أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي














المزيد.....

كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 18:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في مستشفى خوان مانويل ماركيز للأطفال في هافانا، تقف الدكتورة أليسيا سيدينو، رئيسة وحدة العناية المركزة، أمام أجهزة الإنعاش التي تعتمد على الكهرباء لتبقي الأطفال الخدج على قيد الحياة. تقول: "الألواح الشمسية التي تلقيناها هي ضمانة أنه حين ينقطع التيار الكهربائي - ونحن نعلم أنه سينقطع - فإن أجهزة التنفس الصناعي ومضخات التسريب وأجهزة المراقبة ستظل تعمل" .

هذا المشهد اليومي المتكرر يختصر قصة كوبا المعاصرة: دولة صغيرة، محاصرة منذ ستة عقود، تواجه إجراءات عقابية جماعية من أقوى قوة في العالم، ورغم ذلك تمسك بمنجزاتها الاجتماعية التي جعلت مواطنها الأكثر تعليماً وصحة في نصف الكرة الغربي.

بناء الإنسان: إرث ثوري لا يُقهر

قبل عام 1959، كانت كوبا تعاني من تفاوت صحي وتعليمي صارخ، حيث تركزت الخدمات في العاصمة وحُرِم منها سكان الريف. مع انتصار الثورة، واجهت الحكومة الثورية نزيفاً حاداً في الكوادر الطبية، حيث هاجر قرابة نصف الأطباء البالغ عددهم 6300 طبيب. ورغم ذلك، شرعت الدولة في بناء نظام صحي وتعليمي مجاني شامل، جعل من الصحة حقاً أساسياً لا يتوقف على القدرة المالية .

اليوم، تنفق كوبا 24% من ميزانيتها على الصحة العامة، ويبلغ عدد الأطباء 9 أطباء لكل 1000 نسمة، متفوقة بذلك على معظم الدول المتقدمة . نظامها الصحي مبني على مبدأ الوقاية، مع عيادات أسرية تغطي كل حي، حيث يقيم الطبيب في قلب المجتمع الذي يخدمه .

التعليم أيضاً مجاني بالكامل، من الروضة إلى الجامعة، مما جعل كوبا تحتل مراتب متقدمة في مؤشرات محو الأمية والتحصيل العلمي في أميركا اللاتينية . هذه الإنجازات لم تكن مجرد إحصائيات، بل كانت تعني أن الكوبي العادي يعيش حياة كريمة، خالية من القلق الوجودي الذي يثقل كاهل الملايين في دول أخرى، حيث يرتبط الحصول على الخدمات الأساسية بالقدرة على الدفع.

الحصار الفاشي: عقاب جماعي تحت ستار السياسة

في تناقض صارخ مع هذا النموذج الإنساني، يشن النظام الأمريكي حرباً اقتصادية متصاعدة على كوبا، بلغت ذروتها في يناير 2026 بقرار إدارة ترامب منع دخول النفط إلى الجزيرة، تحت طائلة فرض رسوم جمركية على أي دولة تزوّدها بالطاقة . هذا القرار، الذي وصفه نائب وزير الصحة الكوبي خوليو غيرا إيزكيدو بأنه "إبادة جماعية"، حوّل حياة الكوبيين إلى جحيم يومي .

تتجاوز تداعيات الحصار المجال الاقتصادي إلى إبادة بطيئة للفئات الأكثر ضعفاً:

· ارتفاع وفيات الرضع بنسبة 148%، من 4.0 إلى 9.9 لكل 1000 مولود حي بين 2018 و2025، مع تشديد العقوبات .
· انخفاض معدل بقاء أطفال السرطان من 85% إلى 65% .
· أكثر من 100,000 مريض في قوائم انتظار العمليات الجراحية، بينهم 12,000 طفل .
· نقص في 364 دواءً من قائمة الأدوية الأساسية، أي ما يزيد عن 50% .
· انقطاع الكهرباء لأكثر من 20 ساعة يومياً في بعض المناطق، مما يهدد سلسلة تبريد الأدوية واللقاحات، ويعطل عمل أجهزة غسيل الكلى والإنعاش .

الهدف الحقيقي: تدمير نموذج ليحل محله نظام العميل

ما يفعله النظام الأمريكي في كوبا ليس مجرد ضغط سياسي، بل هو محاولة ممنهجة لتدمير نموذج مجتمعي بديل، وإعادة البلاد إلى عهد ما قبل الثورة، حيث كانت كوبا "كرخانة لميامي"، موبوءة بالفقر والمرض والأمية، تابعة لإرادة واشنطن.

الحصار يهدف إلى إحباط الشعب الكوبي، وإجباره على التخلي عن نظامه الاجتماعي الذي يضمن له التعليم والصحة والسكن، ليقبل بنظام يجعل الخدمات الأساسية سلعاً تباع و تشترى. لكن الشعب الكوبي، المتعلم والمدرك لحقوقه، يرفض هذا المصير.

تقول ماريسا تشاكون، العاملة في قطاع التعليم، لوكالة شينخوا: "لا يهم ما يريد أن يسلبنا إياه (ترامب)، ليأخذ ما يشاء، فنحن سنبقى هنا" . وتضيف جورجينا فاسكيز، بطلة رياضية سابقة وطبيبة متقاعدة: "إنها سياسة إجرامية... يظنون أن المتضرر هو الحكومة، ولكن المتضرر هو الشعب، هم الأكثر ضعفاً" .

الأمان الوجودي: سلاح المقاومة

في مواجهة هذا العدوان، يتمسك الكوبيون بمنجزات ثورتهم. نظامهم الصحي والتعليمي، رغم معاناته من نقص حاد في الموارد، لا يزال صامداً، لأنه ليس مجرد مؤسسات، بل هو عقد اجتماعي يضمن لكل مواطن كرامته.

هذا الأمان الوجودي هو ما يحمي الكوبيين من الانهيار. إنه نفس المبدأ الذي انادي به في مقالاتي : منح الإنسان حداً أدنى من الاستقرار المادي والمعنوي يحرره من الخوف، ويسمح له بالإبداع والمقاومة. ما تفعله كوبا اليوم، رغم كل الصعاب، هو إثبات أن الأمان الوجودي ليس رفاهية، بل هو حق أساسي، وأن تدميره ليس سياسة، بل جريمة ضد الإنسانية.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تركيا بين الأرقام اللامعة والواقع المتآكل .. قراءة تنموية في ...
- دمشق... مدينة تتداعى على وقع انهيار السلطة الانتقالية
- الأمان الوجودي… الدواء الذي يُقلّص الأمراض ويُنعش ميزانيات ا ...
- بيت شيمش: الانفجار الذي لم يُعلن
- سيمفونية الانهيار الساخرة: دليل المبتدئين لصناعة -خبر- عن إي ...
- دراسة مقارنة: كتابي (الإمبراطورية على شفا الهاوية) في سياق ا ...
- سيناريو بايدن يتكرر.. ترامب أكثر عداءً لروسيا وأوفى للوبي ال ...
- لماذا يخشى الغرب الاستعماري الاعتراف بصعود عالم جديد؟
- تمهيد رواية : اعترافات راوٍ ساخر في زمن النيوليبرالية
- -الغاز الأخير، أو كوميديا الأنابيب المتفجرة-.. تراجيكوميديا ...
- دراسة مقارنة: روايتي «ذاكرة الفوتون الأخير» في سياق الخيال ا ...
- من سمير أمين إلى مدرستي تسينغهوا ورينمين.. الانتقال من نقد ا ...
- تحوّلات الطاقة بين البحر والبرّ: إعادة تشكيل ميزان القوى الع ...
- حين تتحدث الحقائق الاقتصادية: قراءة في سردية الانهيار الإيرا ...
- الفروق البنيوية بين اليمين الحاكم و المتطرف، واليسار في فرنس ...
- المغناطيس الصيني والطاقة الأبدية: كيف غيّرت الصين قواعد الحض ...
- مسرحية -أوهام على شاطئ بونتوس-.... تراجيكوميديا في ثلاثة فصو ...
- قاعدة العديد ... أو كواليس توزيع البضاعة الفاسدة- مسرحية كوم ...
- مذكرات كاتب في بلاد الرمال الذهبية- رواية ساخرة
- مسرحية: رقعة شطرنج مكسورة .. مهزلة جيوسياسية في ستة مشاهد


المزيد.....




- صدفة تفك خيوط الجريمة.. كيف أدين 3 محامين في صفقة بيع قصر ال ...
- البنتاغون يشتري صواريخ SM-6 متعددة المهام بقيمة 24 مليار دول ...
- بوليتيكو: امتعاض لدى الناتو من تهديد مفوض أوروبي لروسيا
- احتجاز نحو ألفي طالب مع اتساع نطاق الاحتجاجات المدرسية في فر ...
- الجيش الأمريكي يستعد لنشر تعزيزات بحرية في الشرق الأوسط تحسب ...
- الرياض وواشنطن تبحثان تعزيز الشراكة الدفاعية والأمن الإقليمي ...
- العلاقات الإثيوبية الإريترية.. تسلسل زمني من المحطات والمطبا ...
- عاجل | واشنطن بوست عن مسؤولين أمريكيين: الجيش يخطط لتعزيز ال ...
- مشادة بين فيدان وممثل إسرائيل في مجلس السلام خلال اجتماع بني ...
- تضارب المصالح.. استثمارات كوشنر في شركات تصنيع أسلحة إسرائيل ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي