل الولايات المتحدة. اتهمت صحيفة “نيويورك تايمز” في مراجعتها للكتاب المؤلفين بأنهما “تخليا عن الموقف الواقعي لصالح موقف حزبي واضح”، وتبنيا “وجهة نظر الحكومة الإيرانية” في سياستها الخارجية والداخلية. كما انتقد أكاديميون إيرانيون-أمريكيون الكتاب بشدة، متهّمين إياه بتشويه صورة المعارضة الإيرانية.

لكن هذه الانتقادات، بعد عشر سنوات، تبدو الآن وكأنها محاولات يائسة لتجنب مواجهة الحقيقة. لم يخطئ ليفريت في تحليله؛ بل أخطأت واشنطن في تجاهله. فبدلًا من “الذهاب إلى طهران” كما اقترح، ذهبت واشنطن إلى حرب على طهران، لتحصد النتائج التي حذر منها الكتاب: فوضى إقليمية، مئات المليارات من الدولارات المهدرة، وارتفاع أسعار الوقود في الداخل الأمريكي، وتحالف صهيو-أمريكي مكشوف أمام العالم.


درس لم يُتعلم

في عام 2026، وبينما يواصل ترامب حربه على إيران بحجة منعها من امتلاك سلاح نووي، وبينما يعاني الشعب الإيراني من ويلات العدوان والحصار، وما يعانيه الشعب الأمريكي بشكل أكبر من السياسات النازية الجديدة لترامب ونتنياهو من غلاء وتدهور في كل مناحي الحياة ، يبقى كتاب “الذهاب إلى طهران” شاهدًا على أن البديل كان ممكنًا. لم يكن ليفريت يدعو إلى “حب” إيران، بل إلى فهمها. لم يكن يدعو إلى التنازل، بل إلى التفاوض من موقع الواقعية، لا من موقع الوهم.

الدرس الذي يقدمه هذا الكتاب لواشنطن هو نفسه الذي قدمه نيكسون في بكين: الاعتراف بالخصم ليس ضعفًا، بل قوة. والحرب التي يشنها ترامب اليوم، بتحالف مكشوف مع إسرائيل، هي نتاج رفض هذا الدرس. وبينما تدفع المنطقة ثمن هذا الرفض، يبقى السؤال معلقًا: كم حربًا أخرى ستحتاج واشنطن حتى تقرأ “الذهاب إلى طهران”؟



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مهندسو الوهم.. مسرحية ساخرة في ثلاثة فصول وثلاثين مشهدًا
- باب المندب: حين تُكتب نهاية عصرٍ من رحم الجغرافيا.. تحوّلات ...
- اليمن عند تسارع التحرير: سقوط المخا وحيس ومعسكر خالد بن الول ...
- خرائط الممرات: دراسة مقارنة لكتابي في الأدب الجيوسياسي العال ...
- مسرحية -العالم مسرح... والحمقى ممثلوه- كوميديا تراجيدية في خ ...
- مسرحية ساخرة : -ترامبوصوف: يوم دمر الرئيس البحرية الإيرانية. ...
- التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرال ...
- إعادة تشكيل العالم: صراع السيادة مقابل هيمنة رأس المال العال ...
- مخاض الطاقة في خليج عُمان: حينما تكسر الصواريخ الذكية عظام ا ...
- الصين بين سردية المركز وهيمنة الوقائع: نقد بنيوي لخطاب -العم ...
- المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا ...
- مقدمة كتابي : بيادق الرمال : تشريح الأدوار الوظيفية من الاحت ...
- سورية بين خطاب إعادة الإعمار وواقع النهب المنظم
- تريليونات الانحطاط: كيف تحوّل الاستثمار الخليجي إلى أداة لتد ...
- تحرير الذهب الفلسطيني المجمد منذ 1948..فلسطين والذاكرة الدول ...
- سورية بعد 2024... حين تبحث الجغرافيا عن مركزها وتعيد القوى ا ...
- مرآة النظام العالمي الجديد من كراكاس هرمز إلى بكين
- دراسة نقدية مقارنة بين روايتي- ثياب الامبراطور النفطية -وأشه ...
- مسرحية: -طقوس التطهير-.. مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول و ...
- شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق تو ...


المزيد.....




- ديمي مور بإطلالة -كروشيه- شفّافة في أسبوع الموضة بنيويورك
- -على غرار السلاح النووي-.. صحفية أمريكية تدعو لتنظيم الذكاء ...
- مهمّة بريطانية بامتياز لإنقاذ كشك الهاتف الأحمر في المملكة ا ...
- ترامب يتحدث عن اتفاق روسي أوكراني لوقف ضربات منشآت الطاقة.. ...
- كيف ظهرت الأميرتان ليونور وصوفيا في سباق الفورمولا 1 بإسباني ...
- -ضربته وشتمته لرفضه تناولها الكحول في سيارته-.. وزارة الداخل ...
- بمشاركة مصر و4 دول أوروبية.. انطلاق المناورات العسكرية الضخم ...
- -أيديكم ملطخة بدماء أطفالنا-
- كيف ستتأثر قناة السويس باضطراب الملاحة عبر مضيق باب المندب؟ ...
- طلاب الجامعات يطلقون -قائمة الطلاب- لإحداث تغيير في انتخابات ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - “الذهاب إلى طهران” بعد عقد من الزمن: كيف تحوّلت نبوءة ليفريت إلى كارثة استراتيجية في عهد ترامب