|
|
دراسة نقدية مقارنة بين روايتي- ثياب الامبراطور النفطية -وأشهر الروايات الساخرة في أدب السلطة والتضليل
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 09:27
المحور:
الادب والفن
بين مملكة المرايا المكسورة ومزارع الحيوانات المسيّسة
دراسة نقدية مقارنة بين رواية" ثياب الامبراطور النفطية أو "الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء" وأشهر الروايات الساخرة في أدب السلطة والتضليل
مقدمة: في مرايا الأدب تنكشف الإمبراطوريات
عندما كتب هانس كريستيان أندرسن حكاية "ثياب الإمبراطور الجديدة" عام 1837، لم يكن يعلم أنه يمنح العالم استعارة خالدة ستعبر القرون وتتجاوز الحدود، لتصبح مرآة تعكس زيف السلطة في كل زمان ومكان. فالحكاية التي بدت للوهلة الأولى مجرد قصة أطفال عن إمبراطور مخدوع، تحولت إلى أيقونة ثقافية تختزل ظاهرة "الجهل التعددي" التي وصفها المفكرون، حيث يخاف الجميع من الاعتراف بأنهم لا يرون شيئاً، فيستمرون في التظاهر بأنهم يرون ثوباً لا وجود له. وهذا بالضبط ما تعالجه روايتنا "الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء"، حيث الإمبراطور دونالدو لا يرتدي ثياباً جديدة فحسب، بل يخترع مملكة بأكملها من الأكاذيب، ثم يصدق كذباته لأنه يظن أن الآخرين يصدقونها، وهكذا تدور عجلة الوهم التي لا تتوقف إلا بسقوط الإمبراطورية.
غير أن الإمبراطور الذي يخلع ثيابه في روايتنا يختلف عن إمبراطور أندرسن اختلافاً جوهرياً. فإمبراطور أندرسن كان ضحية خداع وخوف من الفضيحة، أما إمبراطورنا دونالدو فهو ليس ضحية، بل هو صانع الخداع نفسه. إنه لا يكتفي بارتداء ثياب وهمية، بل يخترع حقائق وهمية بأكملها، ويصنع سرديات موازية تعيد تشكيل العالم حسب مزاجه. وكما يقول المهرج بييرو في الرواية: "الإمبراطور لا يكذب لأنه يجهل الحقيقة، بل يكذب لأن الكذب أصبح منهجه، والمنهج لا يُسأل عنه، بل يُمارس."
في هذه الدراسة، نحاول أن نضع روايتنا في سياقها الأدبي، ونقارنها بأشهر الأعمال التي تناولت ظاهرة السلطة الكاذبة والتضليل السياسي، من حكاية أندرسن الخالدة، إلى مزرعة الحيوانات لأورويل، إلى مؤامرة ضد أمريكا لروث، لنرى كيف تعيد الرواية اكتشاف النماذج الكلاسيكية وتضيف إليها بعداً جديداً، بعداً يجمع بين السخرية الشكسبيرية، والرمزية الأورويلية، والسيرة الذاتية البديلة التي اشتهر بها روث. وكما سنرى، فإن روايتنا لا تقف في ظل هذه الأعمال العظيمة، بل تتخذ منها منطلقاً لتقديم رؤية جديدة، رؤية تناسب عصر ما بعد الحقيقة، حيث لم تعد الكذبة مجرد انحراف، بل أصبحت نظام حكم متكاملاً.
في محكمة الإمبراطور العاري - جدلية المهرج في مواجهة السلطة
1.1 إمبراطور أندرسن والجهل التعددي
في الحكاية الشهيرة، يظهر الإمبراطور عارياً تماماً في موكب احتفالي، لكن لا أحد يجرؤ على قول الحقيقة. فالوزراء يخشون الاعتراف بأنهم لا يرون شيئاً، لئلا يوصفوا بالحمقى أو غير الأكفاء. والحاشية تتبعهم خشية الفضيحة. والرعية في الشوارع تردد عبارات الإعجاب لأنها تخشى أن تكون وحدها التي لا ترى الثوب السحري. يصف المحللون هذه الظاهرة بـ"الجهل التعددي"، حيث يعتقد الجميع أن الآخرين يعرفون ما لا يعرفونه هم، فيستمرون في التظاهر بأنهم يعرفونه أيضاً. وهنا يأتي دور الطفل، ذلك الصوت البريء الذي لا يعرف الخوف الاجتماعي ولا يخضع لقوانين البلاط، فيصرخ: "لكنه عارٍ!" فتنكشف الحقيقة بكل بساطة.
في روايتنا، يستعير المهرج بييرو دور هذا الطفل، لكن مع فرق كبير. فالطفل في حكاية أندرسن يقول الحقيقة عن طريق الصدفة، بينما المهرج بييرو يقولها عن قصد، عن وعي، عن معرفة مسبقة بحقيقة الإمبراطور. بييرو ليس بريئاً، بل هو حكيم في ثوب مهرج. إنه يعرف أن الإمبراطور عارٍ، لكنه يختار أن يقول الحقيقة ليس بصيغة الصراخ، بل بصيغة الضحك والسخرية. يقول بييرو في الرواية: "المهرج الذي يضحك على الكذبة، لا يخاف منها... ومن لا يخاف من الكذبة، يستطيع أن يواجهها." وهذه هي فلسفته في مواجهة السلطة.
1.2 المهرج الشكسبيري بين الحقيقة والهزل
لم يخترع أحد دور المهرج الناقد أفضل من شكسبير. ففي مسرحياته، كان المهرج يتمتع بامتياز فريد: امتياز قول الحقيقة دون عقاب، لأن كلامه يُقرأ في سياق الهزل لا الجد. في "الملك لير"، يقول المهرج للحقيقة ما لا يجرؤ أي وزير على قوله. وفي "هاملت"، يلعب المهرج دور الكاشف للزيف تحت غطاء الجنون. وهذا ما يفعله بييرو في روايتنا تماماً.
لكن بييرو يختلف عن المهرج الشكسبيري في شيء جوهري: بينما كان المهرج الشكسبيري يبقى في بلاط الملك حتى النهاية، يمر بييرو برحلة تحول. يبدأ كمهرج تقليدي، يقفز ويضحك ويسخر، لكنه في النهاية يخلع قناعه ويترك القصر ليصبح معلماً. هذه الرحلة تعكس تحولاً في وظيفة السخرية ذاتها: من كونها أداة مقاومة داخل نظام السلطة، إلى كونها أداة بناء خارج النظام. يقول بييرو في الرواية: "لقد حان الوقت لأخلع قناع المهرج إلى الأبد... لأذهب لأعيش بين الناس... لأكون معلماً... لأعلم الأطفال كيف يميزون بين الحقيقة والكذب."
1.3 إمبراطورنا دونالدو: من الضحية إلى صانع الوهم
إذا كان إمبراطور أندرسن ضحية للخداع، فإن إمبراطورنا دونالدو هو صانع الخداع. وهذا فرق جوهري يحمل دلالات عميقة. إمبراطور أندرسن يمثل السلطة التقليدية التي تقع فريسة لمكائد النصابين، أما إمبراطورنا دونالدو فيمثل السلطة الجديدة التي تخلق أكاذيبها بنفسها، ثم تصدقها لأنها تخدم مصالحها. يقول الإمبراطور دونالدو في الرواية: "كل كذبة أقولها تصبح حقيقة بمجرد أن أقولها! هذا هو قانون الإمبراطورية الجديد: أن تقول، فهو يحدث!"
هذا التحول من السلطة الضحية إلى السلطة الصانعة للأكاذيب يعكس تحولاً في طبيعة الحكم في عصر ما بعد الحقيقة. لم يعد الكذب مجرد وسيلة لإخفاء الحقيقة، بل أصبح وسيلة لإنتاج حقائق جديدة، حقائق موازية تتسابق مع الواقع وتتفوق عليه في بعض الأحيان. وكما يقول أمين المكتبة في الرواية: "في عالمٍ كهذا، يصبح كشف الكذب ليس فعلاً صحفياً فقط، بل فعلاً مقاومة معرفياً."
………
مزرعة الحيوانات في قصر الإمبراطور - قراءة في استعارة السلطة المطلقة
2.1 أورويل والفضح عبر الاستعارة الحيوانية
عندما كتب جورج أورويل "مزرعة الحيوانات" عام 1945، كان يهدف إلى فضح نظام ستالين في الاتحاد السوفيتي، لكنه فعل ذلك عبر استعارة بارعة: مزرعة تنتفض على مالكها الإنساني، ثم تستبدل طغياناً بطغيان آخر، حيث تستولي الخنازير على السلطة وتصبح نسخة طبق الأصل عن المستعمرين السابقين. قال أورويل عن غرضه: "كتبت هذه الرواية ضد نظام ستالين، لكني هاجمت أكثر من الشيوعية، هاجمت كل أشكال الحكم الشمولي".
في روايتنا، تظهر استعارة مشابهة، لكن بدلاً من المزرعة، لدينا القصر. وبدلاً من الخنازير، لدينا الإمبراطور دونالدو. وبدلاً من البيض واللبن، لدينا النفط الوهمي. لكن الآلية واحدة: استبدال طغيان بطغيان، واستبدال كذبة بكذبة أكبر، وإعادة إنتاج نظام القمع تحت شعارات جديدة. وكما تغير الخنازير في مزرعة أورويل شعار "جميع الحيوانات متساوية" إلى "جميع الحيوانات متساوية، لكن بعضها أكثر مساواة"، يغير إمبراطورنا دونالدو عبارة "الحقيقة هي ما أراه" إلى "الحقيقة هي ما أقوله".
2.2 الكرنفال الباختيني في مزرعة أورويل وفي قصر الإمبراطور
يطبق الناقد ميخائيل باختين مفهوم "الكرنفال" على مزرعة الحيوانات، حيث يرى أن ثورة الحيوانات على المزارع جونز تمثل تعليقاً مؤقتاً للتسلسل الهرمي، وهو ما يشبه الكرنفالات في العصور الوسطى حيث يصبح المهرج ملكاً والملك مهرجاً. لكن سرعان ما يتحول هذا الكرنفال إلى نظام شمولي جديد، حيث يعيد نابليون الخنزير إنتاج التسلسل الهرمي نفسه تحت مسميات جديدة.
في روايتنا، نرى كرنفالاً مشابهاً. إمبراطورنا دونالدو يقلب المفاهيم رأساً على عقب: يصبح الكذب حقيقة، والوهم واقعاً، والمهرج حكيماً، وأمين المكتبة بطلاً. لكن الكرنفال هنا ليس ثورة شعبية، بل مسرحية إمبراطورية. إنه كرنفال يخلقه الإمبراطور نفسه ليحافظ على سلطته، وليس كرنفالاً يخلقه الشعب ليحرر نفسه. يقول المهرج بييرو ساخراً: "في مملكة الإمبراطور، الحلم يسبق الواقع، والبيان يسبق الحدث، والإعلان يسبق التنفيذ، والكذبة تسبق الحقيقة بثلاث مراحل!"
2.3 من مزرعة أورويل إلى قصر الإمبراطور: تطور الاستعارة الساخرة
إذا كانت مزرعة أورويل تستعير صورة المزرعة الإنجليزية، فإن روايتنا تستعير صورة القصر الإمبراطوري. وهذا التحول في الاستعارة يعكس تحولاً في طبيعة السلطة نفسها. ففي زمن أورويل، كانت السلطة شمولية واضحة المعالم، تستخدم القمع المباشر والترهيب. أما في زمن روايتنا، أصبحت السلطة أكثر تعقيداً: إنها سلطة تقوم على الإعلام، على السردية، على الأكذوبة التي تصدقها قبل أن يصدقها الآخرون. يقول أمين المكتبة في الرواية: "الإمبراطور دونالدو يبني إمبراطوريته على أكذوبة واحدة كبيرة، والأكذوبة الواحدة الكبيرة تحتاج إلى مئات الأكاذيب الصغيرة لتستمر."
وهذا يذكرنا بما قاله أورويل نفسه عن كتابته: "كتبت بشكل مقصود، بشكل مباشر أو غير مباشر، ضد الشيوعية". لكن روايتنا لا تهاجم الشيوعية فقط، بل تهاجم كل نظام يعتمد على التضليل والإعلام كأداة للهيمنة. إنها رواية عن سلطة ما بعد الحقيقة، سلطة لا تحتاج إلى قمع مباشر بقدر ما تحتاج إلى سيطرة على السردية.
…….
مؤامرة ضد الحقيقة - روايتنا وفيليب روث
3.1 روث والكتابة في التاريخ البديل
في روايته "المؤامرة ضد أمريكا" (2004)، يخترع فيليب روث تاريخاً بديلاً حيث يخسر روزفلت الانتخابات لصالح الطيار تشارلز ليندبيرغ، الذي يتعاطف مع النازية ويبدأ في تطبيق سياسات معادية للسامية في أمريكا. يستخدم روث التاريخ البديل لاستكشاف هشاشة الديمقراطية الأميركية، وسهولة انزلاق المجتمع إلى مستنقع التعصب والعنصرية.
تتشابه روايتنا مع رواية روث في استعارة التاريخ البديل. فبدلاً من ليندبيرغ، لدينا إمبراطور دونالدو الذي يخترع مملكة من الأكاذيب. وبدلاً من السياسات المعادية للسامية، لدينا سياسات التضليل والإعلام الكاذب. لكن الفرق الجوهري هو أن روث يكتب عن حدث لم يحدث (فوز ليندبيرغ)، بينما روايتنا تكتب عن حدث يحدث (فوز الكذبة على الحقيقة). يقول المهرج بييرو في روايتنا: "في زمنٍ تتهاوى فيه الحقائق، وتُصنع السرديات في معامل الإعلام، يصبح السؤال الأخلاقي الأهم ليس هل يكذب ترامب؟ ، بل لماذا نصدّقه؟ "
3.2 السيرة الذاتية مقابل السردية الإمبراطورية
يتميز روث باستخدامه للسيرة الذاتية في رواياته التاريخية البديلة. ففي "المؤامرة ضد أمريكا"، الراوي هو "فيليب روث" نفسه، طفلاً يعيش في نيوآرك مع عائلته اليهودية. هذا الأسلوب يضفي على الرواية واقعية وإنسانية، ويجعل القارئ يتعاطف مع الشخصيات لأنها حقيقية أو شبه حقيقية.
في روايتنا، نستخدم أسلوباً مختلفاً. بدلاً من السيرة الذاتية، نستخدم السردية الإمبراطورية. الراوي ليس شخصاً حقيقياً، بل هو المهرج بييرو وأمين المكتبة، شخصيات رمزية تمثل الصوت الناقد. وهذا يجعل الرواية أكثر عمومية، وأقل ارتباطاً بزمان ومكان محددين. إنها رواية عن كل إمبراطورية، وليس عن إمبراطورية بعينها. يقول أمين المكتبة في الرواية: "كل إمبراطورية في التاريخ ظنت أنها ستستمر إلى الأبد، وكلها سقطت، وسقطت بسبب أنها بنيت على أكاذيب."
3.3 من هو الخطر الأكبر: ليندبيرغ أم دونالدو؟
في رواية روث، الخطر يأتي من الخارج: ليندبيرغ يرتبط بالنازية، ويطبق سياسات معادية للسامية. الخطر واضح المعالم، يمكن التعرف عليه، يمكن مقاومته. أما في روايتنا، فالخطر يأتي من الداخل. الإمبراطور دونالدو ليس متعاطفاً مع أيديولوجية خارجية، بل هو يخلق أيديولوجيته الخاصة، أيديولوجية الكذب والتهويل. هذا يجعل الخطر أكثر صعوبة في التعرف عليه، وأكثر صعوبة في مقاومته.
يقول المهرج بييرو في الرواية: "الإمبراطور دونالدو ليس شريراً بالمعنى التقليدي، هو مجرد رجل وجد في الكذب رياضةً مسلية، وفي الحقيقة مضيعة للوقت. لكن المشكلة أن رياضته أصبحت نظام حكم، ومضيعة وقته أصبحت حياة الملايين."
وهذا يعكس تحولاً في مفهوم السلطة نفسها. ففي زمن روث، كانت السلطة خطيرة لأنها ترتبط بقوى خارجية معادية. أما في زمن روايتنا، أصبحت السلطة خطيرة لأنها تفقد الاتصال بالواقع، وتخلق واقعاً بديلاً يعيش فيه الحكام بمعزل عن الحقائق. وكما يقول أمين المكتبة: "الإمبراطور لا يكذب لأنه مجنون، بل يكذب لأن النظام يحتاج إلى من يكذب باسمه، ليُلهي الناس عن أسئلتهم المزعجة عن الاقتصاد المتراجع، والحروب الفاشلة، والهيمنة المتآكلة."
روايتنا في سياق الأدب الساخر العالمي
4.1 من سويفت إلى أورويل: خط السخرية السياسية
تتصل روايتنا بخط طويل من الأدب الساخر السياسي، الذي يبدأ بسويفت في "رحلات غليفر" (1726)، ويمر بأورويل في "مزرعة الحيوانات" (1945) و"1984" (1949)، ويصل إلى عصرنا الحاضر. يشير الباحثون إلى أن أورويل نفسه كان من المعجبين بسويفت، رغم أن نقده السياسي كان أقل تشاؤماً. وقد أدرج أورويل "رحلات غليفر" ضمن ستة كتب يجب الحفاظ عليها دائماً.
في روايتنا، نرى استمراراً لهذا الخط، لكن مع تطور في الأدوات. فبدلاً من الأقزام والعمالقة (كما عند سويفت)، أو الحيوانات (كما عند أورويل)، نستخدم القصر الإمبراطوري كاستعارة. وبدلاً من الهجاء المباشر، نستخدم السخرية عبر المهرج، وعبر المرآة المكسورة التي تعكس الصورة الحقيقية للإمبراطور. وهذا التطور في الأدوات يعكس تطوراً في طبيعة السلطة نفسها: أصبحت أكثر تعقيداً، وأكثر اعتماداً على الإعلام، وأكثر قدرة على خلق واقع بديل.
يقول المهرج بييرو في الرواية: "في زمن ما بعد الحقيقة، الكذبة أكثر إغراءً... والجمهور يحب المتعة أكثر من الحقيقة." وهذه هي خلاصة الأدب الساخر في عصرنا: لم تعد السخرية مجرد فضح، بل أصبحت وسيلة للبقاء في عالم تتهاوى فيه الحقائق.
4.2 سمير أمين و"الهندسة الإمبريالية الجديدة"
تستند روايتنا بشكل واضح إلى أفكار المفكر سمير أمين حول الإمبريالية والتبعية. يرى أمين أن الإمبريالية ليست مجرد سياسات خارجية، بل هي نظام عالمي قائم على مركز يملك المعرفة والمال والقوة، وهامش يُعاد تشكيله باستمرار، وسرديات تُصنع لتبرير الهيمنة. هذا هو بالضبط ما يفعله الإمبراطور دونالدو في روايتنا: يعيد تشكيل الواقع وفقاً لمصالحه، ويصنع سرديات تبرر هيمنته، ويستخدم الإعلام كأداة لإعادة إنتاج سلطته.
يقول أمين المكتبة في الرواية: "المركز يملك المال والإعلام والقوة، والهامش يُعاد تشكيله كالأرض الطينية، والسرديات تُصنع في معامل العلاقات العامة." وهذا يختلف عن قراءة أورويل، التي ركزت على القمع المباشر، بينما تركّز روايتنا على التضليل غير المباشر، الذي يعد أخطر في عصر الإعلام الجماهيري.
4.3 في مديح الرواية: ما الذي تضيفه إلى الأدب الساخر؟
بعد هذه المقارنات، يمكننا أن نحدد ما الذي تضيفه روايتنا إلى الأدب الساخر العالمي:
أولاً: تقدم الرواية نموذجاً جديداً للسلطة الكاذبة: سلطة لا تقوم على القمع بقدر ما تقوم على الإعلام والسردية. هذا النموذج يناسب عصر ما بعد الحقيقة، حيث لم تعد القوة في الدبابات، بل في الروايات التي نصدقها.
ثانياً: تقدم الرواية دوراً جديداً للمهرج: ليس مجرد ضاحك، بل معلماً، بل بطل مقاومة معرفية. هذا يتجاوز دور المهرج الشكسبيري، ويضعه في سياق التغيير الاجتماعي.
ثالثاً: تقدم الرواية صورة جديدة للإمبراطورية: ليست إمبراطورية دبابات، بل إمبراطورية مرايا مكسورة، تعكس صوراً مشوهة للحقيقة. هذا هو الفرق الجوهري بين إمبراطورية أورويل (الشمولية المباشرة) وإمبراطورية روايتنا (الشمولية الإعلامية).
رابعاً: تقدم الرواية أمل التغيير. على عكس أورويل الذي انتهى بحتمية القمع، وأكثر تفاؤلاً من سويفت الذي ركز على فساد الطبيعة البشرية، تقدم روايتنا رحلة تحول للإمبراطور نفسه، الذي يمر من الكذب إلى الصدق، ومن العظمة المزيفة إلى العظمة الحقيقية. وهذا يجعل الرواية أكثر إنسانية، وأكثر قدرة على إلهام القارئ.
يقول الإمبراطور دونالدو في نهاية الرواية: "لقد بدأت اليوم حياة جديدة... حياة تقوم على الصدق... سأكون إمبراطوراً صادقاً... سأكون إمبراطوراً يحبكم... سامحوني على ما مضى... وكونوا معي في المستقبل." وهذه هي الرسالة الختامية للرواية: أن التغيير ممكن، وأن الحقيقة قادرة على الانتصار، وأن الإمبراطور يمكن أن يصبح إنساناً.
في مرايا الأدب تنكشف الإمبراطوريات
في نهاية هذه الدراسة المقارنة، نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: كيف تختلف رواية "الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء" عن الأعمال الكلاسيكية التي تناولت نفس الموضوع؟
الجواب، كما حاولنا أن نبين، هو أن الرواية لا تكتفي بإعادة إنتاج النماذج الكلاسيكية، بل تطورها وتضيف إليها أبعاداً جديدة تناسب عصر ما بعد الحقيقة. إنها تستعير من أندرسن حكاية الإمبراطور العاري، لكنها تحول الإمبراطور من ضحية إلى صانع للوهم. وتستعير من أورويل استعارة السلطة المطلقة، لكنها تنقلها من المزرعة إلى القصر، ومن الحيوانات إلى السرديات الإعلامية. وتستعير من روث أسلوب التاريخ البديل، لكنها تحوله من قصة عائلة يهودية في أمريكا الأربعينية، إلى قصة كل إمبراطورية في كل زمان ومكان.
في قلب الرواية، تبقى المقاومة المعرفية هي الأمل الوحيد. المقاومة التي يمثلها المهرج بييرو، الذي يضحك على الأكاذيب حتى تتهاوى. والتي يمثلها أمين المكتبة، الذي يحافظ على الكتب التي تحفظ الحقيقة. والتي يمثلها حتى الإمبراطور نفسه، حين يكتشف أن الحقيقة هي الطريق إلى العظمة الحقيقية.
كما قال الشاعر العربي: "إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا." وهنا يمكننا أن نقول: "إنما الإمبراطوريات الصدق ما بقيت، فإن هم ذهب صدقهم ذهبوا." روايتنا ليست مجرد حكاية عن إمبراطور كذاب، بل هي مرآة تعكس زمناً بأكمله، زمناً أصبح فيه الكذب بنية حكم، وأصبح فيه المهرج هو الوحيد الذي يجرؤ على قول الحقيقة، وأصبح فيه أمين المكتبة هو البطل الحقيقي.
وفي النهاية، كما يقول المهرج بييرو في خاتمة الرواية: "في زمنٍ تتهاوى فيه الإمبراطوريات، وتتشظى فيه الحقائق، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً ليس: هل يكذب ترامب؟ ، بل: متى سنتوقف عن تصديقه؟ ، ولعلّ الإجابة هي: عندما نتعلم أن نضحك على الأكاذيب، بدلاً من أن نبكي عليها. لأن الضحك على الكذبة هو الطريق الأقصر إلى تحرير العقل من أغلالها."
وهذا هو جوهر الأدب الساخر في كل العصور: ليس مجرد إضحاك، بل تحرير. تحرير العقل من أغلال الأكاذيب، تحرير الإنسان من مخاوفه، تحرير المجتمع من سلطة التضليل. وفي هذا، تلتقي روايتنا مع أعظم ما كتب في الأدب الساخر، وتضيف إليه صوتاً جديداً، صوتاً يناسب عصر ما بعد الحقيقة، صوتاً يذكرنا بأن الحقيقة هي أقوى من كل الأكاذيب، وأن الصدق هو الطريق إلى العظمة الحقيقية.
.............
رابط الرواية متوفرة للقراءة مجانا : https://saloum1.substack.com/p/afb?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرحية: -طقوس التطهير-.. مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول و
...
-
شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق تو
...
-
الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء.. مسرحية كوميدية في
...
-
بين أكذوبة ال65 مليار برميل والهندسة الإمبريالية الجديدة ..
...
-
راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار
-
الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب
-
دراسة مقارنة: كتابي -خرائط الرماد- في سياق أدب التحولات الكب
...
-
سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاج
...
-
حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
-
-سَرَابِيّاتُ الْحَقِيقَةِ-.. مسرحية في ثلاثة فصول
-
بين استعراض فنزويلا ورصاصة إيران: قراءة في انتحار ترامب السي
...
-
قراءة في انهيار مملكة آل سعود الريعية تحت وطأة الحصار اليمني
-
أميركا تتغيّر... والكيان يتصدّع: كيف يعيد الرأي العام الأمير
...
-
محور المقاومة كقوة عظمى صاعدة : عندما تحدد المضائق شكل الاقت
...
-
دراسة مقارنة في جرائم النظام وسيرورة الفساد في روايتي البولي
...
-
كوبا: نموذج الأمان الوجودي في وجه الإجرام الترامبي الفاشي
-
تركيا بين الأرقام اللامعة والواقع المتآكل .. قراءة تنموية في
...
-
دمشق... مدينة تتداعى على وقع انهيار السلطة الانتقالية
-
الأمان الوجودي… الدواء الذي يُقلّص الأمراض ويُنعش ميزانيات ا
...
-
بيت شيمش: الانفجار الذي لم يُعلن
المزيد.....
-
بعد 30 عاما من الغموض.. إدانة العقل المدبر وراء مقتل أسطورة
...
-
ميل غيبسون يعتذر عن سخريته من مترجم لغة الإشارة في مهرجان سي
...
-
أدباء وفنانون عراقيون يستعيدون التفاصيل الأولى التي قادتهم إ
...
-
شاعر سوري يفوز بجائزة -عبد العزيز سعود البابطين- التقديرية ل
...
-
عام نجيب محفوظ.. كيف تستعيد القاهرة ذاكرة -ابن البلد- بعد عق
...
-
بعد جدل حفله بالتزامن مع حرائق الجزائر.. الشاب خالد يرد بفيد
...
-
الثقافة تنفي إلغاء منحة الأدباء والصحفيين وتؤكد مواصلة المسا
...
-
سوريا.. الفنانة والنائبة لاذقاني تبكي أمام مجسّم سجن صيدنايا
...
-
تركيا.. نجار متقاعد يحول جدران بلدته إلى لوحات فنية
-
-رحيل صاحب جمل المحامل- .. قراءة في لوحة الفنان سليمان منصور
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|