أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار















المزيد.....

راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في صباحٍ خريفيٍّ من بروكسل، حيث تتراقص أوراقُ البيروقراطية على أنغام الرياح الباردة القادمة من بحر الشمال، تسرَّب خبرٌ عابرٌ من صحيفة ليزيكو الفرنسية، لم يكد يغادر أروقةَ المفوضية حتى تحوَّل إلى زلزالٍ صامتٍ في القلعة الأوروبية. الخبر: ماريو دراغي، حارسُ اليورو الأسطوري، يُطلق "مركز أبحاث الراين" بقيادة 55 خبيرًا من نخبة النخبة، بينهم فرنسيون، لتسريع تنفيذ تقريره حول التنافسية. استغرابُ المفوضية كان عنوانَ الصدمة.

لكن ما الذي يثير الدهشة حقًا؟ ليس المركز، ولا الخبراء، ولا حتى دراغي نفسه، بل ذلك النهر العتيق الذي اختير له اسمًا. فالراين، في جغرافية السلطة الأوروبية، ليس مجرى ماءٍ عابرًا بين الضفاف؛ إنه شرايينُ القارة النابضة، شريانُ الصناعة الألمانية، وعرقُ المالِ الذي يجري من فرانكفورت إلى روتردام، حاملًا معه إرثًا من الانضباط البروتستانتي والهيمنة المالية. حين يختار دراغي هذا الاسم، فهو لا يستعير استعارةً جغرافية، بل يُعلن عن مشروعٍ سياسيٍّ طبقيٍّ صريح: أوروبا الراين تعود لتكتب دستورها الجديد، على أنقاض أوروبا المتوسط، وأوروبا الديون، وأوروبا الفقراء.



النهر الذي صار مصيرًا

ليست الصدفةُ وحدها من أوحت إلى دراغي بهذا الاسم. فالراين، في المخيال الأوروبي، ليس حدًّا فاصلًا، بل عمودًا فقريًّا يمتد من جبال الألب إلى بحر الشمال، حاملًا على ضفافه مصافي النفط، ومحطات الطاقة، ومصاهر الألمنيوم، ومكاتب البنوك التي لا تنام. إنه النموذج الألماني المتجسِّد في مجرى مائيّ: الصناعة الثقيلة، التجارة الحرة، الفائض التجاري، والسيولة النقدية التي لا تتوقف.

في اختيار هذا الاسم، يمارس دراغي فعلًا تأسيسيًا: يُعيد تعريف أوروبا لا كفضاءٍ سياسيٍّ متعدد الثقافات، بل كمنطقةٍ اقتصاديةٍ مركزها الشمال، وقوانينها الانضباط المالي، وروحها روح المصارف لا روح الديمقراطيات التشاركية. إنه يكتب وثيقة ميلاد جديدة للقارة، لكن أمها ليست بروكسل، بل فرانكفورت؛ وأبوها ليس جان مونيه، بل أوتو فون بسمارك في ثوبه المالي الحديث.



55 خبيرًا: الكهنوت الجديد

خمسة وخمسون خبيرًا... رقمٌ لا يحمل دلالة كمية فحسب، بل هو طقسٌ من طقوس صناعة الشرعية في عصر ما بعد الحقيقة. بينهم حائزون على جائزة نوبل، مصرفيون قضوا أعمارهم في غرف تداول مغلقة، رؤساء شركات متعددة الجنسيات، وأكاديميون يكتبون أبحاثهم بقلم من ذهب. هذا التجمع لا يهدف إلى البحث العلمي المحايد، بل إلى إنتاج هالةٍ معرفيةٍ حول دراغي، يحاول من خلالها تحويل تقريره إلى إنجيلٍ فوق سياسي، لا يُناقش، بل يُطبَّق.

إنهم كهنة العصر الجديد، يحملون مباخرَ من إحصاءات ونماذج اقتصادية، يبخِّرون بها فضاء بروكسل ليُزيحوا عنه رائحة الشعوبية المزعجة، وليُقنعوا النخبَ بأن الخلاصَ لا يأتي من صناديق الاقتراع، بل من جداول إكسيل وألواح العروض التقديمية. بهذه الآلية، يتحول تقرير دراغي من رؤيةٍ قابلة للنقاش إلى حقيقةٍ علميةٍ مقدسة، والتنافسية من شعارٍ سياسي إلى ضرورةٍ وجودية لا مفر منها.



لحظة الانهيار: لماذا الآن؟

لا تأتي مبادرة دراغي في فراغ تاريخي. أوروبا اليوم تعيش واحدةً من أعمق أزماتها البنيوية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. الصناعة الألمانية، ذلك المحرك الذي ظلَّ يدقُّ بانتظام لنصف قرن، بدأ يتلعثم تحت وطأة ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة الصينية الشرسة. اليورو، ذلك المشروع الطموح، تحوَّل إلى ساحة حرب بين شمالٍ فائضٍ وجنوبٍ مدين، بين ألمانيا التي تدخر واليونان التي تستجدي.

وفي المشهد الجيوسياسي، أعادت الحرب الأوكرانية أوروبا إلى كنف واشنطن، بعد أن ظنتْ نفسها قوةً مستقلة. الصين تتمدد في البلقان والمتوسط بخطواتٍ ثابتة، بينما فرنسا، تلك البوصلة السياسية للقارة، تفقد وزنها الاستراتيجي في زحمة الاضطرابات الداخلية. المفوضية الأوروبية، بدورها، تعيش أزمة شرعية غير مسبوقة، وكأنها برجُ مراقبةٍ أعمى في عاصفةٍ عاتية.

في هذه اللحظة بالذات، تحتاج النخب الأوروبية إلى "بطل تقني"، إلى حكيمٍ عجوزٍ لا يهدد أحدًا بسلطته، لكنه يمنح المشروع الأوروبي بريقًا من الكاريزما الفنية. دراغي، الذي شارف عمره الثمانين، هو ذلك الوجه المثالي: لا يطمح إلى منصب انتخابي، لا يثير مخاوف القوميين، يمكن استخدامه كواجهة براقة بينما تُدار الأمور الحقيقية في غرف الاجتماعات المغلقة. إنه الديكور الذي يخفي أن القرارات الحقيقية لا تُتخذ في قاعات المؤتمرات، بل في مكاتب المصارف وعلى طاولات مجالس إدارة الشركات العملاقة.



التنافسية: الخطاب الذي يخفي الجراح

يرفع دراغي شعار "التنافسية الأوروبية" كأنه علمٌ جديد، لكنه يتغاضى بحذرٍ عن حقيقةٍ مؤلمة: أوروبا ليست كتلةً واحدة، بل فضاءٌ منقسمٌ إلى طبقاتٍ اقتصادية وثقافية لا يمكن ردْمُها. شمالٌ صناعيٌّ غنيٌّ يصدِّر المنتجات، جنوبٌ مثقَلٌ بالديون يستورد السياسات، شرقٌ تابعٌ يبحث عن موقعٍ في الخريطة الجديدة، وغربٌ يعيش أزمة هويةٍ عميقة.

التنافسية في خطاب دراغي ليست مشروعًا تنمويًا شاملاً، بل هي غطاءٌ أنيق لسياسات تقشفية مُعاد تلميعها، تُعزز دور المصارف، وتُقلص الدولة الاجتماعية، وتُعيد إنتاج الفجوة بين الشمال والجنوب. إنها رؤيةٌ نيو ليبرالية تعيد صياغة أوروبا كفضاءٍ ماليٍّ قبل أن تكون فضاءً سياسيًّا، كسوقٍ قبل أن تكون مجتمعًا، كممرٍّ لرأس المال قبل أن تكون ملاذًا للعدالة.



استغراب المفوضية: صراع الظلِّ والجسد

إن استغرابَ المفوضية الأوروبية من مبادرة دراغي ليس استغرابًا إداريًا أو بيروقراطيًا، بل هو قلقٌ وجوديٌّ صارخ. فالمفوضية، بعيدًا عن بريقها المؤسساتي، تدرك تمامًا أن إطلاق مركز أبحاث بهذا الحجم، وبهذه الرمزية، وبحضور هذه الأسماء، هو بمثابة إعلان تأسيس مركز قرار موازٍ، يستمد شرعيته لا من معاهدات الاتحاد، بل من شرعيةٍ رمزيةٍ تُصنعها النخب المالية والصناعية.

إنها محاولةٌ لخلق سلطةٍ فوق مؤسساتية، تُحوِّل دراغي إلى مرجعيةٍ لا يمكن تجاوزها، وتُخرج النقاش حول مستقبل أوروبا من إطاره الديمقراطي إلى فضاء الخبراء واللجان المغلقة. المفوضية تستغرب لأنها تُدرك أنها ليست طرفًا في هذه اللعبة، بل مجرد متفرجٍ على مشهدٍ يُعاد كتابته خارج أسوارها.



الراين يكتب المستقبل

أوروبا التي يبشر بها دراغي ليست تلك التي حلم بها رواد الوحدة الأوروبية؛ إنها أوروبا الراين، أوروبا المصارف والصناعات الثقيلة، أوروبا المركزية الألمانية المقنَّعة ببراغماتية إيطالية. إنها لحظةٌ تعيد إنتاج الفجوة البنيوية التي غذَّت أزمة اليورو، وأشعلت ثورات الديون، وأذكت نيران الشعبوية.

في هذا الزمن الذي يموج بالتحولات الجيوسياسية، وبينما ينهار نظامٌ قديم ولا يولد نظامٌ جديد بعد، تبحث النخب الأوروبية عن رمزٍ يمنحها شعورًا بالأمان والاستمرارية. دراغي هو ذلك الرمز: حكيمٌ عجوزٌ يلوح بيده من بعيد، بينما تُعاد هندسة القارة على ضفاف الراين، بعيدًا عن أعين الشعوب، وقريبًا من مصالح الأقلية التي تملك المال وتصنع المعرفة وتكتب المستقبل.

أوروبا اليوم لا تبحث عن قائد، بل عن أيقونةٍ تُخفي انهيارها تحت عباءة الانضباط المالي. ودراغي، بنظراته الهادئة وخطابه الرزين، هو تلك الأيقونة المثالية. غير أن السؤال الأعمق، الذي يلوح في الأفق كسحابةٍ عاصفة، يظل معلقًا: هل يمكن لهندسة الراين أن تُنقذ قارةً تغرق في تناقضاتها، أم أنها ستُسرِّع الغرقَ تحت وطأةِ نموذجٍ فقدَ قدرتَه على التجديد والتضمين؟

الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن الراين، ذلك النهر العريق، سيشهد، في السنوات القادمة، ولادةَ أوروبا جديدة، أو ربما شهادةَ موتِ أوروبا القديمة.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب
- دراسة مقارنة: كتابي -خرائط الرماد- في سياق أدب التحولات الكب ...
- سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاج ...
- حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
- -سَرَابِيّاتُ الْحَقِيقَةِ-.. مسرحية في ثلاثة فصول
- بين استعراض فنزويلا ورصاصة إيران: قراءة في انتحار ترامب السي ...
- قراءة في انهيار مملكة آل سعود الريعية تحت وطأة الحصار اليمني
- أميركا تتغيّر... والكيان يتصدّع: كيف يعيد الرأي العام الأمير ...
- محور المقاومة كقوة عظمى صاعدة : عندما تحدد المضائق شكل الاقت ...
- دراسة مقارنة في جرائم النظام وسيرورة الفساد في روايتي البولي ...
- كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي
- تركيا بين الأرقام اللامعة والواقع المتآكل .. قراءة تنموية في ...
- دمشق... مدينة تتداعى على وقع انهيار السلطة الانتقالية
- الأمان الوجودي… الدواء الذي يُقلّص الأمراض ويُنعش ميزانيات ا ...
- بيت شيمش: الانفجار الذي لم يُعلن
- سيمفونية الانهيار الساخرة: دليل المبتدئين لصناعة -خبر- عن إي ...
- دراسة مقارنة: كتابي (الإمبراطورية على شفا الهاوية) في سياق ا ...
- سيناريو بايدن يتكرر.. ترامب أكثر عداءً لروسيا وأوفى للوبي ال ...
- لماذا يخشى الغرب الاستعماري الاعتراف بصعود عالم جديد؟
- تمهيد رواية : اعترافات راوٍ ساخر في زمن النيوليبرالية


المزيد.....




- وفاة ملك النرويج هارالد الخامس عن عمر ناهز 89 عاماً
- عمرو يوسف يكشف عن فكرة مسلسل -180-من بطولته في رمضان 2027
- إيران تصيغ مطالب لأمريكا قبيل احتمال إعادة فتح مضيق هرمز
- محسن رضائي يرد على تقارير وجود مؤامرة إيرانية لاغتيال بارون ...
- من جبال قنديل إلى القصر الرئاسي.. ماذا نعرف عن مسيرة مظلوم ع ...
- إسرائيل تشكو لواشنطن أداء الجيش اللبناني في جنوب لبنان.. وجد ...
- فيضانات الصين ونيبال.. مئات القتلى ومفقودون من أكثر من 30 دو ...
- موقع Ratopati: إنقاذ أكثر من 3000 شخص خلال الفيضانات في نيبا ...
- توكايف: مجلس الأمن الدولي توقف عن أداء مهمته في حفظ السلام و ...
- برلين تكثف جهودها الدبلوماسية لترشيح جنرالها لرئاسة اللجنة ا ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار