|
|
مسرحية: -طقوس التطهير-.. مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول وثلاثون مشهداً
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 15:52
المحور:
الادب والفن
مسرحية: "طقوس التطهير"
(أو: كيف تموت ضاحكاً من أجل الديمقراطية)
مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول وثلاثون مشهداً
قائمة الشخصيات الرئيسية
· د. جلال نعمان – كيميائي سوري، أربعيني، ساخر حتى النخاع، يعمل في مختبر حكومي مهجور تحول إلى ورشة لإنتاج "الكيمياء المسرحية". يرتدي معطفاً أبيض ممزقاً، ونظارات طبية سميكة. · أم كلثوم المصري – جارته المسنة، سبعينية، تحفظ القرآن وتشاهد كل القنوات الفضائية في آن واحد، وتعلق بذكاء شعبي مفعم بالسخرية. · عزام الخالدي – مراسل أجنبي "مستقل"، ثلاثيني، يبحث عن "الفبركة المثالية" التي تمنحه جائزة بوليتزر. يرتدي سترة صحفية رسمية، لكنه يخلعها خلف الكاميرات. · أبو حذيفة الغطاس – قائد هيئة تحرير الشام، أربعيني، يبدو كرجل أعمال أكثر منه جهادياً، يرتدي بدلة أنيقة ويحمل كاميرا GoPro في كل لحظة. · السفير تشارلز ويلسون – دبلوماسي غربي مفرط البلاغة، خمسيني، يتحدث كأنه يلقي خطاباً في حفل توزيع جوائز الأوسكار. · الجنرال محمد باشا – ضابط تركي، خمسيني، صامت، يحمل دائماً صناديق خشبية مكتوب عليها "مساعدات إنسانية" لكنها تحتوي على مواد كيميائية. · رياض التميمي – ممثل إعلامي محترف، ثلاثيني، يؤدي دور ضحية كيماوية في أكثر من أربعين فيديو مسجل. معروف بقدرته على البكاء عند الطلب. · القاضي فاروق – قاضي خيالي في محكمة غير موجودة، يحب الفشار ويصدر أحكاماً متناقضة. · الكورس المسرحي – مجموعة من الممثلين الذين يجسدون ضحايا، صحفيين، جنوداً، ومشاهدين، وهم يعلقون على الأحداث بأناشيد هزلية.
الفصل الأول: مختبر العجائب
(الزمان: ليلة سورية باردة، عام غير محدد، المهم أننا في زمن رمزي يتسع لكل الأزمنة. المكان: غرفة تحت الأرض، مختبر مهجور، مليء بأنابيب اختبار وصور لأطفال ملوّنة على الجدران، ومكتبة مليئة بكتب الكيمياء والروايات المسرحية).
المشهد الأول: كيمياء السخرية
د. جلال (واقفاً أمام طاولة مليئة بأنابيب اختبار، يقلب أنبوباً أزرق اللون بفضول): يا للهول! اكتشفتُ سرّاً عظيماً... هذا الأنبوب لا يحتوي على سارين، ولا على غاز الخردل، ولا على أي شيء يمكن أن يقتل ذبابة! إنه يحتوي على غاز الضحك النقي! (يضحك هستيرياً) لو عرفوا أن كل ما نصنعه هنا هو مسرحية، وانتهت الحرب منذ سنوات، لكانوا قد أحرقوا المختبر وبنوا فوقه سوقاً شعبيّة!
أم كلثوم (تدخل بتثاقل، تحمل صينية شاي، تضعها على الطاولة): يا ولدي، شاهدتُ الخبر قبل قليل على أربع قنوات في آن واحد! قالوا إنك صنعتَ غازاً يقتل البريء ويسعد الإرهابي، وأن النظام يستخدمه في قصف الأطفال!
جلال (يضحك مرة أخرى): يا خالة، هذا ليس غازاً قاتلاً... هذا غاز "البروباغاندا" النادر! استنشاقه يجعلك تصدق أن القمر من صنع وكالة ناسا، وأن الشتاء في سوريا من صنع الروس، وأن الصيف من صنع الأميركيين!
أم كلثوم (تضرب صدرها بيدها، وتجلس على كرسي مهترئ): سبحان الله! إذن لماذا يصورونني وأنا أموت اختناقاً كل مساء على قناة "الجزيرة"؟! بالأمس فقط شاهدت نفسي أموت في حلب، واليوم أموت في إدلب، وغداً سأموت في الغوطة!
جلال: لأنكِ ممثلة بارعة يا خالة، ولا تعلمين ذلك! أنتِ بطلة مسلسل "الموت المعلن" الذي يتجاوز نسب مشاهدته جميع الأعمال الدرامية التركية! لكن المشكلة أنهم يبثون الفيديو قبل تصويره أحياناً... هذه معجزة إعلامية لم تكتشفها هوليوود بعد! (يمسك أنبوباً آخر): انظري إلى هذا الأنبوب... سمعته تدور على "السارين السوري المزعوم"...
أم كلثوم (تقترب بحذر): وماذا فيه؟
جلال (يهمس): زيت زيتون مغشوش! لكنهم وضعوا عليه ملصقاً يقول "صنع في مختبرات الأسد"... وها هو ذا يباع في الأسواق الأوروبية بسعر غالٍ!
المشهد الثاني: بروفة الموت
عزام الخالدي (يدخل المختبر باندفاع، يحمل كاميرته وحقيبة معدات، يلهث): الدكتور جلال! أحتاج مساعدتك العاجلة! لدي موعد لتصوير مشهد اختناق كيماوي في الغوطة، لكن رياضي الممثل مريض اليوم... لا أستطيع تصوير الفيديو بدونه!
جلال (يتأفف): عزام! كم مرة أخبرتك... لا تصور الموت قبل أن يحدث! هذه مخالفة إخراجية فادحة! الديمقراطية تحتاج إلى ترتيب زمني منطقي: أولاً نستخدم الكيماوي، ثم نصور الضحايا، ثم نتهم النظام... ليس العكس!
عزام: لكن المانحين يضغطون علينا! لقد وعدناهم بثلاثة فيديوهات هذا الأسبوع، ولم ننجز سوى اثنين! (ينظر إلى أم كلثوم): هل يمكن لهذه السيدة العجوز أن تمثل دور الضحية؟!
أم كلثوم (تصرخ): أنا لا أمثل! أنا حقيقية! كل من في الحي يعرف أنني أموت كل يوم ولم أمت بعد! هذه معجزة! (تضرب الأرض بعصاها)
جلال: لا يا عزام، أم كلثوم تمثل دور "الجارة الثرثارة" في حياتي اليومية، وليس دور "الضحية الكيماوية"... ابحث عن ممثل آخر!
عزام: سأدفع أضعاف الأجر!
أم كلثوم (تقف مذعورة): أمم... كم الأجر؟
جلال (يسخر): خالة! لا تنسي أنكِ متوفاة منذ عامين في الأرشيف الإعلامي... كيف ستظهرين حية الآن؟ هذا سيكون "خرقاً للاستمرارية" الدرامية!
أم كلثوم: الحمد لله الذي أماتني في الإعلام وأحياني في الواقع! (تخرج مهرولة)
المشهد الثالث: وثائق من الجحيم
(يدخل الجنرال محمد باشا حاملاً صندوقاً خشبياً كبيراً، يضعه على الأرض باحترام).
الجنرال: الدكتور جلال، وصلت الشحنة الجديدة... ثلاثون برميلاً من المواد الأولية، وثلاث كاميرات تصوير عالية الدقة، وخمسون خوذة بيضاء جديدة... ملصق عليها "منحة إنسانية من الشعب التركي الشقيق"!
جلال (يفتح الصندوق، يخرج أنبوباً، يشمه بحذر): يا إلهي! هذا "السارين" النقي! من أين حصلتم عليه؟
الجنرال (يبتسم بغموض): من مصنع ألماني، عن طريق شركة قطرية، ثم عبر الأراضي التركية... هذه هي "العولمة" يا صديقي! لم تعد الحدود تعني شيئاً في عصر السلاح الكيماوي!
عزام (يسجل بسرعة في مفكرته): هل لديكم وثائق تثبت ذلك؟ سأحتاجها لتقريري الاستقصائي بعد خمس سنوات!
الجنرال: بالطبع! (يخرج ملفاً ضخماً) هذه فواتير الشراء، وجداول الشحن، وموافقات أمنية من ثلاث دول... لكنها كلها مزورة بالطبع! نستخدم نفس الشركة التي تطبع جوازات سفر الجهاديين!
جلال: أيها الجنرال، هل لاحظت التناقض؟ أنتم تدعمون جهاديين تتهمونهم بالإرهاب، ثم تبيعون لهم أسلحة كيماوية، ثم تفضحونهم إعلامياً! هذه "ديمقراطية دوارة"!
الجنرال (يصمت قليلاً، ثم يضحك): هذه هي "السياسة الذكية" يا دكتور... نحن ندعم الجميع، وفي النهاية نكسب الجميع! ماعدا بالطبع... الشعب السوري! (يخرج)
المشهد الرابع: رسالة إلى هرش
(جلال يفتح حاسوبه المحمول القديم، يكتب رسالة إلى صحفي استقصائي أميركي خيالي - مستوحى من سيمور هرش).
جلال (يكتب بصوت مرتفع): "عزيزي هرش، قرأت تحقيقك عن الخط الأحمر وخط الجرذان... كل ما كتبته صحيح، لكنك نسيت التفاصيل الأكثر إثارة: أن الفئران التي نقلت الكيماوي كانت ترتدي بدلات رسمية، وتحمل جوازات دبلوماسية، وتتحدث التركية بطلاقة!" (يمسح الرسالة): لا، هذا سيبدو واقعياً أكثر من اللازم... سيعتقدون أنني أمزح! (يكتب مجدداً): "عزيزي هرش، السوريون لا يقتلون بعضهم إلا إذا طُلب منهم ذلك بأمر دولي... ونحن مطيعون جداً!"
أم كلثوم (تعود، تسمع الكلام): أيها الدكتور، إنني أفكر جدياً في الترشح لجائزة أفضل ممثلة في مهرجان "الخوذ الذهبية"...
جلال: يا خالة، هناك فيلم وثائقي يعرض عنكِ الآن في مهرجان كان... عنوانه "المرأة التي ماتت خمسين مرة ولم تموت"! إخراج عزام، وبطولة... كلثوم! (يضحك حتى تدمع عيناه)
المشهد الخامس: الثرثرة الأخبارية
أم كلثوم: اشرب شايك يا ابني... هذه الحياة صارت مسرحية، ونحن جميعاً ممثلون. حتى القطط في الشارع صارت تلعب دور "شهود عيان" في تقارير الجزيرة!
جلال: أحسنت يا خالة! لقد فهمتِ خلاصة المسرحية! كلنا ممثلون، لكن المشكلة أن الجمهور الدولي يصدق المشهد الأول ويعيده، بينما نحن نعيش المشهد السابع والعشرين الذي يثبت العكس!
أم كلثوم: لكن ما الحل يا بني؟
جلال: الحل؟ (يقف، يرفع كفه) أن نكتب مسرحية عن مسرحيتنا، فتنكشف الحقيقة... لكن من سيمولها؟! (يقهقه)
…………
الفصل الثاني: مؤتمر الموتى الأحياء
(الزمان: بعد أسبوع من المشاهد السابقة، المكان: قاعة فخمة في إسطنبول، مضاءة بثريات ضخمة، جدرانها مغطاة بشاشات تعرض مشاهد اختناق متكررة. تلتقي شخصيات غريبة في مؤتمر "الدفاع عن المدنيين السوريين").
المشهد السادس: افتتاحية الأكاذيب
(السفير تشارلز ويلسون يصل متأخراً، يصافح الجميع، يرفع يديه على المنصة).
السفير (بفصاحة مفرطة): أيها الأصدقاء، أيها الزملاء، أيها الضحايا المحتملون... يسعدني أن أعلن افتتاح هذا المؤتمر التاريخي، الذي سيكون محطة فارقة في تاريخ "تأليف الأحداث"! نحن هنا لنندد بـ... ماذا نندد؟ (ينظر إلى أوراقه): نعم! نندد باستخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية، ونهنئ أنفسنا على كشف هذه الجريمة البشعة!
عزام (من بين الجمهور، يسجل بصوت خافت): سيدي السفير، هل لديك أي دليل مادي واحد على أن النظام هو الذي استخدم هذه الأسلحة؟
السفير (يضحك بثقة): الدليل؟ نحن صنعناه!... أقصد اكتشفناه! بفضل جهود "الخوذ البيضاء" الأبطال، وبفضل شجاعة الصحفيين "المستقلين" مثلك يا عزام! الدليل هو... الدليل هو أننا قلنا ذلك! (تصفيق متواضع)
أبو حذيفة (يقف، يعدل ربطة عنقه الحريرية، يرفع كاميرته GoPro ليصور نفسه): الحقيقة أيها السيد السفير، أنا شخصياً من استخدم غاز السارين في الغوطة... لكن مع إخراج تركي احترافي، وتمويل قطري سخي، أصبح الفيديو تحفة سينمائية تصلح لعرضها في مهرجان برلين!
السفير (مذعوراً): تمهل يا صديقي! لا تقل هذا علناً... هذه معلومات "حساسة"! لنقل فقط إننا نشتبه، نعتقد، نراوغ، نلمح... ولا نقطع بأي شيء!
المشهد السابع: جلسة تصوير جماعية
(الجميع يقفون لالتقاط صورة تذكارية، الممثلون يرتدون خوذات بيضاء مذهبة، ويحملون لافتات مكتوب عليها "نريد العدالة" بينما يبتسمون).
رياض التميمي (الممثل الإعلامي، يتنفس بصعوبة مفتعلة، يمسك بزجاجة مياه صغيرة): أيها السيد السفير، لقد جسّدت اليوم دور الضحية رقم 42! لكني أشعر أن أدائي بدأ يفقد بريقه... هل يمكنني الحصول على تدريب إضافي في استوديوهات هوليوود؟
السفير: بالطبع يا عزيزي! لقد رتبنا لك دورة تدريبية مع مدرب تمثيل من "سي آي إيه"... ستعلمك كيف تموت وكأنك سوري أصيل! هناك فارق بين الموت السوري والموت الأفغاني... الموت السوري يجب أن يكون أكثر درامية، لأن الكاميرات أكثر!
أبو حذيفة: وأنا؟ هل يمكنني المشاركة في الفيلم الوثائقي القادم عن "انتصارات الجهاد المعتدل"؟
السفير: بل أنت البطل الرئيسي! لكن يجب أن تغيّر لهجتك قليلاً... اجعلها أكثر "معارضة سورية معتدلة"، وأقل "تكبيراً وهتافاً"! الجمهور الغربي يحب الثوار المتحضرين، الذين يرتدون البدلات ويستخدمون الشوكة والسكين!
(يصفق الجميع، بينما تعرض شاشة عملاقة فيديو لأطفال يبكون، كتب تحته: "من إنتاج قناة الجزيرة - بالتعاون مع الناتو").
المشهد الثامن: كواليس التمويل
(في غرفة جانبية، يجتمع السفير و عزام و رياض ورجل قطري ثري يوزع الشيكات).
الرجل القطري (يعد الشيكات): هذا مليون دولار لهيئة تحرير الشام... وهذا مليون آخر للخوذ البيضاء... وهذا نصف مليون لعزام لإنتاج فيديوهات جديدة... ومكافأة خاصة لرياض لأنه مات هذا الأسبوع ثلاث مرات في ثلاثة مواقع مختلفة! هذه "كفاءة" نادرة!
عزام (يمسك الشيك بلهفة): سيدي، هل يمكنني استخدام بعض المال لشراء كاميرات أفضل؟
الرجل القطري: بالطبع! اشتري كاميرات تصوير ثلاثية الأبعاد، وأضف مؤثرات صوتية مرعبة... الديمقراطية تحتاج إلى جودة إنتاج عالية!
رياض: وماذا عن أجر المشاهدين؟ هناك ممثلون إضافيون يموتون في الخلفية... يحتاجون إلى أجرهم!
الرجل القطري: أعطهم "أمل" بدلاً من المال! الأمل أرخص، ولا يبلى! (يضحك وهو يخرج)
المشهد التاسع: مناظرة ساخرة
(يعود الجميع إلى القاعة الرئيسية، تبدأ مناظرة حول "مستقبل سوريا بعد سقوط النظام").
السفير: أيها الإخوة، بعد أن نحرر سوريا من نظامها، سنقيم دولة ديمقراطية نموذجية... ينال فيها كل فصيل حقه في الحكم لمدة أسبوع! ثم نعيد الانتخابات... وهكذا دواليك! هذا نموذج "الديمقراطية الدوارة"!
أبو حذيفة: نحن موافقون، بشرط أن نكون نحن من يدير الكاميرات!
عزام: وأنا أريد الحصول على جائزة بوليتزر عن التحقيق الذي سأكتبه بعد خمس سنوات... عنوانه: "كيف زوّرنا الكيماوي وألقينا باللوم على النظام"!
السفير: أحسنت! هذا عنوان مثير... جائزتك مضمونة! لكن تأكد من كتابته باللغة الإنجليزية أولاً، فالجمهور المستهدف ليس في سوريا، بل في واشنطن ولندن!
أم كلثوم (تظهر فجأة من بين الحشود، تصرخ): وأنا؟ ماذا عن دوري؟ لقد مت خمسين مرة دون أن أنال أجراً!
السفير (مندهشاً): من هذه السيدة العجوز؟!
جلال (يظهر خلفها): هذه أم كلثوم... بطلة فيلم "الموت المعلن"... تعبت من الموت المتكرر، وتريد تقاعداً درامياً!
السفير: تقاعد؟! في زمن الثورات؟! مستحيل! إما أن تموتي حقيقياً لتستريحي، أو تستمرّي في التمثيل حتى الموت الإعلامي!
………….
الفصل الثالث: وثائق تسقط، ومسرحيات تنكشف
(الزمان: بعد أيام من المؤتمر، المكان: غرفة عمليات تركية سرية، مليئة بالخرائط وأجهزة التجسس، وصناديق الذخيرة، وبعض الشاي التركي الثقيل).
المشهد العاشر: فضيحة البرلمان
(الجنرال محمد باشا يجلس على مكتبه، ويدخل فجأة إردم إردم - برلماني تركي معارض - يحمل ملفاً ضخماً).
إردم: أيها الجنرال، بحكم صلاحياتي البرلمانية، أطلب منك تفسير هذه الوثائق! (ينشر الملف على المكتب): هذه فواتير شراء مواد كيماوية من شركة "كيميكال تورك" بتاريخ... وهذه جداول شحن إلى الحدود السورية... وهذه مراسلات رسمية تثبت تورط جهاز المخابرات في عملية النقل!
الجنرال (يبتسم بهدوء، يشرب رشفة من الشاي): سيد إردم، كم مرة أخبرتك... الوثائق الرسمية لا تهم أحداً! الأهم هو "الفيديو المتداول على يوتيوب"! هذه وثائق؟ يمكنك حرقها، أو تصويرها ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، أو استخدامها في تحقيق استقصائي بعد خمس سنوات... لكن لا تستخدمها الآن، لأنها ستدمر "السردية"!
إردم: ولكني أريد العدالة! هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم!
الجنرال (يقترب منه، يربت على كتفه): العدالة؟ هذه كلمة غربية قديمة، استبدلناها بـ"السبين دكتور"... تسأل هرش؟ هو أيضاً بحث عن العدالة فوجد "الخط الأحمر" وخط الجرذان... ولم يجد سوى النسيان الإعلامي! تعال، اشرب شاياً، وانسَ الوثائق!
إردم (يغادر غاضباً، لكنه يلتقط صورة للوثائق بهاتفه): سأنشرها في المؤتمر الصحفي غداً!
الجنرال (يصيح خلفه): أنشر ما شئت... سنقول إنها مزورة، ثم نمنحك جائزة "أفضل سياسي مكشوف" بعد شهرين! فهذه هي اللعبة يا عزيزي!
المشهد الحادي عشر: تحقيقات هيرش الصامتة
(جلال يجلس في مختبره، يشاهد مقابلة تلفزيونية خيالية لسيمور هرش وهو يتحدث).
هرش (على الشاشة): لقد كشفتُ أدلة على أن شبكات تهريب من تركيا كانت تنقل السارين إلى سوريا، وأن الجانب التركي كان على علم بذلك... لكن لا أحد يصدقني! ربما لأنني قلت الحقيقة مبكراً جداً! كان عليّ الانتظار حتى يتحول الأمر إلى "تريند" على تويتر!
جلال (يغلق التلفاز، يتأمل): يا هرش... لقد قلت الحقيقة لكنك نسيت أن الحقيقة في عصرنا تحتاج إلى "مونتاج" وإخراج وموسيقى تصويرية ومؤثرات بصرية... الحقيقة وحدها لا تكفي، إنها كفيلم صامت في عصر السينما الناطقة!
أم كلثوم (تدخل): من هذا الرجل يا بني؟
جلال: هذا هرش... رجل حاول فضح المؤامرة، لكنهم فضحوه هو بدلاً من ذلك! (يضحك)
أم كلثوم: إذاً نحن لسنا وحدنا في هذه المسرحية!
جلال: لا يا خالة... نحن جميعنا ممثلون، لكن البعض يعرف أنه يمثل، والبعض يظن أنه حقيقي... وهرش كان من النوع الثاني! لذلك خانه التوفيق!
المشهد الثاني عشر: اعترافات أبو حذيفة
(مشهد يصور أبو حذيفة وهو يعترف في فيديو مسرب، لكن الفيديو مفبرك بدوره!).
أبو حذيفة (في الفيديو): نعم، أنا من استخدم السارين في الغوطة، ونعم، حصلنا على المواد من تركيا، ونعم، صورنا الفيديوهات التمثيلية قبل الهجوم... لكن هذا لا يهم! الأهم أن النظام هو المسؤول في الإعلام الغربي! (يضحك)
المعلق الصوتي: هذا الفيديو "مسرب" من مصادر معارضة، ويهدف إلى تبرئة النظام! (يظهر نص أسفل الشاشة: "لا تصدقوا ما ترونه").
رياض (في المختبر، يعلق): انظر يا جلال... حتى اعترافاتهم مزورة! أصبح التزوير صناعة وطنية في المنطقة بأكملها!
جلال (يقهقه): نحن بحاجة إلى اعترافات "مضادة" تعترف بأن الاعترافات مزورة... ثم اعترافات تعترف بأن تلك الاعترافات مزورة أيضاً... وهكذا إلى ما لا نهاية! هذه "ديمقراطية اللانهاية"!
المشهد الثالث عشر: محكمة الفشار
(المشهد ينتقل إلى محكمة خيالية، القاضي فاروق يرتدي خوذة بيضاء ويأكل الفشار بشراهة).
القاضي: بعد مراجعة جميع الأدلة المقدمة من جميع الأطراف... أجد أن النظام استخدم الكيماوي، والجهاديين استخدموه، وتركيا نقلته، وقطر مولته، والغرب زوره، والصحفيون فبركوه، والضحايا مثلوه، وأم كلثوم ماتت خمسين مرة في التلفاز لكنها حية هنا! (يقضم فشاراً)
المحامي: فماذا تحكم يا سيادة القاضي؟
القاضي: أحكم بأن جميع الأطراف مذنبة... لكن لا يمكن معاقبة أي أحد، لأن إلقاء القبض عليهم سيلغي الحاجة إلى فيلم "الموت المعلن" الموسم القادم! (يضحك)
السفير (يقف من بين الجمهور): هل يمكن أن نصدر بياناً يدين النظام وحده، ونعتبر الأدلة الأخرى "شائعات"؟
القاضي: موافق! البيان يصدر فوراً... أما الأدلة الحقيقية، فسنضعها في أرشيف "القضايا المعلقة" إلى الأبد! (يصفق الجميع)
المشهد الرابع عشر: جلسة التصوير الأخيرة
(أبو حذيفة يقف على مسرح، ويخاطب جمهوراً من الجهاديين المتحضرين).
أبو حذيفة: أيها الإخوة، انتهت المرحلة الأولى من ثورتنا... لقد نجحنا في تشويه صورة النظام، وفبركة جرائمه، وتضليل الرأي العام العالمي... الآن ندخل المرحلة الثانية: حكم دمشق! (تصفيق)
أحد الجهاديين: وماذا سنفعل بعد حكم دمشق؟
أبو حذيفة: سنطلب اللجوء السياسي في أوروبا! لأن سوريا ليست لنا، بل ورقة ضغط! سنحكمها سنة، ثم نتركها تعاني من الفوضى، ونطلب من الأمم المتحدة التدخل! خطة عبقرية!
السفير (يدخل من خلف الكواليس): ممتاز! هذا هو النموذج الذي نريده تماماً... ثوار يحكمون ثم يرحلون، تاركين خلفهم خراباً يبرر التدخل الدولي! سأمنحك جائزة "أفضل قائد معتدل" في نهاية العام!
أبو حذيفة: لكن... هل ستعترف بنا دولياً؟
السفير: بالطبع! لكن بعد أن نعيد تمثيل مشهد الكيماوي مرة أخرى... لأن الجمهور الغربي نسي المشهد السابق، ويحتاج إلى تجديد!
المشهد الخامس عشر: صرخة الحقيقة
(جلال يظهر على المسرح، يصرخ بغضب مسرحي).
جلال: توقفوا! هذا كله جنون! نحن نصنع قصة لا علاقة لها بالواقع، ونبيعها للعالم كأنها حقيقة! الشعب السوري يعاني حقاً، لكن ليس من الكيماوي... من كذبكم ومن تلاعبكم بمصيره!
السفير (يضحك): أيها الدكتور، كلامك مؤثر جداً... هل ترغب في الانضمام إلى فريقنا؟ نحن بحاجة إلى "صوت معارض من الداخل" لإضفاء المصداقية!
جلال: أنا لست معارضاً... أنا إنسان يحاول البقاء على قيد الحياة في هذا الزمن المجنون!
أبو حذيفة: إذن أنت خائن! (يرفع كاميرته لتصويره): هذا سيصبح فيديو "فضيحة"... سنعرضه على الجزيرة!
جلال: صورتني؟ لا بأس... سأصورك أنت أيضاً، وسنتبادل الأدلة المزورة، وسنربك الجميع! هذه هي اللعبة الجديدة: من يصور الأكثر يكسب!
(الجميع يخرج كاميراته ويبدأ بالتصوير المتبادل، في مشهد عبثي).
…………
الفصل الرابع: الدمى تتحرك
(الزمان: بعد يوم من المؤتمر، المكان: مختبر جلال من جديد، لكنه الآن مليء بالكاميرات والصناديق والملفات المزورة).
المشهد السادس عشر: جرد البضاعة
جلال (يجلس على الأرض، يفرز ملفاته): دعنا نعدّ ما لدينا... وثائق مزورة من تركيا... شيكات من قطر... فيديوهات من الخوذ البيضاء... اعترافات من أبو حذيفة... وتقارير أممية تقول "لم يتأكد بعد"! (يضحك ساخراً): هذا "الكنز الوطني" الجديد لسوريا!
أم كلثوم: يا بني، ماذا سنفعل بكل هذا؟
جلال: سنصنع فيلماً وثائقياً يكشف كل شيء... لكننا سنحتاج إلى تمويل أوروبي، وإخراج أمريكي، وتوزيع تركي، وممثلين قطريين... هذا يعني أننا سنصبح مثلهم في النهاية! (يغلق عينيه)
أم كلثوم: إذاً لا حل؟
جلال: هناك حل واحد... أن نكتب مسرحية عن كل هذه المهزلة، ونعرضها على مسرح صغير... لا تمويل، لا دعاية، لا كاميرات... فقط نحن والجمهور الصادق!
أم كلثوم: ومن سيحضر؟
جلال: من لا يصدق التلفاز... أي العقلاء الأقلية المهددة بالانقراض! (يقهقه)
المشهد السابع عشر: مراسلات دولية
(جلال يكتب رسالة إلى الأمم المتحدة، بصوت ساخر).
جلال: "سعادة السكرتير العام، نرسل لكم ملفاً كاملاً بالأدلة التي تثبت تورط أطراف متعددة في جرائم الكيماوي بسوريا... نطلب منكم فتح تحقيق دولي... ننتظر ردكم خلال العشرين عاماً القادمة، لأنكم مشغولون بتوزيع المناصب والشهادات التقديرية!" (يمزق الورقة): لا فائدة... هم جزء من اللعبة!
أم كلثوم: سبحان الله... حتى الأمم المتحدة صارت مسرحية!
جلال: هي مسرح أكبر... به ممثلون أكثر وخوذات أكثر بياضاً! (يضحك)
المشهد الثامن عشر: اختبار الكيماوي
(يدخل عزام ومعه رياضي الممثل).
عزام: الدكتور، نحن بحاجة إلى اختبار غاز جديد... نريد مشهداً مختلفاً، "كيماوي عصري" يظهر على أنه روسي المنشأ هذه المرة!
جلال: لماذا الروسي؟
عزام: لنوازن السردية! النظام حليف روسي، فإذا اتهمناه باستخدام كيماوي روسي، نضيف بُعداً دولياً للقصة!
جلال (يرتجف ساخراً): عبقري! نحن لا نصنع جرائم، بل نصنع "سرديات درامية" تصلح لجميع الأذواق السياسية! تفضلوا... هذا أنبوب "السارين التركي المعدل" الذي حصلنا عليه من قطر... استخدموه، لكن لا تنسوا تصوير انفعالات رياض بشكل مقنع!
رياض: لقد تدربت على ثلاثة أنواع من الموت الكيماوي... الموت البطيء، والموت السريع، والموت المعلق الذي يجعلك تبدو وكأنك ميت لكن يمكنك النهوض بعد التصوير!
جلال: رائع! أنت أستاذ... تستحق جائزة نوبل في التمثيل الكيماوي!
المشهد التاسع عشر: اجتماع الجهاديين المتطورين
(أبو حذيفة يجمع قادته في خيمة فخمة مزودة بشاشات بلازما).
أبو حذيفة: أيها الإخوة، لقد تلقينا اليوم طلباً جديداً من السفير الغربي... يريد منا تنفيذ هجوم كيماوي في حلب، وتصويره بدقة عالية، وإلقاء اللوم على النظام... لكن هذا الهجوم سيكون "مزدوجاً"!
القائد الثاني: ماذا يعني مزدوجاً؟
أبو حذيفة: يعني أن نستخدم غازاً حقيقياً في منطقة غير مأهولة، ثم نصور "ضحايا وهميين" في منطقة ثانية، ونخلط المشاهد بحيث يصبح من المستحيل التحقق من أي شيء! هذه "ثورة صناعة المحتوى"!
القائد الثالث: لكن بعض جنودنا قد يتأثرون بالغاز الحقيقي!
أبو حذيفة: ليصبحوا شهداء حقيقيين! هذا يضيف مصداقية للمشهد... "استشهاد حقيقي في فيلم مزور"! هذا يسمى "المونتاج الواقعي"! (يضحك الجميع)
المشهد العشرون: تدخل عاجل
جلال (يدخل الخيمة، مصدوماً): هل تدركون ما تفعلونه؟ أنتم تقتلون الناس حقيقة لتبرروا كذبكم إعلامياً؟
أبو حذيفة (يقف): أيها الكيميائي، أنت تتحدث كأنك خارج اللعبة... كلنا في هذه المسرحية، بعضنا يموت حقيقة، وبعضنا يموت تمثيلاً، والجمهور يصفق في النهاية! هذا هو "فن الحرب" الجديد!
جلال: لكنني لن أشارك في هذا الجنون!
أبو حذيفة: أنت تشارك بالفعل، بمجرد وجودك هنا، وبمجرد أنك صنعت غاز الضحك الذي قمنا بتحويله إلى غاز حقيقي بقليل من التعديل... أنت جزء من المسرحية يا دكتور، سواء أحببت أم لا! (يخرج مسدساً)
جلال: تهديد؟!
أبو حذيفة: لا، هذا من باب "الإثارة الدرامية"! لأن الجمهور يحب التشويق! (يضحك، يخفي المسدس)
…………..
الفصل الخامس: الضحكة الأخيرة
(الزمان: ليلة التصوير النهائي، المكان: مسرح حقيقي يتسع لجمهور خيالي، لكنه يعكس واقعاً).
المشهد الحادي والعشرون: تجهيز المسرح
(جلال وأم كلثوم وعزام ورياض وأبو حذيفة والسفير يلتقون على خشبة مسرح حقيقية، الجمهور يتكون من دمى خشبية).
جلال: أيها الأصدقاء، هذه هي الليلة الأخيرة... سنقدم عرضاً واحداً فقط... بعدها نغلق الستائر إلى الأبد!
السفير: لكن لدي استثمارات كبيرة في هذه القصة!
جلال: استثماراتك ستنتهي بقدر ما ينتهي الكذب... وسيبدأ الجمهور بطرح الأسئلة الصعبة!
أبو حذيفة: ومن سيصدقهم؟ وسائل الإعلام لنا!
جلال: وسائل الإعلام لكم الآن... لكن الحقيقة، مهما تأخرت، ستنكسر قشورها في النهاية! (يصرخ) فلنبدأ العرض الأخير!
المشهد الثاني والعشرون: البروفة النهائية
(رياض يرتدي خوذته البيضاء، يستعد لتأدية مشهد الموت رقم 51).
رياض: هذه المرة سأموت بشكل مختلف... سأضيف لمسة "تعبيرية" على وجهي، كأنني أرى الجنة قبل الموت، ثم اسقط برشاقة... الإخراج يتطلب جديداً!
جلال (من وراء الكاميرا): لا تبالغ يا رياض... تذكر أن الموت الكيماوي مؤلم، وليس رقصة باليه!
أبو حذيفة: دعه يبدع... ربما نرشحه للأوسكار هذا العام!
السفير: أحسنت! الموت السوري يحتاج إلى بصمة فنية!
(رياض يموت تمثيلاً بشكل درامي مبالغ فيه، الجمهور الدمى يصفق تلقائياً).
المشهد الثالث والعشرون: انهيار الجدار الرابع
جلال (يتقدم إلى مقدمة المسرح، يخاطب الجمهور الخيالي): أيها السيدات والسادة، ما ترونه هنا هو مسرحية عن مسرحية... كل ما حدث في سوريا من ملف الكيماوي كان "مسرحاً داخل مسرح"... أطراف دولية تمول، وفصائل تنفذ، وإعلام يروّج، وشعب يدفع الثمن!
السفير (يحاول إيقافه): لا تقل هذا... سنفقد التمويل!
جلال: التمويل؟! لقد فقدنا إنسانيتنا منذ زمن طويل! نعم، النظام له أخطاؤه، لكن هل هذا يبرر استخدام قضية كيميائية لقلب المنطقة؟
أم كلثوم: يا ولدي، أمسكي لسانك!
جلال: لا، هذه هي اللحظة التي كنا ننتظرها... أن يقول أحدهم الحقيقة، مهما كانت سخيفة في هذا الزمن!
المشهد الرابع والعشرون: ردود فعل اللاعبين
أبو حذيفة: إذا قلتَ الحقيقة، ستقتلك الجهات التي تموّلنا... أنا لا أمزح هذه المرة!
جلال: اقتلني... لكن جثتي ستكون دليلاً آخر على هذه المسرحية السخيفة! سأكون "الشهيد الحقيقي" في فيلم مزور آخر! هذا عبثي، لكنه واقعي!
عزام: تعال نتفق... لنقل إن الكيماوي استخدمه النظام، وسنحصل على التمويل، ونواصل اللعبة... لماذا نعقد الأمور؟
جلال: لأن الضحايا الحقيقيين لا يموتون تمثيلاً... لأن هناك أطفالاً في سوريا يموتون من الجوع والقصف، بينما نصنع هنا أفلاماً عن "موت وهمي" لخدمة مصالح دولية!
السفير: كلام جميل... لكن السينما الدولية لا تهتم بالجوع، بل تهتم بالمشاهد المثيرة!
المشهد الخامس والعشرون: الخاتمة الساخرة
(جلال ينظر إلى الجمهور الخيالي، ثم يلتفت إلى شخصيات المسرحية).
جلال: لننهِ هذا العرض ونحن نضحك... لأن البكاء لن يغير شيئاً! فلنقل معاً:
الكل (بصوت واحد): نحن نقتل الحقيقة، ونحيي الكذب، نمنح الجوائز للقتلة، ونسجن الشهود، لكن القصة لا تنتهي... لأنها تُعاد كل مساء على شاشاتكم، بتمويل منا جميعاً، وبرعاية الناتو! (ضحك هستيري)
المشهد السادس والعشرون: إسدال الستار
(تموت الأنوار تدريجياً، ويتحرك الممثلون في ظلام، وتُسمع ضحكاتهم المزيفة، ثم صوت خاتمة مكتوبة على الشاشة).
النص الخاتم: "هذه المسرحية مستوحاة من أحداث حقيقية... لكن الأحداث الحقيقية أكثر عبثاً مما في المسرحية... فلا تستغربوا ما سترونه غداً على الأخبار."
…………….
الفصل السادس: تكملة السخرية الأخيرة
(نعود إلى المسرح وقد عادت الأنوار بشكل خافت، الممثلون يجلسون على كراسي خشبية، ينظرون إلى الجمهور الخيالي بابتسامة صفراء).
المشهد السابع والعشرون: حوار ما بعد العرض
أم كلثوم: يا ولدي، هل ينتهي العرض حقاً هنا؟
جلال: لا يا خالة، العرض مستمر في الواقع... كل يوم نكتشف مشهداً جديداً، وفبركة جديدة، واتهاماً جديداً... المسرحية لا تنتهي، لأن الممثلين لا يريدون نهاية لها!
عزام: لكني سئمت التمثيل... أريد أن أكون صحفياً حقيقياً يوماً ما!
السفير: هيه... صحفي حقيقي؟ هذا غير موجود في عصرنا! الصحفي الحقيقي انقرض مثل الديناصورات... الآن هناك "منتجو محتوى"!
رياض: وأنا سئمت الموت... 51 مرة كافية لتجعل أي إنسان يطلب العيش ولو لفترة قصيرة!
أبو حذيفة: لكن الموت يدرّ أموالاً طائلة! (يضحك)
جلال: هذه هي الكارثة... أن الموت صار سلعة، والجوع سلعة، والدم سلعة... والكل يتاجر بها بينما الشعب يموت حقيقة!
المشهد الثامن والعشرون: التقرير الختامي
(القاضي فاروق يظهر على شاشة مسرح، يأكل فشاراً، ويتحدث كالمذيع).
القاضي: أيها المشاهدون الكرام... بعد متابعتنا لهذه المسرحية التراجيكوميدية، نقدم لكم التقرير النهائي:
1. النظام السوري متهم من الجميع، لكن الأدلة ضده "غير حاسمة". 2. الفصائل الإرهابية متهمة من بعضهم، لكن تمويلها الغربي يجعلها "ضحايا" في الإعلام. 3. تركيا وقطر ترفضان التعليق، بينما الأدلة تشير إليهما بوضوح. 4. الغرب يندد بكل شيء ويمول كل شيء، وهذا هو "التناقض الدائم". 5. الشعب السوري هو الخاسر الوحيد في كل الأحوال.
جلال (يصرخ للشاشة): وهل من عقاب لهؤلاء؟
القاضي: العقاب؟! (يبتلع فشاراً): سيلقون جوائز دولية، وخطابات تكريم، وتمويلاً سخياً... أما العقاب الحقيقي، فسيكون نسيان العالم لهذه القصة بعد سنوات، وظهور قصة جديدة فيها أبطال جدد وضحايا جدد!
أم كلثوم: هذا مؤلم...
القاضي: الألم جزء من "الدراما" يا سيدتي! المسرح التجاري يحتاج إلى الألم، وإلا مات الملل وانهار التمويل! (يختفي)
المشهد التاسع والعشرون: بكاء الضحكة
جلال (يقف في منتصف المسرح، صامتاً لوهلة): أيها الأصدقاء... عندما بدأنا هذه المسرحية كنا نضحك ساخرين من العبث... لكني الآن أشعر أن الضحكة بدأت تتحول إلى بكاء... هل هذا طبيعي في المسرح التراجيكوميدي؟
أم كلثوم: يا بني، البكاء والضحك وجهان لعملة واحدة اسمها "السخرية"... عندما ترى العالم يموت لأجل الكذب، لا تجد إلا الضحكة العصبية هي المخرج!
عزام: أنا سأترك الصحافة وأفتح مطعماً... على الأقل الطعام حقيقي، ولا يحتاج إلى تمويل قطر!
رياض: وأنا سأعتزل التمثيل... سأعمل مهرجاً في سيرك... هذا أقرب إلى الحقيقة مما نفعله الآن!
أبو حذيفة: وأنا؟!
جلال: أنت ستواصل التمثيل حتى تصبح "جهادي معتدل" يحظى بقبول دولي! هذه هي نهاية شخصيتك!
أبو حذيفة: لكني لا أريد هذه النهاية!
جلال: المسرح لا يسأل الشخصيات... المسرح يكتبها كما يشاء، وكما يشاء المموّلون! (يضحك بمرارة)
المشهد الثلاثون: الستار يبقى مرفوعاً
(جميع الشخصيات تقف في صف واحد، تنظر إلى الأمام، وتتحدث كورساً مسرحياً).
الكورس: أيها السادة، هذه المسرحية لا تنتهي بهذا الستار... لأن الحدث مستمر في كل زاوية من سوريا، وفي كل مكتب تحرير غربي، وفي كل غرفة عمليات تركية، وفي كل مجلس وزراء قطري، وفي كل خيمة جهادية، وفي كل مختبر كيميائي وهمي.
نحن ممثلون، وكلنا ممثلون، لكن بعضنا يصدق أنه حقيقي، وبعضنا يتمنى لو كان حقيقياً، والكل يعرف أنه يمثل... لكن أحداً لا يريد النزول عن المسرح، لأنه خارج المسرح... هناك واقع لا يحتمل!
(ينطفئ النور، ويُسمع صوت جلال وحده في الظلام).
جلال: النهاية... أم البداية؟ لا أعرف... لكنني أعرف أنني سأظل هنا، في هذا المختبر المهجور، أحضر غاز الضحك... وأنتظر اليوم الذي يضحك فيه الجميع حتى البكاء، ثم يبكون حتى الضحك، ثم يكتشفون أن كل شيء كان مسرحية... وأن المأساة الحقيقية هي أنهم لم ينتبهوا إلا بعد فوات الأوان!
(يُسدل الستار ببطء، لكنه يبقى مرفوعاً قليلاً، وكأنه يقول: القصة لم تنتهِ بعد).
خاتمة المؤلّف
هذه المسرحية ليست دعوة للتشكيك في معاناة السوريين، بل دعوة للتفكير في كيفية توظيف معاناتهم سياسياً وإعلامياً. إنها صرخة في وجه من يلعبون بمصائر الشعوب تحت راية "العدالة" و"الديمقراطية" بينما يموت الأبرياء فعلياً. السخرية هنا ليست هدفاً، بل وسيلة لكشف التزييف الذي يمارسه الجميع، بدرجات متفاوتة.
إذا ضحكت وأنت تقرأ، فاعلم أنك تبكي في داخلك... وإذا بكيت، فاعلم أن الضحكة على وشك أن تنفجر... هذه هي طبيعة التراجيكوميديا في زمننا هذا.
النهاية (أو البداية... بحسب مزاج المموّل!)
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق تو
...
-
الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء.. مسرحية كوميدية في
...
-
بين أكذوبة ال65 مليار برميل والهندسة الإمبريالية الجديدة ..
...
-
راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار
-
الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب
-
دراسة مقارنة: كتابي -خرائط الرماد- في سياق أدب التحولات الكب
...
-
سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاج
...
-
حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
-
-سَرَابِيّاتُ الْحَقِيقَةِ-.. مسرحية في ثلاثة فصول
-
بين استعراض فنزويلا ورصاصة إيران: قراءة في انتحار ترامب السي
...
-
قراءة في انهيار مملكة آل سعود الريعية تحت وطأة الحصار اليمني
-
أميركا تتغيّر... والكيان يتصدّع: كيف يعيد الرأي العام الأمير
...
-
محور المقاومة كقوة عظمى صاعدة : عندما تحدد المضائق شكل الاقت
...
-
دراسة مقارنة في جرائم النظام وسيرورة الفساد في روايتي البولي
...
-
كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي
-
تركيا بين الأرقام اللامعة والواقع المتآكل .. قراءة تنموية في
...
-
دمشق... مدينة تتداعى على وقع انهيار السلطة الانتقالية
-
الأمان الوجودي… الدواء الذي يُقلّص الأمراض ويُنعش ميزانيات ا
...
-
بيت شيمش: الانفجار الذي لم يُعلن
-
سيمفونية الانهيار الساخرة: دليل المبتدئين لصناعة -خبر- عن إي
...
المزيد.....
-
سوريا ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب في دورته الـ25
-
بورنهام يتراجع عن دعمه إعادة منحوتات البارثينون إلى اليونان
...
-
-على غفلة-.. الكهرباء تطفئ حفل مروان خوري وتضع حدا للسهرة (ف
...
-
200 فنان عالمي يطالبون مهرجان فينيسيا بوقفات جادة دعما لفلسط
...
-
نجم أمريكي يتعرض لموقف محرج على المسرح (فيديو)
-
فرنسا تستقبل 44 عالما وفنانا فلسطينيا من قطاع غزة
-
مركز دراسة الرأي العام يؤكد النزعة نحو ارتفاع عدد الراغبين
...
-
مصر.. اكتشاف مقبرة فرعونية في البوباسطيون
-
تشاركها المخرجة اللبنانية مونيا عقل.. بطلة -تايتانيك- تعود ل
...
-
أساتذة مؤهلون وطلاب مجتهدون.. كيف تزدهر العربية في شوارع كاب
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|