أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرالية















المزيد.....

التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرالية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 17:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في وهم الاختلاف

في ربيع عام 2026، كشفت استطلاعات الرأي الألمانية عن مشهدٍ سياسيٍ غير مسبوق: تخطّي حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) اليميني المتطرف حزبَ الاتحاد المسيحي (CDU/CSU) بفارق ثماني نقاط مئوية، ليصبح أقوى حزبٍ في البلاد بنسبة تأييد بلغت 29% . هذا التحول الزلزالي لم يكن مجرد تغييرٍ في موازين الأرقام، بل كان كشفًا لبنيةٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ عميقة، تجمع تحت غطاءٍ من الشعارات المتباينة بين اليمين المسيحي المحافظ واليمين المتطرف الشعبوي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الاختلاف بينهما حقيقي أم مجرد لعبة خطابية تخفي تقاطعًا اقتصاديًا صلبًا؟

أولًا: الشرق الألماني – الذاكرة الجريحة والخصخصة الوحشية

لفهم هذا التقاطع، لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية للوحدة الألمانية، تلك التجربة التي حوّلت الشرق إلى مختبرٍ للتحول الاقتصادي العنيف. فما إن سقط جدار برلين حتى انطلقت عملية الخصخصة الأكثر طموحًا في التاريخ، حيث تولّت وكالة "ترهاند" (Treuhand) بيع أكثر من 8,500 مؤسسة حكومية في عمليةٍ وُصفت بأنها "انفجار الإصلاح" (Big-Bang Reform) .

لم تكن هذه الخصخصة مجرد عمليةٍ اقتصادية، بل كانت صدمةً حضارية. ففي غضون سنوات، تحوّل الاقتصاد الشرقي من نظامٍ مركزيٍ إلى سوقٍ متوحشة، حيث كانت الكفاءة الإنتاجية هي المعيار الوحيد للبقاء. وكشفت الدراسات أن المؤسسات ذات الإنتاجية الأعلى كانت الأكثر عرضة للخصخصة، وغالبًا ما كانت تُباع لمستثمرين غربيين . أما البقية، فكان مصيرها الإغلاق، تاركةً وراءها بطالةً جماعيةً ومدنًا بأكملها تحوّلت إلى أطلالٍ صناعية.

هذه التجربة تركت ندوبًا عميقةً في الذاكرة الجماعية للشرق الألماني، وأوجدت شعورًا بالغبن والخذلان، جعل المنطقة أرضًا خصبةً للخطاب الاحتجاجي. لكن المفارقة أن كلا اليمينين – المسيحي والمتطرف – يقدمان للشرق نفس الوصفة الاقتصادية التي تسببّت في جرحه أصلاً. اليمين المسيحي يسمّيها "استقرارًا"، واليمين المتطرف يسمّيها "سيادة"، لكن المضمون واحد: تخفيف الضرائب على الشركات، وتقليص الدولة الاجتماعية، وجذب المستثمرين، وإضعاف القيود التنظيمية .

ثانيًا: البرامج الاقتصادية – وحدة في الجوهر واختلاف في الشعارات

عندما نقرأ البرامج الاقتصادية للحزبين، نجد تطابقًا بنيويًا شبه تام، رغم تباين اللغة الخطابية.

في مجال السياسة الضريبية، يتبنى AfD نموذجًا جذريًا مبنيًا على فكرة المحامي الدستوري بول كيرشهوف، الذي يدعو إلى تبسيط الضرائب إلى حدٍ كبير، حيث تُعفى الدخول حتى عشرة آلاف يورو، وتُفرض ضريبة بنسبة 15-20% على الدخول حتى عشرين ألف يورو، ثم ضريبة موحدة بنسبة 25% على كل ما يزيد . هذا النموذج، الذي يُقصِد بوضوح تخفيف الأعباء عن الأثرياء، يتطابق إلى حد كبير مع رؤية فريدريش ميرتس الاقتصادية. فميرتس، رئيس الوزراء الحالي وزعيم اليمين المسيحي، يعِد هو الآخر بإصلاحاتٍ ضريبية تهدف إلى "تحفيز الاستثمار" و"تعزيز القدرة التنافسية"، وهو ما يعني في الواقع إعادة توزيعٍ للثروة من الأسفل إلى الأعلى .

في سياسات الرعاية الاجتماعية، يصل التقاطع إلى حد الصدمة. يدعو AfD علنًا إلى رفع سن التقاعد إلى 67 عامًا، والاشتراط بقضاء 45 عامًا في العمل للحصول على معاش تقاعدي كامل . لكن ما هو أكثر جذريةً هو ما تسرّب من مسودات برامجهم الأساسية، والتي كشفت عن خطط لإلغاء إعانة البطالة من النوع الأول، وإلغاء التأمين الصحي والسلامة المهنية. يعتبر الحزب أن البطالة وحوادث العمل "شؤون شخصية بحتة"، وأن صاحب العمل وحده هو المسؤول عن التعويض، دون تدخل من الدولة . وهو موقف يتطابق مع رؤية ميرتس لـ"تحرير سوق العمل" وتقليص دور الدولة في الحماية الاجتماعية، وإن كان الأخير يستخدم لغةً أكثر اعتدالاً مثل "الاستدامة" و"التوازن المالي".

في مجال الطاقة والتحول الأخضر، يرفض AfD بشكل قاطع سياسات حماية المناخ، ويعارض التخلص التدريجي من الفحم، ويدعم الطاقة النووية ويشكك في فعالية الطاقات المتجددة . بينما يقدم ميرتس نفسه على أنه مؤيد للتحول الأخضر، لكنه يقترح في الوقت نفسه زيادة الاعتماد على الفحم لتخفيف تكاليف الطاقة، ويتراجع عن التزامات ألمانيا المناخية تحت ضغط المصالح الصناعية . مرة أخرى، الاختلاف خطابي، أما الجوهر فواحد: حماية الصناعات التقليدية حتى لو كان الثمن هو التخلي عن المستقبل.

ثالثًا: المصادر الأكاديمية تؤكد – نيوليبرالية متطرفة بقناعين

تشير الدراسات الأكاديمية إلى أن AfD يحتّل أقصى اليمين على الطيف الاقتصادي، متجاوزًا حتى الحزب الديمقراطي الحر (FDP) المعروف بليبراليته الاقتصادية . وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في السياسة الألمانية: غياب اليسار الاقتصادي الحقيقي، واستبداله بيمينين يختلفان في الأسلوب لكن يتحدان في الهدف.

هذا التطابق الاستراتيجي ليس وليد الصدفة، بل نتيجة لسيطرة "ائتلاف المصنّعين" (Manufacturing Coalition) على السياسة الاقتصادية الألمانية منذ عقود. هذا الائتلاف، الذي يضم كبار المصنّعين والبنوك، يدفع باستمرار نحو سياسات نيوليبرالية تعزز الصادرات وتضعف الطلب المحلي، وتؤدي إلى فائض تجاري مزمن يعيد إنتاج التفاوت الطبقي . وبينما يستفيد هذا الائتلاف من السياسات النيوليبرالية، يظل المواطن العادي – خاصة في الشرق الألماني – يعاني من تدهور الخدمات العامة وتراجع الأجور الحقيقية.

رابعًا: لماذا يصوّت الفقراء لصالح الأغنياء؟ مفارقة AfD

تطرح هذه الحالة مفارقةً سياسيةً مذهلة: كيف يصوّت العمال والبطّالون وشرائح الدخل المتدني لصالح حزب يتبنى سياساتٍ تُضعِف حمايتهم الاجتماعية وتُحَوّل ثرواتهم إلى جيوب الأثرياء؟ الإجابة تكمن في "الخداع الأيديولوجي" الذي يمارسه الخطاب الشعبوي.

أظهرت دراسة أجراها المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW) أن ناخبي AfD هم في الغالب من الفئات المهمشة: عمال ذوو دخل منخفض، عاطلون عن العمل، وأشخاص يعانون من تهميش اجتماعي واقتصادي . المفارقة أن سياسات AfD الاقتصادية تضر بهذه الفئات بشكل مباشر، لكن الناخبين لا يدركون ذلك، لأنهم ينجذبون إلى الخطاب العاطفي حول الهوية والهجرة والقيم، ويصدّقون أن المشكلة تكمن في "الآخر" (المهاجرون، النخب، الاتحاد الأوروبي) لا في البنية الاقتصادية .

هذه الظاهرة تُفسّر أيضًا لماذا فشلت محاولات "استعادة" ناخبي AfD من خلال توسيع دولة الرفاه . فالناخب لا يرى في الدولة الاجتماعية حليفًا، بل يراها أداةً تُوزّع المال على "من لا يستحق" (المهاجرين والعاطلين). إنه منطقٌ "عنصري" في جوهره، ولكنه منطقٌ يخدم مصالح الأثرياء من خلال إبقاء الطبقات الشعبية منقسمةً ومتشاغلة بصراعات الهوية بدلاً من الصراع الطبقي.

خامسًا: انهيار "الجدار الناري" – اليمينان في مواجهة التاريخ

لطالما قامت السياسة الألمانية ما بعد الحرب على "جدار ناري" (Brandmauer) يفصل الأحزاب الديمقراطية عن التطرف اليميني، ويمنع أي تحالف أو تعاون مع AfD . لكن هذا الجدار ينهار اليوم تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ومع تصاعد شعبية AfD إلى 29%، أصبح من المستحيل تجاهله، وأصبحت أحزاب اليمين المسيحي مضطرةً للتنافس معه على نفس القاعدة الانتخابية، ما يدفعها إلى تبني سياساتٍ أكثر تطرفًا وقربًا من أجندته .

هذا الانجراف نحو اليمين يعيد تشكيل المشهد السياسي الألماني بأكمله، ويُؤدي إلى "تطبيع" أفكارٍ كانت بالأمس القريب محظورةً أو هامشية. ومع احتلال AfD المرتبة الثانية في البرلمان، ومع السيطرة شبه المطلقة على الولايات الشرقية (حيث تبلغ نسبة تأييده أكثر من 35% في ساكسونيا-أنهالت ومكلنبورغ-فوربومرن)، باتت ألمانيا أمام لحظةٍ تاريخيةٍ فارقة .

التقاطع الذي لا يُنكر والتغيير المستحيل

يكشف تحليل البرامج الاقتصادية والخطابات السياسية عن حقيقةٍ صادمة: اليمين المسيحي واليمين المتطرف في ألمانيا ليسا خصمين، بل وجهان لعملةٍ واحدة. يختلفان في الشعارات والرموز والمواقف من الهجرة والأوروبية، لكنهما يتطابقان في الجوهر الاقتصادي: نيوليبراليةٌ متطرفةٌ تخدم الأثرياء، وتُضعف الدولة الاجتماعية، وتُحوّل المواطن من صاحب حق إلى مستهلكٍ منعزل.

هذا التقاطع ليس مجرد صدفة، بل نتاجٌ لبنيةٍ اقتصاديةٍ عميقةٍ تسيطر عليها مصالح التصدير ورأس المال الكبير، والتي أعادت إنتاج نفسها عبر عقود من الهيمنة على السياسة الألمانية. وحتى يدرك الناخبون أن الفرق بين ميرتس وAfD هو فرقٌ في القناع لا في الجوهر، وأن التغيير الحقيقي يتطلب برنامجًا اقتصاديًا بديلاً مختلفًا جذريًا، فإن ألمانيا ستظل تدور في فلكٍ مغلق، حيث يفوز اليمين بأيٍ من وجهيه، ويخسر الشعب في كلتا الحالتين.

في عالمٍ يبحث عن معنى في زمن الفوضى، يبقى الوعي بهذا التقاطع هو الخطوة الأولى نحو أي تحول حقيقي.



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة تشكيل العالم: صراع السيادة مقابل هيمنة رأس المال العال ...
- مخاض الطاقة في خليج عُمان: حينما تكسر الصواريخ الذكية عظام ا ...
- الصين بين سردية المركز وهيمنة الوقائع: نقد بنيوي لخطاب -العم ...
- المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا ...
- مقدمة كتابي : بيادق الرمال : تشريح الأدوار الوظيفية من الاحت ...
- سورية بين خطاب إعادة الإعمار وواقع النهب المنظم
- تريليونات الانحطاط: كيف تحوّل الاستثمار الخليجي إلى أداة لتد ...
- تحرير الذهب الفلسطيني المجمد منذ 1948..فلسطين والذاكرة الدول ...
- سورية بعد 2024... حين تبحث الجغرافيا عن مركزها وتعيد القوى ا ...
- مرآة النظام العالمي الجديد من كراكاس هرمز إلى بكين
- دراسة نقدية مقارنة بين روايتي- ثياب الامبراطور النفطية -وأشه ...
- مسرحية: -طقوس التطهير-.. مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول و ...
- شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق تو ...
- الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء.. مسرحية كوميدية في ...
- بين أكذوبة ال65 مليار برميل والهندسة الإمبريالية الجديدة .. ...
- راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار
- الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب
- دراسة مقارنة: كتابي -خرائط الرماد- في سياق أدب التحولات الكب ...
- سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاج ...
- حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم


المزيد.....




- إعلان إيراني جديد بشأن قيود الملاحة في مضيق هرمز.. ماذا قال ...
- التصعيد في الخليج يرفع أسعار النفط.. فما الذي تغيّر؟
- بيسكوف: قضية تبادل السجناء حاضرة باستمرار في الاتصالات الروس ...
- موسكو تفضل أبو ظبي ساحة للمفاوضات مع أوكرانيا.. ماذا يمكن لو ...
- -سي إن إن-: واشنطن لا تزال تخطط لضرب المنشآت النووية الإيران ...
- في مقطع مصور من جبل الشيخ بسوريا.. نتنياهو يتوعد بـ -هزيمة ا ...
- بريطانيا يجب أن تبذل المزيد لإبقاء حلم الدولة الفلسطينية حيا ...
- بكلفة مليار دولار.. مصر تخطط لإنشاء مركز ضخم لبيانات الذكاء ...
- -نبقى أم نرحل-؟ هواجس مهاجرين في ماغديبورغ بعد فوز البديل
- سوريا - انفجار مخزن أسلحة يوقع قتلى وجرحى في محافظة إدلب


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرالية