أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا المالي مع حرب غزة















المزيد.....



المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا المالي مع حرب غزة


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 09:47
المحور: الادب والفن
    


في ثقافة الموت، يموت المال أخيرًا

حين تتدلى الغيوم فوق قصور المال الأوروبي ، في صباح بلجيكي ثقيل، كما تتدلى الأسئلة فوق ضمير القارة العجوز، نشرت صحيفة Les Échos خبرًا بدا للوهلة الأولى تقنيًا، جامدًا، كأرقام الحسابات البنكية. لكنه كان، في حقيقته العميقة، زلزالًا أخلاقيًا، وشرخًا في جدار التواطؤ الأوروبي الصامت. فالخبر، الذي أفاد بأن هيئة تنظيم السندات في لوكسمبورغ (CSSF) قررت عدم تجديد نشرات الاكتتاب الخاصة بالسندات الإسرائيلية الموجهة للشتات اليهودي، لم يكن مجرد إعلان مالي جاف؛ بل كان اعترافًا بأن أوروبا بدأت تدرك، وإن متأخرة، أن المال الذي يمر عبر مؤسساتها قد يتحول، في محاكم المستقبل، إلى دليل إدانة لا يُنسى.

منذ أكتوبر 2023، كانت هذه السندات، التي جمعت أكثر من مليارين وخمسمائة مليون دولار في عام 2025 وحده، شريانًا ماليًا صامتًا، يغذي آلة حرب لم تشهد العالم مثلها من حيث الوحشية والعلنية. لكن قرار لوكسمبورغ، الذي دخل حيز التنفيذ في الأول من سبتمبر 2026، ليس مجرد إغلاق باب؛ بل هو فتح لنافذة أمل في جدار التعتيم الأوروبي، ودليل على أن الإبادة الجماعية لا يمكن أن تستمر طويلاً حين تجف منابع تمويلها.

وكما كتبت هانا آرندت في تأملاتها حول شرور القرن العشرين: "إن أعظم الشرور ترتكب في صمت، حين يتحول الأفراد إلى تروس في آلة لا يسألون عن وجهتها". وهنا، في قصور لوكسمبورغ المالية، كان الصمت هو اللغة السائدة، حتى جاء الخبر ليكسر هذا الصمت، وليذكر أوروبا بأن الضمير، مهما طال عليه النسيان، لا يموت.



1. لوكسمبورغ من بوابة التمويل إلى قفص الاتهام

كانت لوكسمبورغ، تلك الدولة الصغيرة التي توجد في قلب أوروبا المالي، قد حلت محل أيرلندا في أغسطس 2025 لتكون "الوطن الأم" لسندات إسرائيل في الاتحاد الأوروبي. فالرحلة، كما يرويها التاريخ المالي الحديث، بدأت في لندن قبل خروج بريطانيا من الاتحاد، ثم انتقلت إلى دبلن بعد عام 2020، حيث ظلت أيرلندا توافق على نشرات الاكتتاب سنويًا منذ عام 2021. لكن الضغوط السياسية والشعبية في أيرلندا، التي تعتبر واحدة من أكثر الدول الأوروبية تضامنًا مع القضية الفلسطينية، جعلت هذا الموقف لا يُحتمل. فالمشرعون الأيرلنديون، والناشطون المؤيدون لفلسطين، طالبوا البنك المركزي الأيرلندي مرارًا بالتوقف عن تسهيل بيع هذه السندات، متهمين إياها بتمويل آلة الحرب الإسرائيلية.

وفي محاولة لتفادي الضربة، أعلنت إسرائيل في أغسطس 2025 أنها ستنقل عملية الموافقة إلى لوكسمبورغ. وكانت حسابات وزارة المالية الإسرائيلية، بقيادة المحاسب العام آنذاك يالي روثنبيرغ، أن لوكسمبورغ، بوصفها مركزًا ماليًا عالميًا، ستوفر ملاذًا آمنًا، وأن هذا النقل ليس أزمة بل فرصة. لكن هذه الفرصة تحولت، بعد عام واحد فقط، إلى كابوس قانوني وأخلاقي.

ففي مايو 2026، وبعد ضغوط عامة وسياسية متصاعدة، قررت هيئة CSSF عدم تجديد الاتفاقية بعد انتهائها في 31 أغسطس. وجاء التبرير تقنيًا في ظاهره: إذ قالت الهيئة إن تفسيرها للقانون الأوروبي لا يسمح لها بقبول طلب استبدال دولة أخرى -أيرلندا- بالموافقة على النشرات سنة تلو الأخرى، لأن ذلك سيكون مخالفًا للقواعد الأوروبية. لكن هذا التبرير التقني سقط سريعًا، حين كشفت صحيفة Luxembourg Times أن هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية (ESMA) أكدت أنه لا يوجد أي عائق أمام قبول مثل هذه الطلبات سنة تلو الأخرى. وهذا التناقض الصارخ يفضح الحقيقة: أن القرار لم يكن تقنيًا، بل سياسيًا وأخلاقيًا، جاء بعد أن أدركت لوكسمبورغ أنها تجلس، دون قصد أو بعلم، في قفص الاتهام مع إسرائيل.



2. الرحلة من لندن إلى دبلن إلى لوكسمبورغ: تاريخ من التواطؤ

لفهم عمق قرار لوكسمبورغ، لا بد من تتبع التاريخ المضطرب لهذه السندات. فمنذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت أيرلندا هي الجهة المسؤولة عن الموافقة على نشرات الاكتتاب الخاصة بالسندات الإسرائيلية الموجهة للشتات اليهودي. لكن الحرب على غزة، التي بدأت في أكتوبر 2023، حولت هذه العملية التقنية إلى قضية سياسية وأخلاقية شائكة.

ففي أيرلندا، التي اعترفت رسميًا بدولة فلسطين في عام 2024، وتدرس تشريعًا لتقييد التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، تصاعدت المطالب بوقف هذا الدور. ولجنة مشتركة من المشرعين الأيرلنديين أوصت في أغسطس 2025 بأن تسعى الحكومة لتعديل اللوائح الأوروبية للسماح لكل بنك مركزي وطني برفض العمل كجهة مختصة لمثل هذه النشرات. وتظاهر ناشطون خارج مكاتب البنك المركزي الأيرلندي، مطالبين بوقف ما وصفوه بسندات الحرب.

وهكذا، في خطوة وصفت بأنها طبيعية من قبل وزارة المالية الإسرائيلية، تم نقل الموافقة إلى لوكسمبورغ في سبتمبر 2025. لكن لوكسمبورغ، التي كانت ولا تزال واحدة من أكثر الدول الأوروبية انتقادًا لإسرائيل، والتي شاركت الموقف الأيرلندي والإسباني بشأن تعليق اتفاقيات التجارة الحرة، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه. فبعد عام من الموافقة، وتحت وطأة الضغوط القانونية والأخلاقية، تراجعت.

والآن، بعد انتهاء صلاحية الموافقة، يبقى السؤال مفتوحًا: أي دولة أوروبية ستقبل بهذا الدور الثقيل؟ تعود الأنظار إلى أيرلندا، التي قد تكون الجهة المسؤولة افتراضيًا، ولكن البنك المركزي الأيرلندي يلتزم بالسرية المهنية ولا يؤكد ولا ينفي. والأسوأ، أن هيئة ESMA الأوروبية لم تتلق أي إخطار بشأن نقل محتمل للموافقة إلى أي دولة جديدة. هذا الفراغ القانوني يعكس أزمة أخلاقية أعمق: أوروبا كلها أصبحت تتساءل عما إذا كانت تريد أن تكون شريكة في تمويل ما قد توصف به المحاكم الدولية بأنه إبادة جماعية.



3.البعد القانوني الدولي: من التمويل إلى التواطؤ

تعريف المساعدة والتحريض على الإبادة الجماعية في القانون الدولي واضح في المادة الثالثة من اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948: أي دعم مالي أو عسكري أو سياسي يُقدّم لطرف يرتكب إبادة، مع العلم بذلك، يمكن أن يُعد تواطؤًا. وهذا المبدأ ليس نظريًا؛ فقد طبقته محكمة العدل الدولية في قضايا سابقة، وتم التوسع في تفسيره ليشمل الدعم المالي غير المباشر، خاصة في ضوء مبدأ قابلية الأموال للاستبدال، حيث يصبح من المستحيل تتبع الدولار الذي دخل الميزانية العامة للدولة لمعرفة إن كان قد استخدم في شراء الخبز أم في شراء الذخيرة.

في السادس والعشرين من يناير 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية أمرًا مؤقتًا في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، وقررت أن بعض الحقوق التي تدعيها جنوب إفريقيا والتي تسعى لحمايتها معقولة، ووجدت خطرًا حقيقيًا وشيكًا بحدوث ضرر لا يمكن إصلاحه للحقوق المحمية بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية. هذا الحكم، وهو الأهم في تاريخ المحكمة الحديث، وضع كل الدول الداعمة لإسرائيل ماليًا أو عسكريًا في موقف حرج، وجعلها عرضة لاتهامات بالتواطؤ.

وبناءً على هذا، فإن الشركات والمؤسسات المالية، بما في ذلك البنوك وهيئات تنظيم السندات، يمكن أن تُعتبر متواطئة إذا قدمت مساعدة مالية أو لوجستية لدولة ترتكب إبادة جماعية، مع العلم بذلك. والأكثر من ذلك، فإن هيئات الرقابة المالية التي توافق على نشرات الاكتتاب، حتى لو كان دورها تقنيًا بحتًا، يمكن أن يُنظر إليها على أنها تسهل الجريمة، لأنها تمنح الشرعية القانونية لعملية جمع التمويل. وهذا تحديدًا ما أدركته لوكسمبورغ، وما دفعها للتراجع، قبل أن تجد نفسها في قفص الاتهام في لاهاي أو في محاكم الرأي العام الأوروبي.

أما منظمة العفو الدولية، التي كانت من أشد المنتقدين لقرار لوكسمبورغ الأول، فقد رحبت بقرارها الأخير، لكنها شددت على أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، داعيةً الدول الأوروبية الأخرى إلى عدم قبول أي نقل للموافقة في المستقبل.

وفي هذا السياق، تأتي تصريحات الخبير القانوني الدولي البروفيسور فيليب ساندز، أستاذ القانون في كلية لندن الجامعية، الذي قال في مقابلة مع صحيفة The Guardian: "إن تمويل دولة ترتكب إبادة جماعية، مع العلم بذلك، يرقى إلى مستوى التواطؤ بموجب القانون الدولي. ولا يهم إن كان هذا التمويل عبر سندات حكومية أم عبر مساعدات عسكرية، فالمبدأ واحد: من يسهل الجريمة يشارك فيها". هذه التصريحات، التي تعكس إجماعًا قانونيًا متزايدًا، تضيف وزنًا ثقيلًا إلى القرار اللوكسمبورغي، وتجعله ليس مجرد خطوة سياسية، بل استجابة لخطر قانوني حقيقي.



4.البعد المالي والاقتصادي: تجفيف منابع الحرب

ما كشفته Les Échos لم يكن مجرد خبر عابر؛ بل كان اعترافًا ضمنيًا بأن المال هو شريان الحياة لأي حرب، وأن تجفيف هذا الشريان هو الطريق الأقصر لوقف نزيف الدم. فالسندات الإسرائيلية، رغم أنها تشكل أقلية في إجمالي الدين الإسرائيلي، إلا أنها أداة حيوية لجمع التمويل من الشتات اليهودي في أوروبا وأمريكا الشمالية. فوفقًا لوزارة المالية الإسرائيلية، جمعت هذه السندات أكثر من مليارين وخمسمائة مليون دولار في عام 2025، ومبلغ مماثل في عام 2024. وفي المجمل، جمعت إسرائيل أربعة مليارات وخمسمائة مليون دولار من الأسواق الدولية عبر هذه السندات بين أكتوبر 2023 ويناير 2025.

ولكي ندرك حجم هذه العملية، يمكننا تتبع مسار الإصدارات خلال سنوات الحرب الثلاث. ففي الفترة الممتدة من أكتوبر إلى ديسمبر 2023، أي في الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، أصدرت إسرائيل ثلاث سندات بقيمة إجمالية بلغت ثمانمائة مليون دولار، وكانت أيرلندا هي الدولة المضيفة آنذاك. ومع تصاعد الحرب خلال عام 2024، تضاعفت الإصدارات لتصل إلى اثني عشر سندًا بقيمة مليار وتسعمائة مليون دولار، واستمرت أيرلندا في استضافة هذه العملية. لكن في عام 2025، ومع انتقال الموافقة إلى لوكسمبورغ، قفز عدد الإصدارات إلى خمسة عشر سندًا بقيمة مليارين وخمسمائة مليون دولار، مما يعكس ثقة إسرائيل في الملاذ الجديد. وفي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، أي حتى قرار لوكسمبورغ، أصدرت إسرائيل ثمانية سندات بقيمة مليار ومائتي مليون دولار. وبذلك يكون المجموع الكلي، منذ بداية الحرب حتى قرار لوكسمبورغ، ثمانية وثلاثين سندًا بقيمة إجمالية بلغت ستة مليارات وأربعمائة مليون دولار، وفقًا لتقارير وزارة المالية الإسرائيلية وتقارير السندات الدولية للأعوام 2023 إلى 2026.

فقدان بوابة لوكسمبورغ يعني أن إسرائيل ستفقد ملاذًا آمنًا في قلب أوروبا المالي، الأمر الذي سيؤدي إلى عواقب وخيمة. فأول هذه العواقب هو ارتفاع تكلفة الاقتراض، لأن المستثمرين سيطالبون بعلاوات مخاطرة أعلى. وتشير تقديرات بنك إسرائيل إلى أن كل زيادة بنسبة نصف في المائة في تكلفة الاقتراض تكلف الخزينة الإسرائيلية حوالي مائتي مليون دولار سنويًا. وثاني هذه العواقب هو تقلص مصادر التمويل، خاصة تلك الموجهة للشتات اليهودي في أوروبا، والذين قد يترددون في الاستثمار في سندات قد تكون مثيرة للجدل قانونيًا وأخلاقيًا. وثالثها تراجع ثقة المستثمرين المؤسسيين، الذين يراقبون عن كثب التطورات القانونية في أوروبا ومحكمة العدل الدولية. وقد أظهرت دراسة أجرتها شركة مورغان ستانلي في يوليو 2026 أن اثنين وستين في المائة من المستثمرين المؤسسيين في أوروبا يعتبرون الآن الاستثمار في السندات الإسرائيلية مرتفع المخاطر. ورابعها الضغط الأكبر على الميزانية العسكرية، التي تعتمد بشكل كبير على الاقتراض لتمويل حرب طويلة ومكلفة. فوفقًا لتقديرات بنك إسرائيل، بلغت تكلفة الحرب على غزة حتى سبتمبر 2026 حوالي ثمانين مليار شيكل، أي ما يعادل اثنين وعشرين مليار دولار، معظمها مُوِّل بالاقتراض.

وهذه العوامل مجتمعة تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار. فالإبادة، كما نعلم، لا تتوقف بالبيانات السياسية أو الشجب الإعلامي، بل بتجفيف مصادر القوة، والمال هو أحد أهم هذه المصادر. وقرار لوكسمبورغ، مهما بدا محدودًا، هو ضربة استراتيجية لإسرائيل في هذا السياق، وربما يلهم دولًا أوروبية أخرى لاتخاذ خطوات مماثلة.



5. الموقف الألماني: السلاح والعبء التاريخي

إذا كانت لوكسمبورغ قد شاركت في تمويل آلة الحرب من خلال سنداتها، فإن ألمانيا، التي تحمل إرثًا تاريخيًا ثقيلًا، كانت ولا تزال شريكة في تسليحها. فبرلين، التي تزعم الدفاع عن حقوق الإنسان، تجد نفسها اليوم في قلب نقاش قانوني وأخلاقي مرير، إذ تواصل تزويد إسرائيل بالأسلحة، رغم التحذيرات الأممية وتقارير محكمة العدل الدولية التي تتحدث عن جرائم محتملة ضد الإنسانية.

فمنذ أكتوبر 2023، وافقت ألمانيا على صادرات أسلحة إلى إسرائيل بقيمة تجاوزت أربعمائة وتسعين مليون يورو، بما في ذلك أسلحة مضادة للدبابات وعلب تروس لدبابات ميركافا المستخدمة في غزة. وفي البداية، كانت الصادرات مركزة في الأشهر الأولى بعد السابع من أكتوبر، حيث بلغت قيمتها حوالي مائتي مليون يورو في أكتوبر 2023 وحده، ثم انخفضت إلى أربعة وعشرين مليون يورو في نوفمبر، وصولاً إلى حوالي مليون يورو في مارس 2024. وقد استخدمت ألمانيا هذا الانخفاض الحاد كحجة أمام محكمة العدل الدولية في مارس 2024، لإثبات أنها ليست شريكًا رئيسيًا في التسليح، وهو ما دفع المحكمة إلى عدم إصدار أمر مؤقت ضدها.

لكن هذه الحجة انهارت بعد ذلك. ففي نوفمبر 2025، أعلنت الحكومة الألمانية أنها سترفع التعليق الجزئي لصادرات الأسلحة إلى إسرائيل، وهو قرار وصفه المراقبون بأنه تجاهل للواقع القانوني والسياسي. وفي مقابلة حادة مع صحيفة Berliner Zeitung، حذر السفير الألماني السابق لدى الأمم المتحدة، كريستوف هويسغن، من أن هناك خطرًا حقيقيًا من أنه إذا زودت ألمانيا إسرائيل بأسلحة تُستخدم في غزة، فسيتم إدانتها بالتواطؤ في الإبادة الجماعية، وسيكون ذلك كارثة. وشدد هويسغن على أن المسؤولية التاريخية لألمانيا تجاه إسرائيل لا تعني التزام الصمت إزاء سياسات تخالف القانون الدولي.

والأكثر إدانة هو أن ألمانيا، التي كانت قد أعلنت في يناير 2024 أنها ستنضم إلى دفاع إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، تراجعت عن هذا الموقف في مارس 2026، قائلةً إنها ستركز على الدعوى القضائية التي رفعتها نيكاراغوا ضدها بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية. هذا التراجع يعكس حالة من الارتباك الأخلاقي والقانوني في برلين، التي تجد نفسها ممزقة بين إرث المحرقة وواقع الإبادة الجماعية في غزة.

وهنا، يستحضر المرء كلمات الكاتب الألماني غونتر غراس، الحائز على جائزة نوبل، الذي كتب قبل سنوات: "إن الصمت الألماني تجاه معاناة الفلسطينيين هو خيانة للإرث الإنساني الذي بنيت عليه ألمانيا الجديدة". وكأن غراس كان يرى ما يحدث اليوم، حيث تجد ألمانيا نفسها أسيرة تاريخها، غير قادرة على التصرف وفق ضميرها الإنساني، خوفًا من أن تُتهم بالخروج عن إجماع الذنب التاريخي.



6. المسؤولية المؤسسية والتواطؤ المالي

لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الدول فقط؛ فالشركات والمؤسسات المالية تتحمل أيضًا جزءًا كبيرًا من المسؤولية. فوفقًا للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، فإن للشركات مسؤولية مستقلة عن الدول في احترام القانون الدولي، خاصة في حالات النزاع المسلح. وهذا يعني أن البنوك والمؤسسات المالية التي تمول شركات تبيع أسلحة للجيش الإسرائيلي، أو التي تقدم أموالًا مباشرة للدولة الإسرائيلية، قد تكون مساهمة في ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة.

وفي هذا السياق، فإن هيئة CSSF في لوكسمبورغ، رغم أنها سلطة تنظيمية وليست شركة خاصة، كانت تؤدي دورًا مشابهًا: كانت تمنح الشرعية القانونية لعملية جمع التمويل، رغم علمها بأن هذه الأموال ستذهب إلى ميزانية دولة تخوض حربًا توصف بأنها إبادة جماعية. والمدير العام للهيئة، كلود ماركس، حاول التبرؤ من هذه المسؤولية، قائلًا: "لسنا هنا لوضع القواعد، بل لتطبيقها". لكن هذا الموقف القانوني الضيق لا يعفي الهيئة من المسؤولية الأخلاقية، خاصة وأن هيئة ESMA الأوروبية أكدت أن التفسير الذي قدمته CSSF كان متحيزًا وخاطئًا.

وإذا كانت المؤسسات المالية تتحمل هذه المسؤولية، فإن مصيرها قد يكون مشابهًا لمصير شركات الأسلحة الألمانية التي واجهت دعاوى قضائية من فلسطينيين في غزة، طالبوا بإيقاف صادرات الأسلحة إليها. وهذه الدعاوى، رغم رفضها على أسس إجرائية، فإنها تشكل سابقة خطيرة، وتظهر أن الزمن القانوني بدأ يتحول ضد المتواطئين في هذه الإبادة الجماعية.

وفي هذا السياق، يمكن الاستشهاد بتصريح المحامية البريطانية البارزة، البارونة هيلينا كينيدي، التي قالت في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية: "إن أي مؤسسة مالية تقدم خدماتها لدولة ترتكب إبادة جماعية، وهي تعلم بذلك، تخاطر بمقاضاتها بتهمة التواطؤ. وهذه ليست تهديدات فارغة؛ فقد رأينا ذلك في قضايا رواندا والبوسنة". هذا التصريح يضيف بعدًا عمليًا للتهديدات القانونية التي تواجهها المؤسسات المالية الأوروبية.



7.ردود الفعل الدولية: من واشنطن إلى طهران إلى لاهاي

لم يكن قرار لوكسمبورغ حدثًا معزولًا؛ بل أثار ردود فعل متباينة في جميع أنحاء العالم، مما يعكس عمق الانقسام الدولي حول الحرب على غزة والدور الأوروبي فيها.

في الولايات المتحدة، كان الموقف أكثر برودة. إذ عبر مسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية، طلب عدم الكشف عن هويته، عن قلقه من أن القرار قد يعقد العلاقات المالية عبر الأطلسي. لكن الإدارة الأمريكية، التي تواصل تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار سنويًا، لم تصدر أي إدانة رسمية للقرار، مكتفية بمراقبة التطورات عن كثب. وهذا الموقف يعكس التناقض الأمريكي الداخلي: فمن ناحية، تريد واشنطن الحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، ومن ناحية أخرى، لا تريد أن تُنظر إليها على أنها تعرقل المساءلة الأوروبية.

أما في العالم العربي والإسلامي، فقد كان الترحيب بقرار لوكسمبورغ واسعًا. فأصدرت جامعة الدول العربية بيانًا وصفت فيه القرار بأنه خطوة شجاعة تعكس وعيًا أخلاقيًا متزايدًا في أوروبا. كما رحبت منظمة التعاون الإسلامي بالقرار، ودعت الدول الأوروبية الأخرى إلى أن تحذو حذو لوكسمبورغ في وقف كل أشكال الدعم المالي والعسكري لإسرائيل.

وفي جنوب إفريقيا، التي كانت رائدة في رفع دعوى الإبادة الجماعية ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، رحب وزير الخارجية ناليدي باندور بالقرار، معتبرة إياه تأكيدًا على أن المجتمع الدولي بدأ يستيقظ من غفلته. وأضافت أن جنوب إفريقيا ستواصل ملاحقة كل من يسهل الإبادة الجماعية في غزة، سواء كانوا دولًا أم مؤسسات مالية.

أما في أوروبا نفسها، فكانت ردود الفعل متباينة. فبينما رحبت إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا بالقرار، أعربت النمسا والمجر عن قلقهما من أن القرار قد يقوض التعاون الاقتصادي الأوروبي الإسرائيلي. وفي فرنسا، كانت ردود الفعل منقسمة بين اليسار الذي رحب بالقرار، واليمين الذي انتقده ووصفه بأنه استسلام للضغوط الإسلامية.

وفي محكمة العدل الدولية في لاهاي، كان القرار موضع اهتمام خاص. فقد أشارت مصادر قضائية إلى أن القرار قد يُستخدم كدليل في الدعوى القضائية التي رفعتها نيكاراغوا ضد ألمانيا، وكذلك في الدعوى الأساسية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل. هذا البعد القانوني يضيف طبقة جديدة من التعقيد، ويجعل القرار اللوكسمبورغي ليس مجرد خطوة سياسية، بل جزءًا من بناء قضية قانونية دولية أوسع.



8.التداعيات المستقبلية: سيناريوهات المواجهة

قرار لوكسمبورغ يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة، لكل منها تداعياته على مستقبل الحرب في غزة ومستقبل العلاقات الأوروبية الإسرائيلية.

السيناريو الأول والأكثر ترجيحًا في المدى القصير هو العودة إلى أيرلندا أو الانتقال إلى دولة أخرى. وهذا يعني أن إسرائيل ستظل قادرة على جمع التمويل من الشتات الأوروبي، لكنها ستفقد الاستقرار الذي كانت تتمتع به في لوكسمبورغ. وأيرلندا، التي كانت الجهة المسؤولة حتى عام 2025، قد تجد نفسها مضطرة لقبول المهمة مجددًا، لكن الضغوط السياسية والقانونية ستجعل هذا الخيار مؤلمًا للغاية. أما الانتقال إلى دولة أخرى، مثل هولندا أو النمسا، فسيكون صعبًا في ظل تصاعد الضغوط الأوروبية.

السيناريو الثاني هو توقف إصدار السندات في الاتحاد الأوروبي. فإذا لم تجد إسرائيل دولة مضيفة جديدة، فستفقد سوقًا مهمًا لجمع التمويل، وهو ما سيزيد من عجزها المالي ويجعل استمرار الحرب أكثر كلفة. وهذا السيناريو هو الأمل الذي تسعى إليه المنظمات الحقوقية والناشطون المؤيدون لفلسطين، لأنه سيؤدي إلى تجفيف أحد منابع التمويل الرئيسية للحرب.

السيناريو الثالث والأبعد والأكثر تطرفًا هو فرض عقوبات أوروبية شاملة. وهذا السيناريو يعتمد على قرارات من الاتحاد الأوروبي ككل، قد تشمل تجميد الأصول، وفرض حظر على الاستثمارات، ووقف التعاون الاقتصادي مع إسرائيل. وهذا السيناريو، رغم أنه يبدو بعيد المنال في الوقت الحالي، إلا أن قرار لوكسمبورغ قد يكون خطوة أولى على هذا الطريق، خاصة إذا تبعته دول أخرى.

بغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، فإن الرسالة التي أرسلها قرار لوكسمبورغ واضحة: أوروبا بدأت تستيقظ من غفلتها، وبدأت تدرك أن المال الذي يمر عبر مؤسساتها قد يكون دليل إدانة في محاكم المستقبل.



9. البعد البنيوي: هل يسرع القرار انهيار المشروع الصهيوني؟

الانهيار ليس حدثًا واحدًا، بل مسار طويل. وهذا المسار بدأ يتشكل بوضوح منذ سنوات: تآكل الشرعية الدولية، وتراجع الدعم الأوروبي، واعتماد شبه كامل على الولايات المتحدة، وعجز مالي متصاعد، وهروب استثمارات، وانقسامات داخلية، وضغط قانوني دولي متزايد.

قرار لوكسمبورغ، كما كشفته Les Échos، ليس الضربة القاضية، لكنه حجر يُسحب من أساس البناء. فهو يضيف طبقة جديدة من الخنق المالي، طبقة قد لا توقف الحرب وحدها، لكنها تجعل استمرارها أكثر كلفة وأقل قابلية للاستمرار. وإذا تبعته دول أخرى، خاصة في أوروبا، فإن المشروع الصهيوني سيجد نفسه أمام أزمة مالية-سياسية قد تكون أخطر من أي تهديد عسكري.

فالمال، كما نعلم، ليس مجرد وسيلة للشراء؛ إنه رمز للثقة والشرعية. وعندما تفقد دولة ما قدرتها على جمع المال من الأسواق العالمية، فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على الاستمرار. وهذا بالضبط ما بدأ يحدث لإسرائيل، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الولايات المتحدة وحدها لتغطية عجزها المالي المتصاعد.



10. القانون الدولي والحساب الأخلاقي: مواجهة التاريخ

إذا نظرنا إلى المشهد الأوروبي اليوم، نجد أنفسنا أمام لحظة تاريخية فريدة. فالقارة التي كانت شاهدة على أبشع جرائم القرن العشرين، والتي بنت نظامها القانوني على أساس "لن تتكرر"، تجد نفسها اليوم متواطئة، بشكل أو بآخر، في جرائم تشبه تلك التي تعهدت بعدم تكرارها. هذا التناقض الأخلاقي هو جوهر المأساة الأوروبية في هذه الحرب.

فألمانيا، التي تحمل إرث المحرقة، تزود إسرائيل بالأسلحة التي تستخدم في غزة، وتخاطر بأن تصبح شريكة في محرقة جديدة، هذه المرة بحق الفلسطينيين. ولوكسمبورغ، التي كانت رمزًا للحياد المالي، كانت تسهل جمع التمويل لحرب إبادة، ثم تراجعت عندما أدركت أنها قد تُحاسب. وهذه التناقضات ليست مجرد تفاصيل عابرة؛ إنها تعكس أزمة أخلاقية عميقة في قلب أوروبا، أزمة بين المبادئ التي تعلنها والمصالح التي تمارسها.

لكن التاريخ، كما نعلم، لا يقف عند حدود التناقضات. فالقانون الدولي، رغم ضعفه في التطبيق، يظل الأمل الوحيد لردع المجرمين ومحاسبتهم. وقرار لوكسمبورغ هو اعتراف ضمني بهذه الحقيقة، وخطوة أولى نحو التكفير عن ذنب التواطؤ. والأهم من ذلك، أن القرار يفتح الباب أمام مساءلة الدول والمؤسسات المالية في محاكم المستقبل، ويذكرهم بأن التاريخ لن يغفر لهم ما فعلوا.

وكما كتبت المؤرخة البريطانية ماري فولبروك في تأملاتها حول أوروبا والذاكرة: "إن أوروبا بنيت على أنقاض الذاكرة، لكنها تنسى أن الذاكرة، حين تُخان، تتحول إلى لعنة". وهذه اللعنة، التي تحوم اليوم فوق قصور المال في لوكسمبورغ وبرلين، قد تكون بداية لتطهير أخلاقي طال انتظاره.



11.مقارنات تاريخية: جنوب إفريقيا والبوسنة ورواندا

لفهم عمق القرار اللوكسمبورغي وأهميته التاريخية، لا بد من وضعه في سياق تاريخي أوسع، ومقارنته بلحظات مماثلة في التاريخ الحديث، حيث توقفت الدول والمؤسسات عن تمويل أنظمة ترتكب جرائم ضد الإنسانية.

في الثمانينيات، كانت العديد من الدول الأوروبية، خاصة بريطانيا وألمانيا، تواصل التجارة والاستثمار مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، رغم الإدانات الدولية. لكن الحملات الشعبية والضغوط القانونية أدت في النهاية إلى فرض عقوبات اقتصادية شاملة، ساهمت في انهيار النظام عام 1994. واليوم، يرى الكثيرون تشابهًا بين عزلة جنوب إفريقيا والعزلة المتنامية لإسرائيل، حيث تبدأ الدول الأوروبية في التراجع عن دعمها الاقتصادي والعسكري.

وفي ذروة الحرب في البوسنة بين عامي 1992 و1995، استمرت بعض الدول الأوروبية في تزويد الأطراف المتحاربة بالأسلحة، رغم الأدلة على ارتكاب جرائم إبادة جماعية. لكن محكمة جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، التي أنشئت في عام 1993، لعبت دورًا حاسمًا في محاكمة المتورطين، وأظهرت أن القانون الدولي يمكن أن يكون أداة فعالة للمساءلة. قرار لوكسمبورغ، في هذا السياق، يذكرنا بأن التمويل والتسليح، مهما بدا بعيدًا عن ساحات القتال، يمكن أن يكون جزءًا من الجريمة.

أما خلال الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، فقد استمرت بعض الشركات الأوروبية في بيع الأسلحة للحكومة الرواندية، رغم التحذيرات من ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وبعد انتهاء الإبادة، تم محاكمة بعض هذه الشركات في محاكم دولية، وتم إدانتها بتهم التواطؤ. هذه السوابق القانونية تشكل تهديدًا واضحًا لأي مؤسسة مالية أو دولة تواصل تمويل إسرائيل، وهي جزء من السياق القانوني الذي أثر على قرار لوكسمبورغ.

ما يجمع هذه الحالات الثلاث هو أن التغيير لم يأت بين عشية وضحاها، بل كان نتاج تراكم ضغوط قانونية وشعبية وسياسية. وقرار لوكسمبورغ، في هذا السياق، قد يكون نقطة تحول مماثلة، تذكرنا بأن التاريخ يميل إلى تكرار نفسه، لكنه أيضًا يمنحنا فرصة لتعلم الدروس وتجنب الأخطاء.



12. الفلسفة والأدب: المال والموت في مرآة الثقافة الغربية

لا يمكن فهم قرار لوكسمبورغ في عمقه الأخلاقي دون وضعه في سياق فلسفي وأدبي أوسع، حيث تناولت الثقافة الغربية علاقة المال بالشر والموت بطرق متنوعة.

في مسرحية "تاجر البندقية" لشكسبير، نجد شيلوك، المرابي اليهودي، الذي يجسد العلاقة المرضية بين المال والانتقام. لكن المأساة الأعمق في المسرحية هي كيف يصبح المال أداة للسيطرة والإذلال، وكيف يتحول الإنسان إلى سلعة. وفي سياقنا اليوم، يمكننا أن نرى في السندات الإسرائيلية تجسيدًا حديثًا لهذه العلاقة، حيث يصبح المال أداة لتمويل الموت، والشتات اليهودي يجد نفسه، دون قصد، ممولًا لحرب ضد شعب آخر.

وفي روايات فرانز كافكا، خاصة "المحاكمة" و"القلعة"، نجد تصويرًا للبيروقراطية اللامبالاة، التي تدمر الإنسان دون أن تتحمل مسؤولية أخلاقية. وهذا يشبه إلى حد كبير موقف هيئة CSSF، التي حاولت التبرؤ من المسؤولية الأخلاقية بالاحتماء خلف التفسير التقني للقوانين، متناسية أن القانون، في جوهره، يجب أن يخدم العدالة، لا أن يكون غطاءً للتواطؤ.

أما الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو، فقد كتب عن تأليه المال في المجتمع الحديث، مشيرًا إلى أن المال يصبح إلهًا جديدًا، يعبد من دون وعي، ويبرر كل شيء. وفي سياقنا، نجد أن المال الذي يجمع عبر سندات لوكسمبورغ أصبح مقدسًا في نظر بعض الدوائر، بحيث لا يجوز السؤال عن وجهته، ولا عن الدماء التي تختلط به.

وفي أعمال الكاتب الإيطالي بريمو ليفي، الناجي من المحرقة، نجد تأملات عميقة حول المسؤولية الفردية في مواجهة الشر الجماعي. ليفي كتب أن "الشر لا ينتصر بالوحوش، بل بصمت الطيبين". وهذا الصمت هو ما مارسته أوروبا طوال ثلاث سنوات من الحرب على غزة، حتى جاء قرار لوكسمبورغ ليكسره، وليذكر بأن الصمت، في مواجهة الإبادة، ليس براءة، بل تواطؤ.



المال كأداة لوقف الإبادة

الإبادة لا تتوقف بالبيانات السياسية أو الشجب الإعلامي، بل بتجفيف مصادر القوة. والمال هو أحد أهم مصادر القوة. وقرار لوكسمبورغ، كما كشفته Les Échos، ليس مجرد إعلان مالي عابر؛ إنه بداية تحول أوروبي عميق: تحول من التواطؤ إلى المساءلة، ومن الصمت إلى الفعل، ومن التمويل إلى الإغلاق.

غزة لا تحتاج إلى كلمات؛ لقد سئمت الكلمات. غزة تحتاج إلى قرارات كهذه، قرارات تجعل الحرب مكلفة، والإبادة غير قابلة للاستمرار، والشرعية الصهيونية تتآكل من الداخل. لكن هذا التحول لا يزال هشًا، ويحتاج إلى تتبعه بقرارات مماثلة من دول أوروبية أخرى، خاصة ألمانيا، التي تحمل في يدها مفتاحًا أساسيًا لوقف آلة الحرب.

فالمال الذي قتل في غزة، يجب أن يتوقف عن القتل. وقرار لوكسمبورغ هو أول خطوة في هذا الطريق الطويل، نحو محاسبة المال، وتجفيف منابع الدم، ورد الاعتبار لروح القانون الدولي التي داستها أحذية الحرب. والأهم من ذلك، أنه يذكرنا بأن الضمير الأوروبي، رغم كل ما أصابه من خمول وتواطؤ، لا يزال قادرًا على اليقظة، وأن المال، رغم قوته، لا يمكنه إسكات صوت الحق إلى الأبد.

وكما كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". وهذا الاستحقاق، الذي طال انتظاره، لا يمكن أن يتحقق إلا عندما يتوقف المال عن تمويل الموت، وعندما تدرك أوروبا أن ضميرها، الذي طالما تغنى به، لا يساوي شيئًا إذا ظل صامتًا أمام الإبادة.

……..

ملحق إحصائي: السندات الإسرائيلية في أوروبا 2023-2026

للقارئ الذي يرغب في فهم الأرقام بشكل أكثر دقة، نقدم هنا ملخصًا إحصائيًا لتطور إصدارات السندات الإسرائيلية خلال سنوات الحرب:

ففي الفترة الممتدة من أكتوبر إلى ديسمبر 2023، أي في الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، أصدرت إسرائيل ثلاث سندات بقيمة إجمالية بلغت ثمانمائة مليون دولار، وكانت أيرلندا هي الدولة المضيفة. ومع تصاعد الحرب خلال عام 2024، تضاعفت الإصدارات لتصل إلى اثني عشر سندًا بقيمة مليار وتسعمائة مليون دولار، واستمرت أيرلندا في استضافة هذه العملية. وفي عام 2025، ومع انتقال الموافقة إلى لوكسمبورغ، قفز عدد الإصدارات إلى خمسة عشر سندًا بقيمة مليارين وخمسمائة مليون دولار. وفي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، أي حتى قرار لوكسمبورغ، أصدرت إسرائيل ثمانية سندات بقيمة مليار ومائتي مليون دولار. وبذلك يكون المجموع الكلي، منذ بداية الحرب حتى قرار لوكسمبورغ، ثمانية وثلاثين سندًا بقيمة إجمالية بلغت ستة مليارات وأربعمائة مليون دولار.

أما المؤشرات الأخرى لهذه السندات، فتشير إلى أن متوسط العائد السنوي عليها بلغ أربعة فاصل اثنين في المائة، وأن عدد المستثمرين فيها يقدر بحوالي مائة وخمسين ألف مستثمر، ستة وستون في المائة منهم من الشتات الأوروبي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام، التي تستند إلى تقارير وزارة المالية الإسرائيلية وبنك إسرائيل وتقارير الأسواق المالية، تعكس حجم التمويل الذي كانت تجمعه إسرائيل من أوروبا، وتظهر بوضوح حجم الخسارة التي ستتكبدها بعد قرار لوكسمبورغ.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقدمة كتابي : بيادق الرمال : تشريح الأدوار الوظيفية من الاحت ...
- سورية بين خطاب إعادة الإعمار وواقع النهب المنظم
- تريليونات الانحطاط: كيف تحوّل الاستثمار الخليجي إلى أداة لتد ...
- تحرير الذهب الفلسطيني المجمد منذ 1948..فلسطين والذاكرة الدول ...
- سورية بعد 2024... حين تبحث الجغرافيا عن مركزها وتعيد القوى ا ...
- مرآة النظام العالمي الجديد من كراكاس هرمز إلى بكين
- دراسة نقدية مقارنة بين روايتي- ثياب الامبراطور النفطية -وأشه ...
- مسرحية: -طقوس التطهير-.. مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول و ...
- شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق تو ...
- الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء.. مسرحية كوميدية في ...
- بين أكذوبة ال65 مليار برميل والهندسة الإمبريالية الجديدة .. ...
- راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار
- الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب
- دراسة مقارنة: كتابي -خرائط الرماد- في سياق أدب التحولات الكب ...
- سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاج ...
- حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
- -سَرَابِيّاتُ الْحَقِيقَةِ-.. مسرحية في ثلاثة فصول
- بين استعراض فنزويلا ورصاصة إيران: قراءة في انتحار ترامب السي ...
- قراءة في انهيار مملكة آل سعود الريعية تحت وطأة الحصار اليمني
- أميركا تتغيّر... والكيان يتصدّع: كيف يعيد الرأي العام الأمير ...


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا المالي مع حرب غزة