|
|
سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاجتماعي عبر المرأة؟
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 17:46
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في جغرافية الحراك الصامت
ليست سورية اليوم مجرد بقعةٍ على خريطة الشرق الأوسط تتقلب بين أطوار الحرب والسلم، ولا هي دولةٌ منهكة تئن تحت وطأة دماءٍ سالت لعقدٍ من الزمان. إنها، في الحقيقة، مسرحٌ حيٌ لتجربةٍ اجتماعيةٍ معقدة، تمتد جذورها إلى ما وراء الأفق المحلي، وتتغذى من رحم مشاريعَ دوليةٍ تُدار من غرفٍ بعيدة في لندن وواشنطن والدوحة وأبوظبي. ففي اللحظة التي تبدو فيها الجغرافيا السورية ساكنة، تتحرك تحت السطح قوىٌ تعيد صياغة العقل الجمعي، ليس عبر المدافع، بل عبر البوابة الأكثر حساسية في أي مجتمع: المرأة.
إن الحديث عن "الهندسة الاجتماعية" ليس من قبيل النظريات المؤامراتية الرخيصة، بل هو قراءةٌ في بنية الصراع المعاصر، حيث تحولت الحروب من مواجهاتٍ عسكريةٍ تقليدية إلى معاركَ ناعمةٍ تهدف إلى تفكيك النسيج الثقافي قبل تفكيك الحجر. ولعل سورية، بتاريخها الممتد وهوياتها المتعددة، أصبحت مختبراً لهذا النوع من الحروب، حيث تُختبر أدواتُ النفوذ الغربية في أقسى ظروفها، لتُصدّر بعد ذلك إلى بقاعٍ أخرى من العالم العربي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن للقوى الغربية، وحلفائها في المحميات الخليجية، أن تعيد تشكيل مجتمعٍ بأكمله عبر بوابة المرأة، وذلك قبل أن تدرك النخب السورية والعربية طبيعة اللعبة التي تُلعب على أرضها؟
أولاً: إعادة تعريف مفهوم "الهندسة الاجتماعية" في سياق الصراعات المعاصرة
لقد أدركت القوى الغربية، منذ عقودٍ خلت، أن المجتمعات لا تُهزم بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر تفكيك بنيتها الثقافية وإعادة صياغة منظومتها القيمية. هذه الحقيقة أصبحت ركيزةً أساسيةً في استراتيجيات الهيمنة الحديثة، حيث تحولت الأدوات العسكرية إلى ملحقٍ لعملياتٍ أكثر تعقيداً تستهدف العقول قبل الأجساد. في هذا السياق، برز مفهوم "الهندسة الاجتماعية" كإطارٍ نظريٍ وعمليٍ لتفكيك المجتمعات وإعادة بنائها وفقاً لمصالح القوى الكبرى، وذلك باستخدام شبكةٍ من الأدوات المتنوعة التي تتراوح بين التمويل الديني، والإعلام الممنهج، وتعليماتٍ إداريةٍ صغيرةٍ تبدو بريئةً في ظاهرها، لكنها تتراكم لتُحدث تحولاً جذرياً في طبيعة المجتمع.
يشير مفهوم الهندسة الاجتماعية إلى مجموعةٍ من العمليات الممنهجة التي تهدف إلى تغيير سلوك الأفراد والجماعات، وتعديل أنماط تفكيرهم، وإعادة تشكيل علاقاتهم الاجتماعية، وذلك عبر آلياتٍ غير مباشرةٍ غالباً ما تتخفى خلف أقنعة الخير والإغاثة والدعوة. وفي سياق الصراعات، تصبح هذه الهندسة أداةً فعّالةً لإضعاف الخصم من الداخل، وجعله أكثر طاعةً وأقل قدرةً على المقاومة أو التفكير النقدي، وذلك بتفكيك روابطه الاجتماعية، وإفقاد هويته الثقافية، وتدمير أعمدة مجتمعه الأساسية .
والمرأة، بوصفها حاملًا للهوية، وركيزةً للطبقة الوسطى، وعمودًا للتعليم، تصبح الهدف الأول في أي مشروعٍ من هذا القبيل. فهي ليست مجرد فرد في المجتمع، بل هي الحاضنة الأولى للقيم، والناقلة الأساسية للثقافة، والمربية للأجيال. ومن هنا، فإن استهدافها يعني استهداف الأسرة بأكملها، ومن ثم تفكيك النسيج الاجتماعي من جذوره. هذه الحقيقة تدركها القوى الغربية تمام الإدراك، ولذلك فإنها تستثمر في مشاريعَ تهدف إلى تحجيب العقل قبل تحجيب الجسد، وإعادة إنتاج مجتمعاتٍ خانعةٍ، منزوعة القدرة على الإنتاج الفكري والنقدي .
في سورية، نرى هذه العملية تتجلى بوضوح من خلال ظهور مشاريع "النقاب الوهابي" داخل الجامعات، وليس بوصفها ظاهرةً دينيةً عفوية، بل كأداةٍ ممنهجةٍ لإعادة تشكيل الوعي الجمعي. الشيخ الذهبي، المواطن المصري الملاحق بتهم الإرهاب، ليس سوى مقاولٍ صغيرٍ في هذا المشروع الكبير، ووجودُه في سورية، وتحركُه داخل الجامعات، وتسهيلُ نشاطِه، كلها إشاراتٌ إلى أن هناك من يريد نقل نموذج المحميات الخليجية إلى سورية: نموذجٌ يقوم على تديين الفضاء العام، وإقصاء المرأة، وتدمير الطبقة الوسطى، وتحويل المجتمع إلى كتلةٍ مطيعةٍ يسهل التحكم بها .
ثانياً: المرأة السورية بين فكّ الهوية وإعادة التصنيع الأيديولوجي
لا يمكن فهم المشروع الغربي في سورية بمعزل عن دوره التاريخي في صياغة الهويات الوطنية. فمنذ سايكس-بيكو، كانت المنطقة العربية مسرحاً لتجاربَ في تقسيم المجتمعات وإعادة تعريف انتماءاتها. واليوم، يبدو المشروع أكثر تعقيداً: فهو لا يكتفي بتقسيم الجغرافيا، بل يسعى إلى تقسيم الوعي الجمعي. وفي قلب هذا المشروع، تقف المرأة السورية كهدفٍ رئيسيٍ لإعادة التعريف والتصنيع الأيديولوجي، بحيث تصبح أداةً لتفكيك الهوية الوطنية واستبدالها بهوياتٍ فرعيةٍ طائفيةٍ ومناطقيةٍ يسهل توظيفها في صراعاتٍ داخليةٍ دائمة.
إن ما يحدث في الجامعات السورية من حملاتٍ لتوزيع النقاب، وما يرافقها من خطابٍ دينيٍ متشدد، ليس مجرد ممارسةٍ دينية، بل هو مشروعٌ سياسيٌ بامتياز. فالنقاب، كرمزٍ أيديولوجي، يحمل في طياته دعوةً إلى نمطٍ معينٍ من العلاقة مع العالم: نمطٌ يقوم على العزلة، والانكفاء على الذات، ورفض الآخر، وتقديس التبعية. وعندما يُفرض هذا النمط على المرأة، فإن المجتمع بأكمله يتحول تدريجياً إلى مجتمعٍ مغلقٍ، يصعب فيه بناء مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ أو مجتمعٍ مدنيٍ قوي. هذه هي الهندسة الاجتماعية في أبسط صورها، حيث يتم استخدام الرمز الديني لتدمير البنية الفكرية للمجتمع .
هناك أيضاً بُعدٌ اقتصاديٌ لهذه الهندسة. فالمرأة، في المجتمع السوري التقليدي، كانت شريكةً في الإنتاج، وعاملاً أساسياً في الاقتصاد المنزلي والعائلي. ولكن مشاريع تحجيب العقل، التي تهدف إلى إقصائها عن المجال العام، تعمل في الوقت نفسه على تدمير الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. بإقصاء المرأة عن العمل والتعليم، يُحرم الاقتصاد من طاقةٍ إنتاجيةٍ هائلة، ويُجبر المجتمع على الاعتماد على الإغاثة والتمويل الخارجي، وهما أداتان فعالتان في إعادة إنتاج التبعية. ومن هنا، فإن الهجوم على المرأة ليس مجرد هجومٍ ثقافي، بل هو أيضاً هجومٌ اقتصاديٌ يهدف إلى تحويل سورية من دولة منتجة إلى دولة مستهلكةٍ تابعة .
من جهةٍ أخرى، نجد أن هذه المشاريع لا تأتي من فراغ، بل تتكامل مع مشاريعَ أخرى في المنطقة، مثل مشاريع تفكيك التعليم في الخليج، ومشاريع خلق طبقات "الكومبرادور" في مصر وباكستان. فالكل يخدم هدفاً واحداً: خلق شرق أوسط بلا إرادة مستقلة، بلا طبقة وسطى قوية، بلا تعليمٍ نقدي، وبلا نساءٍ في المجال العام. إن سورية، اليوم، ليست ضحيةً لصراعٍ محليٍ فقط، بل هي حلقةٌ في سلسلةٍ طويلة من الهندسة الجيوسياسية التي تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة بأكملها بما يخدم مصالح الأوليغارشية المالية الغربية. وهكذا، يصبح فهم هذه الهندسة هو الخطوة الأولى لاستعادة سورية لنفسها، ولإعادة بناء عقلٍ اجتماعيٍ قادرٍ على مقاومة التفكيك، واستعادة دوره التاريخي كمنارةٍ للفكر والثقافة في المنطقة.
…….
المحميات الخليجية: كيف تحولت إلى أدوات نفوذ بريطاني–أمريكي لإعادة تشكيل الشرق؟
في استبطان هندسة التبعية
لا يكاد يرنو المراقب إلى المشهد السياسي في محميات الخليج الفارسي، إلا وتصطدم عيناه بلوحةٍ فسيفسائيةٍ معقدة، تتداخل فيها ألوان السلطة والمال والنفوذ، لتشكل في مجملها كياناً هجيناً لا يمكن فهمه بالمفاهيم التقليدية للدولة القومية. فالقرارات الكبرى التي تصدر عن الدوحة وأبوظبي والرياض، تلك التي تهز أركان المنطقة وترسم مصير الملايين، لا تبدو وكأنها نتاج عقولٍ فرديةٍ أو مجالسَ وطنية، بل تبدو وكأنها ترجمةٌ دقيقةٌ لهندسةٍ استخباراتيةٍ غربية، تُدار من خلف الستار، وتُنفذ بأيادٍ محليةٍ تبدو وكأنها فاعلة، لكنها في الحقيقة مجرد أوتارٍ تعزف عليها أصابعُ قوى بعيدة.
هنا، في ربوع الجزيرة العربية، حيث تنبعث أنهار النفط وتتكدس جبال المال، نجد أنفسنا أمام أحد أعقد نماذج العلاقة بين المركز والأطراف في النظام العالمي. إن "المحميات الخليجية"، كما يسميها الكثير من المحللين، ليست مجرد دولٍ ذات سيادة، بل هي، في جوهرها، منصاتُ نفوذٍ صُمّمت بعنايةٍ فائقة في أروقة وزارة الخارجية البريطانية، ثم رُعيت بعنايةٍ أكبر في إدارات البنتاغون، وأخيراً استثمرت بحنكةٍ إسرائيليةٍ ملفتة في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. إنها مشروعٌ استعماريٌ جديد، يلبس ثوب الاستقلال، ويتحدث بلغة التنمية، لكنه في الحقيقة يُستخدم لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بأكمله، وفق رؤيةٍ تجعله سوقاً مفتوحةً، وحلبةً لتصفية الحسابات، ومصدراً للمواد الخام، دون أن يكون له صوتٌ حقيقي في تحديد مصيره.
أولاً: الخليج بين "محميةٍ" بريطانيةٍ قديمة وشبكات نفوذ أمريكية–إسرائيلية جديدة
إن تاريخ علاقة القوى الغربية بالخليج ليس وليدَ العصر الحديث، بل هو يمتد إلى قرون من السيطرة التجارية والعسكرية، لكنه تشكل في صورته الحالية مع انسحاب بريطانيا من شرق السويس في عام 1971. وفي تلك اللحظة التاريخية، لم تمنح بريطانيا دول الخليج استقلالاً حقيقياً، بل أعادت هيكلة علاقتها معها، فحولتها من "محمياتٍ" مباشرة إلى "محافظٍ" غير مباشرة، عبر عقود دفاعٍ وأمنٍ ضمنية، وشبكات من المستشارين والخبراء الذين ظلوا يتحكمون في مفاصل الدولة من وراء الكواليس. هذا الانتقال كان في غاية البراعة، إذ سمح لبريطانيا بالاحتفاظ بنفوذها الاقتصادي والعسكري، مع إلقاء عبء الدفاع المباشر على عاتق الولايات المتحدة التي كانت تترقب الفرصة لملء الفراغ في المنطقة .
واليوم، بعد عقودٍ من تطور العلاقة، أصبح النفوذ الغربي في الخليج أكثر تعقيداً وتشعباً. فالمستشارون البريطانيون لا يزالون يتجولون في قصور محمد بن زايد، والضباط الأمريكيون يديرون القواعد العسكرية الكبرى في قطر والبحرين، وشبكات النفوذ الإسرائيلية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية للأمن السيبراني في دولة الإمارات والسعودية. هذه العناصر الثلاثة، البريطاني والأمريكي والإسرائيلي، تشكل معاً "ثالوثاً" غريباً يدير شؤون المنطقة، كلٌّ حسب اختصاصه: البريطاني للاستشارات السياسية والهندسة الاجتماعية، والأمريكي للحماية العسكرية والضمان الأمني، والإسرائيلي للتكنولوجيا المتقدمة والتجسس.
هذه البنية، التي تجمع بين الاستعمار القديم والإمبريالية الجديدة، تجعل من دول الخليج ليست دولاً مستقلة بالمعنى التقليدي، بل وكالاتٍ محليةً لإدارة المشروع الغربي في الشرق الأوسط. فعندما تتخذ أبوظبي قراراً بتمويل مشروعٍ ديني في أفريقيا، أو عندما توقع الرياض صفقة أسلحةٍ بمليارات الدولارات، أو عندما تستضيف الدوحة قادةَ الفصائل المتطرفة، فإنها لا تفعل ذلك بدافعٍ وطنيٍ صرف، بل كجزءٍ من شبكةٍ عالميةٍ من المصالح المالية والسياسية التي تُدار من لندن وواشنفلون. هذه الحقيقة، رغم صعوبة تقبلها، أصبحت واضحةً حتى للكثير من النخب الخليجية نفسها، التي باتت تدرك أنها تعيش على رِقابِ ثرواتٍ لا تملكها، وفي كنفِ حلفاءَ لا يستطيعون الاستغناء عنهم .
ثانياً: أدوات الهندسة الاجتماعية في المحميات الخليجية: المال والدين والسياسة
يستخدم الغرب وحلفاؤه في المحميات الخليجية ثلاث أدواتٍ رئيسيةٍ لإعادة تشكيل الشرق الأوسط: المال، والدين، والسياسة. المال الخليجي، المتدفق من صناديق الثروة السيادية التي تقدر بمليارات الدولارات، يُستخدم لشراء النفوذ في كل مكان، من الصحف الأمريكية إلى الأحزاب السياسية الأوروبية، ومن الجامعات البريطانية إلى المعارض الفنية العالمية. هذا المال لا يهدف فقط إلى تحقيق عوائد مالية، بل يهدف أيضاً إلى خلق شبكات ولاءٍ وتبعيةٍ تغطي العالم بأسره، وخاصة في البلدان العربية الفقيرة التي أصبحت رهينةً للمساعدات الخليجية، والتي كثيراً ما تُصرف بشروطٍ سياسيةٍ تخدم الأجندة الغربية .
أما الأداة الثانية، وهي الدين، فإنها الأكثر خطورةً وتأثيراً. فالمشاريع الدينية الخليجية، التي تمول بناء المساجد والمدارس القرآنية ونشر الكتب الدعوية في كل بقاع العالم، ليست مجرد أعمال خيرية، بل هي استثمارٌ طويل الأمد في تغيير عقول المجتمعات. في سورية، على سبيل المثال، نجد أن تمويل مشاريع "النقاب" و"العفاف" التي يقوم بها أشخاص مثل الشيخ الذهبي، إنما يأتي من مصادر خليجية تعمل بتنسيقٍ مع أجهزة استخباراتية غربية. الهدف من هذا التمويل ليس فقط نشر الإسلام السلفي، بل نشر نموذجٍ معينٍ من الإسلام: نموذجٌ يدعو إلى الطاعة العمياء للحاكم، ورفض الانفتاح على العالم، وإقصاء المرأة عن المجال العام، وتفكيك نسيج المجتمع المدني. هذا النموذج الديني هو ما يريده الغرب بالضبط: دينٌ يحول المجتمعات العربية إلى كتلٍ ساكنةٍ غير قادرة على النقد أو المقاومة، وتكون سهلة التوجيه والاستغلال .
الأداة الثالثة هي السياسة، والتي تتمثل في دعم شبكات من "الكومبرادور" في كل دولة عربية، أي تلك النخب المحلية التي تعمل كوسطاء بين الهيمنة الغربية والمجتمع المحلي. هذه النخب تتلقى الدعم المالي والسياسي من المحميات الخليجية، وتُستخدم لتمرير القرارات الغربية، وتفكيك مؤسسات الدولة، وتدمير الطبقة الوسطى المستقلة. في مصر، نرى هذه الظاهرة بوضوح في التحولات الاقتصادية التي تهدف إلى بيع أصول الدولة للاستثمار الخليجي، وفي الأردن نراها في شبكات النفوذ التي تدير القرار السياسي وفقاً للتعليمات الأمريكية. وهكذا، يصبح الخليج، بكل ثروته الهائلة، مجرد أداةٍ في يد الأوليغارشية المالية الغربية، التي تستخدم المنطقة بأكملها كمسرحٍ لتجاربها في السيطرة وإعادة التشكيل، دون أن يكون للشعوب العربية أي رأي في مصيرها، ودون أن تكون هذه الثروات سبباً في تقدمها أو تحررها.
……..
الهندسة متعددة الجنسيات: كيف تُعاد صياغة الشعوب العربية لخدمة الأوليغارشية الغربية؟
المنطقة العربية كمسرحٍ لتجارب الهيمنة العابرة للحدود
لم تعُد المنطقة العربية، في زمن العولمة المتوحشة وشبكات النفوذ المعولمة، مجرد ساحةٍ للصراعات الإقليمية أو مسرحٍ للتدخلات الأحادية. لقد تحولت، في العقود الأخيرة، إلى مختبرٍ مفتوحٍ لهندسةٍ سياسية–اجتماعيةٍ متعددة الجنسيات، تشترك في رسم ملامحها وتنفيذ تفاصيلها شبكةٌ معقدة من الفاعلين: الولايات المتحدة التي تضع الإطار الأمني؛ وبريطانيا التي تقدم الخبرة الاستعمارية التاريخية؛ وإسرائيل التي توفر الذكاء التكنولوجي؛ والمحميات الخليجية التي تمد التمويل؛ ومؤسسات مالية عالمية تضع الشروط الاقتصادية؛ وشركات أمنية خاصة تدير الفوضى؛ ومؤسسات إعلامية دولية تشكل الوعي العام.
هذه الهندسة، التي تتجاوز في تعقيدها أي نموذجٍ استعماريٍ كلاسيكي، لا تهدف إلى السيطرة العسكرية المباشرة، بقدر ما تهدف إلى إعادة تشكيل المجتمعات من الداخل، بحيث تصبح هذه المجتمعات خادمةً لمصالح الأوليغارشية المالية الغربية بشكل سلسٍ ومنتظم، دون حاجةٍ إلى احتلالٍ عسكريٍ مكلفٍ أو إدارةٍ استعماريةٍ مباشرة. إنها استراتيجيةٌ تقوم على تفكيك أعمدة الاستقلال الوطني الثلاثة: المرأة بوصفها حاملًا للهوية والطبقة الوسطى؛ والتعليم بوصفه مصنعًا للعقل النقدي؛ والاقتصاد المحلي بوصفه مصدرًا للقوة والاستقلال. وعندما تنجح هذه الهندسة في تحطيم هذه الأعمدة، فإن المجتمعات تصبح كالرمال المتحركة: سهلة التشكيل، خاضعة لكل تيار، وعاجزة عن بناء أي مستقبلٍ مستقل .
أولاً: ضرب الأعمدة الثلاثة: استراتيجيةٌ شاملةٌ لتفكيك المجتمعات العربية
تبدو الهندسة متعددة الجنسيات في المنطقة العربية كعمليةٍ جراحيةٍ دقيقة، يستخدم فيها الجراح (أي النظام الغربي) أدواتٍ متعددةً لاستئصال الأعضاء الحيوية للجسد الاجتماعي. أول هذه الأعضاء هي المرأة، والتي تستهدف عبر مشاريع تحجيب العقل وإعادة إنتاج الخطاب الديني المتشدد. ففي سورية، نرى هذا التجلي بوضوح من خلال أدوات مثل الشيخ الذهبي ومشاريع "بيت الأخوات" التي تهدف إلى عزل الفتيات عن أسرهن ومجتمعاتهن وإعادة صياغة هويتهن وفق نموذجٍ طائفيٍ ضيق . وفي الخليج، نرى نفس الآلية تعمل عبر تمويل مشاريع "النقاب" و"العفاف" داخل الجامعات، كجزءٍ من مشروعٍ أوسع لإقصاء المرأة عن المجال العام.
العنصر الثاني هو التعليم، الذي يُعتبر بمثابة مصنع العقل النقدي والمستقل. تهدف الهندسة الغربية إلى تحويل التعليم في المنطقة من أداةٍ للتنوير إلى أداةٍ للتخدير الفكري. ويتم ذلك عبر سياساتٍ متعددة، منها: إضعاف التعليم العام، ودعم التعليم الديني التقليدي، وتشجيع التعليم المهني المحدود الذي ينتج أيدي عاملة لا عقولاً مفكرة، وربط المناهج بالتمويل الخارجي الذي يفرض رؤيةً معينةً للتاريخ والجغرافيا. في العراق، على سبيل المثال، أدت سياسات تفكيك الدولة إلى تدمير النظام التعليمي الذي كان من الأفضل في المنطقة، وفي مصر وسورية، أدت سياسات الخصخصة والتبعية المالية إلى تدهور جودة التعليم وجعله سلعةً لا يستطيع الفقراء الوصول إليها.
العنصر الثالث هو الاقتصاد المحلي، الذي يتم تفكيكه عبر سياسات التحرير الاقتصادي التي تهدف إلى فتح الأسواق العربية لرؤوس الأموال الغربية والخليجية، وتدمير الصناعة المحلية، وتحويل الدول العربية إلى أسواقٍ استهلاكيةٍ تعتمد على الاستيراد. يتم ذلك عبر شبكاتٍ من "الكومبرادور" المحليين، الذين يعملون كوسطاء لهذه السياسات، ويجمعون الثروات لأنفسهم مقابل تسهيل تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج. هذه السياسات تؤدي إلى تدمير الطبقة الوسطى، وإفقار الشرائح الواسعة، وخلق مجتمعاتٍ تعتمد على الإغاثة والتحويلات المالية، بدلاً من الإنتاج والعمل، مما يجعلها أكثر طاعةً وأقل قدرةً على المطالبة بحقوقها أو مقاومة السياسات الظالمة .
ثانياً: شبكة المصالح العابرة للحدود: من لندن إلى الدوحة إلى دمشق
ما يجعل الهندسة متعددة الجنسيات فعّالةً إلى هذا الحد هو أنها لا تعتمد على مركز واحد، بل على شبكةٍ من المصالح المتشابكة التي تمتد عبر القارات. فالقرار الذي يُتخذ في غرفةٍ مغلقةٍ في لندن قد يُنفذ عبر تمويلٍ من الدوحة، تحت إشرافٍ استخباراتيٍ من واشنطن، وبمساعدةٍ تقنيةٍ من إسرائيل، وبوساطةٍ من نخبة محلية في دمشق أو القاهرة. هذه الشبكة، التي وصفها المفكر سمير أمين بأنها "الإمبريالية الجماعية"، تُعتبر أكثر مرونةً وقدرةً على التكيف من الإمبريالية الكلاسيكية، لأنها تستطيع أن تغير شكلها وأدواتها حسب الظروف، وأن تتخفى خلف أسماءٍ وطنيةٍ أو إقليمية .
في سورية، يظهر هذا التداخل بشكلٍ صارخ في قضية الشيخ الذهبي، المصري الجنسية الذي يعمل بتسهيلاتٍ رسميةٍ في الجامعات السورية. هذا الشخص، الذي يحمل خلفيةً جهاديةً إرهابية في مصر، ويبدو أنه يحظى بدعمٍ خليجي، يعمل في سورية وكأنه جزءٌ من منظومةٍ رسمية. هذا التناقض ليس صدفة، بل هو جزءٌ من استراتيجيةٍ متعمدة لاستخدام الأطراف غير الرسمية لتنفيذ أجنداتٍ رسمية. فالدولة السورية، التي قد لا تكون طرفاً في هذه اللعبة، تجد نفسها مجبرةً على التعامل مع هذه الظاهرة، إما لأنها تمول من جهاتٍ خارجيةٍ لا تستطيع إيقافها، أو لأنها تعتبر أنها وسيلةٌ لتحقيق استقرارٍ مؤقتٍ على حساب مستقبل المجتمع.
وتتكرر هذه النماذج في أماكن أخرى من المنطقة. في مصر، تُستخدم شبكات "الكومبرادور" لربط الاقتصاد بالمحميات الخليجية، وتفكيك الصناعة الوطنية عبر صفقات استثماريةٍ مشبوهة. وفي الأردن، تُستخدم شبكات وكالة المخابرات المركزية (CIA) لإدارة القرار السياسي، وضمان أن تظل الدولة تابعةً للغرب. وفي الخليج، تُستخدم الثروة لشراء النفوذ في آسيا وإفريقيا، وخلق شبكاتٍ من التبعية تخدم المصالح الغربية في تلك المناطق. وهكذا، تظهر الصورة الكاملة: إنها ليست مجرد مؤامرةٍ واحدة، بل نظامٌ عالميٌ متكامل، يعمل بكفاءةٍ عالية، لإعادة صياغة الشعوب العربية بحيث تصبح خادمةً لمصالح أقليةٍ ماليةٍ غربية تتحكم بالأسواق، والإعلام، والتكنولوجيا، والقرار السياسي العالمي. وإن كشف هذه الهندسة، وتوعية الشعوب بها، هو الخطوة الأولى لاستعادة الوعي، وإعادة بناء مشروعٍ عربيٍ قادرٍ على مواجهة التفكيك، واستعادة إرادته التاريخية في صنع مستقبله.
في أفق الوعي واستعادة الإرادة
تقف سورية اليوم، والمنطقة العربية بأسرها، على مفترق طرق مصيري. أمامها طريقان: إما الاستمرار في الانزلاق على منحدر التفكيك والتبعية، لتصبح مجرد حقلٍ لتجارب الآخرين وأداةً في أيديهم، أو الانتفاض على هذه الهندسة بوعيٍ جديدٍ وبإرادةٍ صلبة. إن استعادة الوعي، وفهم طبيعة اللعبة التي تمارس على أرضنا، ليس ترفاً فكرياً، بل هو واجب وطني ووجودي. فلن تستطيع المجتمعات العربية أن تنهض ما دامت تظن أن أعداءها هم جيرانها أو طوائفها، بينما الحقيقة أن العدو الحقيقي هو نظامٌ عالميٌ يُعيد إنتاج التبعية والهشاشة بكل الوسائل المتاحة.
إن طريق الخلاص يبدأ، اليوم، بإعادة بناء الذات، وتحصين الأسرة والمجتمع، وتحرير المرأة من كل أشكال الوصاية، وتجديد الخطاب الديني ليصبح داعماً للانفتاح والتسامح لا للانغلاق والتعصب، وإصلاح التعليم ليكون منارةً للعقل النقدي لا أداةً للتخدير، وبناء اقتصادٍ وطنيٍ مستقلٍ قادرٍ على الصمود في وجه العواصف. هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه العرب اليوم، وهو ليس مستحيلاً ما دامت هناك نخبةٌ واعيةٌ وشعبٌ مستعدٌ للتضحية من أجل مستقبلٍ أفضل. فالشعوب العربية، التي صنعت حضاراتٍ عريقة، قادرةٌ اليوم على استعادة دورها التاريخي، بشرط أن تتخلص من أوهام التبعية، وأن تعيد اكتشاف قوتها الذاتية، وأن تبني مستقبلها بيديها، لا بأيدي الآخرين.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
-
-سَرَابِيّاتُ الْحَقِيقَةِ-.. مسرحية في ثلاثة فصول
-
بين استعراض فنزويلا ورصاصة إيران: قراءة في انتحار ترامب السي
...
-
قراءة في انهيار مملكة آل سعود الريعية تحت وطأة الحصار اليمني
-
أميركا تتغيّر... والكيان يتصدّع: كيف يعيد الرأي العام الأمير
...
-
محور المقاومة كقوة عظمى صاعدة : عندما تحدد المضائق شكل الاقت
...
-
دراسة مقارنة في جرائم النظام وسيرورة الفساد في روايتي البولي
...
-
كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي
-
تركيا بين الأرقام اللامعة والواقع المتآكل .. قراءة تنموية في
...
-
دمشق... مدينة تتداعى على وقع انهيار السلطة الانتقالية
-
الأمان الوجودي… الدواء الذي يُقلّص الأمراض ويُنعش ميزانيات ا
...
-
بيت شيمش: الانفجار الذي لم يُعلن
-
سيمفونية الانهيار الساخرة: دليل المبتدئين لصناعة -خبر- عن إي
...
-
دراسة مقارنة: كتابي (الإمبراطورية على شفا الهاوية) في سياق ا
...
-
سيناريو بايدن يتكرر.. ترامب أكثر عداءً لروسيا وأوفى للوبي ال
...
-
لماذا يخشى الغرب الاستعماري الاعتراف بصعود عالم جديد؟
-
تمهيد رواية : اعترافات راوٍ ساخر في زمن النيوليبرالية
-
-الغاز الأخير، أو كوميديا الأنابيب المتفجرة-.. تراجيكوميديا
...
-
دراسة مقارنة: روايتي «ذاكرة الفوتون الأخير» في سياق الخيال ا
...
-
من سمير أمين إلى مدرستي تسينغهوا ورينمين.. الانتقال من نقد ا
...
المزيد.....
-
الجيش اليمني: الحوثيون استهدفوا ميناء المخا بصواريخ بالستية
...
-
قاليباف يتحدى عقوبات أمريكا بتعليق حول علاقة إيران والصين
-
الأسطول الخفي.. كيف يحافظ على استمرار تدفق النفط عبر مضيق هر
...
-
سفير روسي: استضافة النرويج للطيران الاستطلاعي للناتو يزيد من
...
-
بلومبرغ: الولايات المتحدة تبحث مع الأوروبيين أمن مضيق هرمز
-
الخارجية: هجمات قوات كييف على المدنيين الروس قلصت فرص التوصل
...
-
الإمارات تدين بشدة الهجوم على قوات حفظ السلام في جنوب السودا
...
-
فضيحة مدوية في جامعة أمريكية.. عميد رفيع المستوى متهم بتصوير
...
-
بوشيلين: إصابة 11 شخصا في جمهورية دونيتسك الشعبية جراء الهجم
...
-
إسرائيل تفرج عن 3 أسرى سوريين وكويتي وقناة عبرية تتحدث عن -ر
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|