أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب















المزيد.....

الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:28
المحور: الادب والفن
    


ليس مهاجرًا. ليس لاجئًا. ليس طالبًا للحماية. ليس رقمًا في إحصاءات الهجرة، ولا حالةً اجتماعيةً تُدرس في كراسات علم الاجتماع. الفلسطيني في الغرب هو ذاكرة تمشي على قدمين، جرح مفتوح يتنفس، سؤال أخلاقي لم تجرؤ أوروبا على الإجابة عنه منذ أن رسمت حدوده الأولى على ورق الاستعمار، ثم محته بدماء الوعود المنقوضة.

في مقهى صغير في باريس، في مكتب قانوني في لندن، في مختبر أكاديمي في بوسطن، يجلس الفلسطيني بيننا، يتحدث لغتنا، يرتدي ثيابنا، يستهلك ذات المنتجات الثقافية التي نستهلكها، لكنه — في الحقيقة — يعيش في قارة أخرى. قارة اسمها النكبة، اسمها الاحتلال، اسمها الذاكرة التي لا تموت، اسمها الطفل الذي يموت كل صباح في غزة بينما تغطي الصحف الغربية الخبر في زاوية نائية، ثم تنساه بحلول موعد الغداء.

هذا المقال ليس شكوى. ليس ندبة عاطفية تفيض على ورق. هو محاولة لفهم ظاهرة وجودية فريدة في تاريخ الهجرة الحديثة: كيف يمكن لإنسان أن يكون حاضرًا جسديًا في قلب الحضارة الغربية، وغائبًا وجوديًا في ذات اللحظة؟ كيف يمكن لسياسة أن تحوّل إنسانًا إلى رمز، ثم إلى شبح، ثم إلى سؤال مزعج لا يريد أحد سماع جوابه؟



الفلسطيني كذاكرة سياسية

في مؤلفاته الأساسية، وخصوصًا في "تغطية الإسلام" و"الاستشراق" و"بعد النكبة"، يصف إدوارد سعيد الفلسطيني بأنه "ذاكرة ممنوعة" داخل الخطاب الغربي. ليس لأنه يحمل هوية مختلفة، بل لأنه يحمل تاريخًا يفضح تناقضات الغرب ذاته.

الفلسطيني في الغرب لا يُقرأ كفرد. يُقرأ كقضية. كل فلسطيني هو اختصار لسردية كاملة: سردية النكبة، سردية التهجير، سردية حق العودة، سردية المقاومة، سردية الاستعمار الذي لم ينتهِ. وحين يحمل فردٌ كل هذا التاريخ الثقيل على كتفيه، يصبح وجوده اليومي — في الشارع، في العمل، في المدرسة — مجرد امتداد للمعركة السياسية، ليس لأنه يختار ذلك، بل لأن البنية الاجتماعية الغربية ترفض أن تمنحه رفاهية أن يكون "شخصًا عاديًا".

في لحظة تعريفية محورية، يكتب سعيد: "الفلسطيني هو الشخص الذي يُسأل دومًا: من أنت؟ وحين يجيب، لا يُصدَّق." هذه العبارة البسيطة تحمل في طياتها أبعادًا عميقة: الفلسطيني مضطر لتبرير وجوده، لتقديم وثائقه، لإعادة سرد تاريخه مرارًا وتكرارًا، وكأن وجوده ذاته يحتاج إلى إجازة دائمة من الآخر. هو الوحيد بين جميع المهاجرين الذي يُعامَل كـ شاهد إدانة على ما فعله الغرب، ثم يُعامَل كـ متهم لأنه يشهد.



العنف البنيوي — حين يصبح الصمت سلاحًا

العنف الذي يواجهه الفلسطيني في الغرب ليس عنفًا مباشرًا. ليس اعتداءً جسديًا بالضرورة، ولا تمييزًا عنصريًا صريحًا في الأغلب. إنه عنف بنيوي، وهو مفهوم في علم الاجتماع السياسي يشير إلى الأذى الذي تنتجه البنى والمؤسسات، وليس الأفعال الفردية. إنه العنف الذي يُمارس بالصمت، بالتجاهل، بالبيروقراطية، بالخطاب الحيادي الذي يتظاهر بالموضوعية بينما هو في الحقيقة موقف أخلاقي متخفي.

لنتأمل كيف يعمل هذا العنف:

· في الإعلام: الفلسطيني لا يظهر إلا في سياق "الصراع"، كطرف في نزاع، وليس كإنسان يعيش حياته. صورته محدودة بين "ضحية" و"مقاتل"، ولا مجال لوجوده ككاتب، كفنان، كعالم، كجار. هو ملف اجتماعي، وليس فاعلاً سياسيًا ثقافيًا.
· في الأكاديميا: الدراسات التي تتناول الفلسطيني غالبًا ما تُصنف ضمن "دراسات الصراع" أو "دراسات الشرق الأوسط"، ونادرًا ما تُدرج ضمن "الفلسفة السياسية" أو "نظريات العدالة" أو "دراسات ما بعد الاستعمار" رغم أنها الأقرب إليها. هو موضوع يُدرس، وليس ذاتًا تدرس.
· في شبكات النفوذ الثقافي: الموسيقي الفلسطيني، الروائي الفلسطيني، المخرج الفلسطيني، يواجهون صعوبات مضاعفة في الوصول إلى الجمهور الغربي، ليس بسبب ضعف موهبتهم، بل لأن هويتهم تُقرأ كـ "رسالة سياسية" أكثر من كونها "عملًا فنيًا". الجوائز الأدبية تمنح للروائي الفلسطيني بحذر، وكأن منحه جائزة هو موقف سياسي خطير.
· في الحياة اليومية: الفلسطيني يتحدث عن أسرته في غزة، فيضطر إلى اختصار معاناتهم في جملة عابرة، لأنه يعرف أن التفاصيل ستُحرج الآخرين، وستجعلهم يشعرون بالذنب، ثم بالانزعاج، ثم بالرغبة في تغيير الموضوع. يتعلم الفلسطيني في الغرب أن صمته هو ثمن قبوله الاجتماعي.

هذا العنف البنيوي لا يقتل الجسد، لكنه يقتل الوجود. يقتل القدرة على أن تكون كاملاً، دون أن تُختزل في هويتك. يقتل حقك في أن تكون عاديًا.



الانفصال الوجودي — حين يعيش الإنسان في زمنين

ما يصفه سعيد بـ "الانفصال الوجودي" ليس مجرد شعور نفسي، بل حالة واقعية يعيشها الفلسطيني في الغرب. إنها حالة العيش في زمنين متوازيين لا يلتقيان أبدًا، ولا يمكن لأحدهما أن يفسر الآخر.

زمن الفلسطيني هو زمن النكبة المتجددة: زمن القصف الذي لا يتوقف، زمن الأطفال الذين يُقتلون وهم نائمون، زمن البيوت التي تُهدم، زمن الأشجار التي تُقتلع، زمن المعابر المغلقة، زمن المستوطنات التي تنمو كفطر في الليل، زمن الذاكرة التي تُمنع من التدوين، زمن الجرح الذي يُفتح كل صباح على الهواء مباشرة.

زمن الغرب هو زمن آخر تمامًا: زمن ما بعد الحرب، زمن الديمقراطيات المستقرة، زمن النقاشات حول تغير المناخ والضرائب والسياسات الصحية، زمن الرفاه الذي يسمح لأبنائه بالسؤال عن معنى الحياة بعد أن ضمنوا أسبابها، زمن الذاكرة المنسية حيث لا أحد يتذكر حروب الأمس، زمن الخطاب الأخلاقي المجرد عن سياقه الاستعماري.

يعيش الفلسطيني في كلا الزمنين معًا. في الصباح، يقرأ خبرًا عن قصف مدرسة في غزة، ثم يذهب إلى عمله في مركز أبحاث أوروبي حيث يناقش زملاؤه نظرية العدالة عند جون رولز. وفي المساء، يتصل بعائلته في قطاع غزة ويسمع أصوات القصف في الخلفية بينما هو جالس في غرفة دافئة في ضواحي برلين. هذا التنافر الزمني ليس مجرد صعوبة نفسية؛ إنه تمزق وجودي، حالة من العيش في قارة داخل قارة، في زمن داخل زمن، في جسد هنا وروح هناك.

ولهذا السبب، حين يتحدث الفلسطيني عن وطنه، لا يتحدث عنه كحنين عابر، بل كـ حضور غائب، كغرفة يغادرها كل صباح ويعود إليها كل مساء، كحياة موازية لا يمكن التخلي عنها، لأن التخلي عنها يعني التخلي عن الذات نفسها.



غزة والعنف المباشر — مرآة مقلوبة

ما يحدث في غزة، في هذه اللحظة التاريخية التي يكتب فيها هذا المقال، هو عنف مباشر بأبهى صوره: قتل، قصف، حصار، تجويع، تهجير قسري، تدمير ممنهج للبنية التحتية وللحياة المدنية. إنه عنف يقتل الجسد، ويحطم العظام، ويمحو العائلات بأكملها من سجلات الأحوال المدنية.

لكن المدهش — والمخزي في آن — هو الطريقة التي يتعامل بها الخطاب الغربي مع هذا العنف المباشر. إذ نجد أن الفلسطيني في غزة يُعامَل كرقم في حصيلة القتلى، يُذكر في النشرة الإخبارية كخبر عابر، ثم يُطوى سريعًا، بينما الفلسطيني في الغرب يُعامَل كمتهم، كشخص يحتاج إلى "ضبط روايته" و"تعديل لهجته" و"عدم المبالغة" كي لا يُتهم بالتحيز.

إنها مرآة مقلوبة: في غزة، يُقتل الفلسطيني لأنه موجود. في الغرب، يُهمش الفلسطيني لأنه يتذكر. كلا الشكلين من العنف — المباشر والبنيوي — يعملان معًا لإنتاج واقع موحد: غياب الفلسطيني، سواء بالموت الجسدي أو بالموت الرمزي.

والفلسطيني الذي يعيش بين العالمين يرى الإبادة في غزة بعينيه، ويرى التهميش في أوروبا بجلده، فيشعر بأنه محاصر بين شكلين من العنف: عنف يدمّر الحياة، وعنف يدمّر المعنى. والأخطر أن الثاني يُمارس باسم "الحياد" و"الموضوعية" و"الحفاظ على الحوار"، وكأن هذه المسميات تبرر الصمت على الفظائع.



الفلسطيني كمرآة أخلاقية للغرب

هنا يبرز الدور الأكثر إزعاجًا للفلسطيني في الغرب: ليس دوره كضحية، ولا دوره كمقاوم، بل دوره كمرآة تعكس للغرب صورته الحقيقية، صورته التي لا يريد رؤيتها.

فالغرب المؤسساتي — أوروبا وأمريكا — يبني هويته الأخلاقية على ثلاث ركائز أساسية: حقوق الإنسان، الديمقراطية، سيادة القانون. وهذه الركائز هي ما يمنحه شرعيته الدولية، وما يبرر تدخلاته، وما يجعله نموذجًا يُحتذى به في العالم.

لكن وجود الفلسطيني، حاملًا جرحه وتاريخه، يطرح على الغرب سؤالًا واحدًا لا مفر منه: كيف يمكن لمجتمع يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان أن يتجاهل معاناة شعب بأكمله، بل وأن يدعم من يسحق هذه المعاناة باسم "الدفاع عن الذات"؟

هذا السؤال لا يملك الغرب جوابًا عليه، لذلك يلجأ إلى آليات دفاعية معروفة:

· الصمت: لا تتحدث عن فلسطين، اجعلها "قضية حساسة"، تجنب النقاش.
· التهميش: اختصر الفلسطيني في هويته السياسية، اجعله "طرفًا في نزاع" وليس إنسانًا له حقوق.
· تحويل الضحية إلى جلاد: استخدم خطاب "ال Terror" و"العدوان" لقلب المعادلة، اجعل من يُقتل هو المعتدي، ومن يُهجر هو المعتدي، ومن يُحاصر هو المعتدي.
· التاريخ المُعاد كتابته: امسح النكبة من الذاكرة، تحدث عن 1948 كـ "حرب استقلال"، وليس كـ "تطهير عرقي" كما يصفه المؤرخون الإسرائيليون الجدد أنفسهم.

كل هذه الآليات هي محاولات لتجنب مواجهة الذات. فالفلسطيني ليس مجرد إنسان يعاني؛ إنه تذكير أخلاقي بالتناقض بين الخطاب والممارسة، بين القيم المعلنة والسياسات المطبقة، بين إعلان حقوق الإنسان وبيع الأسلحة لمن يقتلونهم.



نحو نظرية للانفصال الوجودي

في سياق هذا التحليل، يمكننا صياغة إطار نظري جديد لفهم تجربة الفلسطيني في الغرب، أسميه "نظرية الانفصال الوجودي"، وهي تقوم على ثلاثة محاور متشابكة:

المحور الأول: الفلسطيني كذاكرة سياسية حية
ليست الذاكرة هنا مجرد استرجاع للماضي، بل هي بنية للوجود في الحاضر. الفلسطيني لا يتذكر النكبة كحدث مضى، بل يعيشها كجرح مفتوح يتشكل فيه وعيه اليومي. ذاكرته ليست "خلفية ثقافية" تزيينية، بل هي العدسة التي يرى بها العالم، وهي ما يجعله مختلفًا عن أي مهاجر آخر، لأن ما يحمله ليس مجرد تراث، بل قضية لم تُحل.

المحور الثاني: العنف البنيوي كآلية لإلغاء الوجود
العنف الذي يواجهه الفلسطيني لا يهدف إلى قتله، بل إلى جعل وجوده بلا معنى. من خلال التهميش، والإسكات، والاختزال، واللامبالاة، تُنتج البنى الغربية واقعًا يجعل الفلسطيني يشعر بأنه "زائد عن الحاجة"، وأن صوته ليس مهمًا، وأن روايته غير مرغوب فيها. هذا العنف يعمل بهدوء، في غياب القانون، في تفاصيل الحياة اليومية، في طرق النظر، في نبرات الصوت، في التوقيتات، في أولويات التمويل والإعلام.

المحور الثالث: العيش في زمنين لا يلتقيان
الانفصال الوجودي ليس مجرد شعور، بل واقع زمني يُعاش يوميًا. الفلسطيني في الغرب يعيش في زمنين متوازيين: زمن العنف المستمر في وطنه، وزمن الاستقرار الظاهر في مكان إقامته. هذان الزمنان لا يمكن التوفيق بينهما، ولا يمكن إخضاع أحدهما لمنطق الآخر. هذا التنافر الزمني يُنتج حالة من الاغتراب المتضاعف: اغتراب عن المكان الذي يعيش فيه لأنه لا يفهم همومه، واغتراب عن المكان الذي يأتي منه لأنه لا يستطيع العودة إليه. إنه المنفى داخل المنفى.

يمكن لهذا الإطار النظري أن يُستخدم في حقول متعددة: في العلوم السياسية لفهم العلاقة بين الشتات والدولة، في علم الاجتماع لدراسة أشكال الإقصاء غير المباشرة، في الفلسفة السياسية لتحليل التناقض بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية، وفي دراسات ما بعد الاستعمار لتوسيع مفهوم العنف ليشمل الأبعاد الوجودية.



الفلسطيني كفاعل لا كحالة

من الأخطاء الأكثر شيوعًا في الخطاب الغربي حول الفلسطيني هو اختزاله إلى "حالة اجتماعية"، موضوع للدراسة والتحليل والتصنيف، بدلًا من اعتباره فاعلًا سياسيًا وثقافيًا له وكالته وإرادته وصوته.

هذا الاختزال ليس مجرد خطأ أكاديمي، بل هو امتداد للعنف البنيوي ذاته. فحين يُنظر إلى الفلسطيني كـ "ضحية" فقط، يُسحب منه حق التعبير عن نفسه، وحق تحديد أجندته، وحق تمثيل نفسه. يصبح بحاجة إلى "وسيط" غربي ليترجم معاناته، وإلى "خبير" ليوثقها، وإلى "صحفي" ليرويها. يُحرم من سلطة الرواية، أي من القدرة على أن يكون هو مصدر الحقيقة حول واقعه.

إعادة الاعتبار للفلسطيني كفاعل تعني:

· الاعتراف بذاكرته السياسية كمصدر معرفي مشروع.
· إدراج صوته في النقاشات الأكاديمية والإعلامية كمتساوٍ، وليس كمادة للتحليل.
· فهم مقاومته — بكل أشكالها — ضمن سياقها التاريخي، وليس كعنف خارج السياق.
· الاعتراف بحقه في أن يكون عاديًا، أي في أن يعيش حياته دون أن يُسأل دومًا عن وطنه، دون أن يُطلب منه أن يبرر وجوده، دون أن يُحول إلى رمز كلما دخل غرفة.

الفلسطيني القوي هو الذي يستطيع أن يقول: "أنا هنا، وهذا تاريخي، وهذا ألمي، وهذا أملي، ولست بحاجة إلى إذن منك لأكون موجودًا."



صرخة في جدار الصمت الغربي

إذا كان هذا المقال يوجّه أي نداء، فهو ليس نداءً عاطفيًا، بل نداءً عقلانيًا إلى النخب الغربية المثقفة، إلى الأكاديميين، إلى الصحفيين، إلى صناع القرار، وإلى المواطن العادي الذي لا يزال يؤمن بالقيم التي يعلنها مجتمعه.

النداء بسيط: لا يمكنكم الاستمرار في تجاهل التناقض بين ما تقولونه وما تفعلونه.

لا يمكنكم التحدث عن حقوق الإنسان وتغضون الطرف عن إبادة تُرتكب أمام أعينكم.
لا يمكنكم التحدث عن الديمقراطية وتدعمون نظامًا يحرم الملايين من حق التصويت والمواطنة على أساس دينهم.
لا يمكنكم التحدث عن سيادة القانون وتتبررون لانتهاك كل قرارات الشرعية الدولية حول فلسطين.
لا يمكنكم التحدث عن حرية التعبير وتُمارسون إسكاتًا منهجيًا لمن يتحدثون عن فلسطين في جامعاتكم ومنابركم الإعلامية.

الفلسطيني في الغرب ليس مشكلتكم؛ هو فرصتكم لاستعادة صدقيتكم الأخلاقية. هو المرآة التي تريكم وجوهكم الحقيقية. يمكنكم كسر المرآة، أو يمكنكم النظر فيها بجرأة وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

لكن تذكروا: التاريخ لا يغفر. والأجيال القادمة ستسأل: أين كنتم حين كان الأطفال يُقتلون في غزة؟ وماذا فعلتم حين كان الفلسطيني في مدنكم يُهمش ويُسكت ويُحرم من صوته؟



فلسطين ليست قضية، فلسطين إنسان

أكثر ما يُسيء إليه الخطاب الغربي حول فلسطين هو تحويلها إلى قضية، إلى ملف، إلى مشكلة سياسية تحتاج إلى حل. فلسطين ليست قضية؛ فلسطين إنسان. إنسان يحلم، يضحك، يحب، يكتب، يغني، يمرض، يتعافى، يموت، ويُولد من جديد كل صباح رغم كل شيء.

الفلسطيني في الغرب يحمل في جعبته كل هذا الإنسانية. يحمل غزة في عينيه، والقدس في قلبه، ويافا في ذاكرته، وحيفا في أحلامه. يحمل جدته التي روت له حكايات عن برتقال يافا، وأمه التي تحدثه عن بيوتها التي هدمت، وأبيه الذي لا يزال يحمل مفتاح منزل لم يره منذ 1948.

إن إنسانية الفلسطيني هي سلاحه الوحيد في مواجهة العنف البنيوي. هي قدرته على الاستمرار في الوجود رغم كل محاولات الإلغاء. هي قدرته على الكتابة، على الغناء، على الضحك، على الأمل، رغم كل الجراح.

وإنسانية الفلسطيني هي أيضًا اتهامٌ للضمير الغربي، لأنها تذكيره بأنه حين يتجاهل فلسطينيًا واحدًا، فهو يتجاهل إنسانية نفسه.

الفلسطيني ليس غريبًا في الغرب. الغرب هو الذي صار غريبًا عن قيمه حين خان الفلسطيني. والطريق الوحيد لعودة الغرب إلى نفسه هو الاعتراف بأن فلسطين ليست مشكلة الآخر؛ فلسطين هي مرآته، واختبار أخلاقي لا يمكن تجاوزه دون خسارة الذات.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة مقارنة: كتابي -خرائط الرماد- في سياق أدب التحولات الكب ...
- سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاج ...
- حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
- -سَرَابِيّاتُ الْحَقِيقَةِ-.. مسرحية في ثلاثة فصول
- بين استعراض فنزويلا ورصاصة إيران: قراءة في انتحار ترامب السي ...
- قراءة في انهيار مملكة آل سعود الريعية تحت وطأة الحصار اليمني
- أميركا تتغيّر... والكيان يتصدّع: كيف يعيد الرأي العام الأمير ...
- محور المقاومة كقوة عظمى صاعدة : عندما تحدد المضائق شكل الاقت ...
- دراسة مقارنة في جرائم النظام وسيرورة الفساد في روايتي البولي ...
- كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي
- تركيا بين الأرقام اللامعة والواقع المتآكل .. قراءة تنموية في ...
- دمشق... مدينة تتداعى على وقع انهيار السلطة الانتقالية
- الأمان الوجودي… الدواء الذي يُقلّص الأمراض ويُنعش ميزانيات ا ...
- بيت شيمش: الانفجار الذي لم يُعلن
- سيمفونية الانهيار الساخرة: دليل المبتدئين لصناعة -خبر- عن إي ...
- دراسة مقارنة: كتابي (الإمبراطورية على شفا الهاوية) في سياق ا ...
- سيناريو بايدن يتكرر.. ترامب أكثر عداءً لروسيا وأوفى للوبي ال ...
- لماذا يخشى الغرب الاستعماري الاعتراف بصعود عالم جديد؟
- تمهيد رواية : اعترافات راوٍ ساخر في زمن النيوليبرالية
- -الغاز الأخير، أو كوميديا الأنابيب المتفجرة-.. تراجيكوميديا ...


المزيد.....




- مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين ...
- مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
- تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل ...
- أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب ...
- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...
- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب