|
|
إعادة تشكيل العالم: صراع السيادة مقابل هيمنة رأس المال العالمي في غرب آسيا
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8821 - 2026 / 9 / 7 - 21:17
المحور:
الادب والفن
في مرآة التاريخ المشوهة
حين يُستدعى التاريخ الاستعماري الأوروبي إلى ساحة النقاش المعاصر، تتصاعد حدة الخطاب، وتتوهج ذاكرة الجماعات، وتُستحضر مجازر السكان الأصليين في الأمريكيتين وكأنها وقعت بالأمس، وتُعاد كتابة جرائم أفريقيا وآسيا بحبر من الغضب المتأجج، وتُحمَّل شعوبٌ كاملة وزر إمبراطورياتٍ توسّعية حكمتها أقلية مالية ضيقة الأفق لا تمثّل أحدًا سوى نفسها وجشعها الذي لا يكتوي بنار الندم.
غير أن تحويل هذه الوقائع التاريخية المؤلمة إلى "طبيعة أوروبية أزلية" أو "تحالف ديني صليبي ضد الإسلام" إنما هو تضليل منهجي لفهم الصراع الحقيقي الذي يعيد تشكيل خريطة العالم اليوم، وبخاصة في رقعة غرب آسيا المتأججة بنيران التوترات والأسئلة المصيرية. فالجرائم البشعة التي ارتُكبت بحق الهنود الحمر، وبحق شعوب أفريقيا وآسيا، لم تكن فعل "شعوب" بضمير الجمع الإنساني، بل فعل منظومات استعمارية رأسمالية ذكية استخدمت الدين حينًا أداةً للتبرير، والعرق حينًا آخر شعارًا للتفوق، والحداثة حينًا ثالثًا قناعًا للتغطية، لتبرير توسّعها ونهبها واستعمارها للقارات. كانت تلك الإمبراطوريات ـ من إسبانيا البربرية إلى بريطانيا الصناعية ـ أدوات ماهرة في يد أقلية مالية أوليغارشية رأت العالم مادة خامًا صامتة لمراكمة الثروة، لا فضاءً إنسانيًا رحيبًا للتعايش والتنوع.
وهذا بالضبط هو جوهر الصراع اليوم، ذلك الصراع الذي لا يعترف بالحدود ولا يحترم الهويات: الغرب المؤسساتي لا يخوض حربًا دينية ضد الإسلام كما يروج البعض، بل يخوض حربًا اقتصادية – سياسية ضروسًا ضد أي مشروع سيادة وطنية يجرؤ على رفض وضع ثرواته في خدمة رأس المال العالمي المتعطش.
1. بنية رأس المال العالمي.. حين تصبح الثروة أداة هندسة سياسية لا مجرد عملة
إن رأس المال العالمي اليوم ليس مجرد منظومة اقتصادية باردة تُقاس بمؤشرات الأسهم والناتج القومي، بل هو بنية سلطة معقدة وفائقة الذكاء تتحكم في حركة الثروات، وتعيد تشكيل الدول وفق نموذج واحد لا يقبل التعدد: السوق المفتوحة بلا سيادة، والاقتصاد المتحرر بلا قيود، والمال الذي لا يعرف وطنًا ولا يعترف بمواطنة. هذه البنية الجبارة تعمل عبر ثلاث آليات رئيسية تشكل مثلث الهيمنة الذي لا ينفك عن التواء وتشابك:
الهيمنة المالية حيث تُضَخّ ثروات الشعوب والدول في النظام المالي الأمريكي عبر أدوات معقدة من السندات والديون والاستثمارات، ليُستخدم هذا النظام لاحقًا كأداة ضغط وسلاح عقابي على العالم بأسره، يحول الدول المدينة إلى مجرد توابع اقتصادية تفقد القدرة على المناورة والقرار المستقل. إن الدولار ليس مجرد عملة، بل هو سيف مسلط على رقاب الشعوب التي تسعى إلى الاستقلال الاقتصادي.
التحكم في الموارد الاستراتيجية عبر تحويل الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن إلى محميات اقتصادية سائبة، كما في الخليج العربي، أو إلى سلطات أمر واقع بلا سيادة فعلية كما في سورية المحتلة وأجزاء من العراق وليبيا، حيث تظل الثروة حبيسة الصراعات والنفوذ الخارجي، لا تصل إلى جيوب المواطنين الجائعة.
إنتاج نخب وظيفية تخدم المشروع الهيمني، حكّامٌ وهابيون مستوردون، إسلام سياسي مُصنّع في مختبرات المخابرات، شبكات نفوذ متنفذة، ومؤسسات "ديمقراطية" شكلية ترفع شعارات الحرية تحت سماء القبضة المالية، كلها أدوات دقيقة لضمان تدفق الثروة نحو المركز المالي العالمي دون عوائق أو استفهامات.
هذه البنية المتوحشة لا ترى في الإسلام عدوًا ولا في المسيحية حليفًا، بل ترى في السيادة الوطنية خطرًا وجوديًا يستحق كل وسائل القمع والإبادة الناعمة والخشنة. ولهذا السبب تحارب روسيا والصين وإيران واليمن وسورية قبل الحرب وبعدها، بالحدة نفسها التي حاربت بها سابقًا شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فهي لا تكره دينًا بقدر ما تكره استقلالاً، ولا تحارب عقيدة بقدر ما تحارب قرارًا وطنيًا حرًا.
2. الإسلام السياسي الوظيفي.. صناعة سياسية هجينة لا عقيدة سماوية
حين احتاجت المنظومة المالية الهيمنية إلى أدوات تفكيك دقيقة للمجتمعات الشرقية، لم تتردد في صناعة "إسلام سياسي" وظيفي بامتياز، يُلبس ثوب التدين ويخفي وجه التآمر، ليكون أداة مثالية لتفتيت الدول وهدم مؤسساتها من الداخل. إن تنظيمات مثل الإخوان المسلمين في مختلف تجلياتهم، والقاعدة في أفغانستان، وداعش في براري الشام والعراق، وهيئة تحرير الشام في جبهات القتال، وشبكات وهابية ممتدة في الخليج والعالم الإسلامي، لم تكن يومًا تعبيرًا أصيلاً عن جوهر الإسلام الحنيف، بل كانت هندسة سياسية بارعة هدفها المعلن والمضمر ضرب الدول الوطنية الواحدة، وتفكيك المجتمعات المتجانسة، وإعادة تشكيل المنطقة الجغرافية بما يخدم مصالح رأس المال العالمي بكل بروده وجبروته.
وهذا هو السر الذي يفسر لنا تناقضات الخطاب الغربي المذهلة: لماذا يُشيطن الإسلام الإيراني والإسلام اليمني والإسلام اللبناني المقاوم، ولا يُشيطن الإسلام الخليجي ولا الإسلام التركي ولا الإسلام المصري الرسمي؟ الإجابة بسيطة وواضحة: التشييطان لا يقع على الإسلام ذاته، بل على مشروع السيادة الوطنية الذي يجرؤ على رفع راية الاستقلال ويرفض تحويل ثروات البلاد إلى أدوات طيعة في يد الفيدرالي الأمريكي وصناديق النقد الدولية. إن إيران تصنف كعدو لدود ليس لأنها شيعية، بل لأنها تمتلك مشروعًا إقليميًا مستقلاً وتمتلك الجرأة على قول "لا" لمنظومة الهيمنة، وكذلك فعلت المقاومة اليمنية حين أعلنت سيادتها على قرارها الصاروخي، فضربت بعرض الحائط كل التبعات والأثمان.
لقد استغل هذا الإسلام السياسي المصنّع التناقضات الداخلية للمجتمعات العربية والإسلامية، وركب موجة المظلومية التاريخية، واستثمر حالة الغضب الشعبي المتراكمة تجاه الغرب، ليوجهها نحو أهداف داخلية بدلاً من أن تكون طاقة تغيير شاملة للنظام العالمي الظالم. وكأنما يُقال للشعوب المسلمة: إن الغرب يكرهكم لأنكم مسلمون، فتعالوا ندمر أوطاننا بأنفسنا دفاعًا عن الإسلام! وهنا تكمن المفارقة القاتلة: أن يتم استخدام الدين لتدمير الدول التي تحمي الدين، ويتم توظيف الغضب ضد الهيمنة لخدمة الهيمنة نفسها.
3.صراع السيادة في غرب آسيا.. معركة المصطلحات أم معركة المضمون؟
مصطلح "الشرق الأوسط" ليس بريئًا كما يتوهم البعض، فهو ليس مجرد تسمية جغرافية جامدة، بل هو جزء من هندسة سياسية استعمارية شاملة تهدف إلى فصل المنطقة عن هويتها التاريخية والحضارية العميقة، وتفتيتها إلى مربعات مصالح متنافسة، وإعادة تعريفها وفق رؤى القوى المهيمنة التي رسمت خرائطها بقلم الدبلوماسية المنتصرة، لا بمداد الجغرافيا الطبيعية. إن استخدام مصطلح غرب آسيا بالتأكيد أكثر دقة تاريخيًا وجغرافيًا، لكنه ليس جوهر المعركة الفكرية الراهنة، بل المعركة الحقيقية هي معركة المضمون، معركة الأفكار التي تحرك الشعوب وتشكل مصائرها.
وهنا تبرز الأسئلة المصيرية التي تحدد موقف كل دولة وكل شعب في هذا الصراع العاصف: هل تملك الدولة قرارها الاقتصادي المستقل؟ هل تستطيع أن تضع ثرواتها الطبيعية والبشرية في خدمة شعبها أولاً وأخيرًا؟ هل تمتلك القدرة على بناء نموذج تنموي مستقل عن النموذج النيوليبرالي الأمريكي الذي يفرض شروطه القاسية على كل من يعتمد على قروضه واستثماراته؟ هذه الأسئلة الجوهرية هي التي تحدد موقع الدول في الصراع العالمي المحتدم، لا دينها ولا ثقافتها ولا لونها الجغرافي. وهذا التحديد الموضوعي يفسر لنا لماذا يحارب الغرب دولًا غير مسلمة كروسيا والصين بالحدة نفسها التي يحارب بها دولًا مسلمة كإيران وسورية، فالعدو الأكبر هو الاستقلال الوطني، والخصم الألد هو السيادة الفعلية.
ومن المدهش أن هذا التحليل يدفعنا إلى رؤية أن المعركة ليست بين كتل حضارية مغلقة، بين أوروبيين ومسلمين، بين غرب وشرق، بل هي معركة تمتد داخل المجتمعات الغربية نفسها، إذ تقف شعوب أوروبية كثيرة اليوم في طليعة الصفوف المناهضة لسياسات حكوماتها، وتحتج على الحروب المدمرة، وتقاوم النيوليبرالية الجارفة، وتعارض الشركات العابرة للقارات التي تتفلت من كل رقابة وتمارس إرهابًا اقتصاديًا على مستوى الكوكب بأسره. إن الصراع الحقيقي ليس بين "أوروبيين قتلة" و"مسلمين ضحايا"، بل هو صراع طبقي بنيوي بين أقلية مالية عالمية متحصنة في قمم السلطة، تريد العالم سوقًا واحدة بلا سيادة ولا قيود، وبين شعوب ودول متنوعة تريد أن تضع ثرواتها في خدمة مواطنيها، وتريد أن تقرر مصيرها بنفسها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.
4. إعادة تشكيل العالم الجديد.. نحو فهم أعمق للصراع
العالم اليوم يعيش لحظة تحول تاريخي كبرى، حيث تتقاطع الأزمات المالية مع الأزمات البيئية، وتتصادم المصالح الجيوسياسية مع تطلعات الشعوب إلى العدالة والكرامة، وتنكشف الأقنعة عن وجوه الهيمنة التي كانت تختبئ خلف شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. في هذه اللحظة الفارقة، نجد أن الصراع لم يعد صراعًا بين أيديولوجيات أو بين معسكرات كما كان في زمن الحرب الباردة، بل صراعًا بين منطقين متناقضين: منطق السيادة الوطنية كأساس للعلاقات الدولية واحترام إرادة الشعوب، ومنطق رأس المال العالمي الذي لا يعترف إلا بقوانين السوق وقوى العرض والطلب. إن التدخل العسكري في أفغانستان والعراق وليبيا وسورية واليمن كلها حلقات في سلسلة واحدة من الحرب على السيادة، وليست حملات إنسانية أو دفاعًا عن الديمقراطية كما يُروج لها.
ثمة تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، فصعود قوى جديدة كالصين والهند والبرازيل، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي بقوة، وتنامي حركات المقاومة في غرب آسيا، كلها مؤشرات على أن العالم يتجه نحو تعددية قطبية، وأن أحادية القطب الأمريكي في طريقها إلى الزوال التدريجي. ولكن هذا الزوال لن يكون سلميًا ولا سهلاً، إذ ستقاوم القوى المهيمنة بكل ما تملك من وسائل اقتصادية وعسكرية وإعلامية للحفاظ على مكانتها ونفوذها. ومن هنا تأتي ضرورة تحليل صراع السيادة في غرب آسيا في سياقه العالمي الأوسع، فهذه المنطقة ليست ساحة معركة مستقلة، بل هي جزء من صراع عالمي على إعادة توزيع السلطة والثروة، وعلى تحديد شكل النظام الدولي في العقود القادمة.
إن فهم البنية العميقة للصراع يتطلب منا تجاوز التحليلات السطحية التي تختزله في صراع ديانات أو حضارات، والنظر إليه بعين الاقتصاد السياسي النقدي الذي يرى العلاقات الدولية كما هي، شبكة معقدة من المصالح المتضاربة والتناقضات البنيوية. فالدول التي تمتلك مشاريع سيادية مستقلة لا تشكل تهديدًا للغرب كثقافة أو حضارة، بل تشكل تهديدًا للنموذج الاقتصادي الذي يقوم على استنزاف موارد الجنوب العالمي لخدمة مصالح الشمال، تمامًا كما كانت تفعل الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة ولكن بأدوات ووسائل أكثر تطورًا وتعقيدًا.
5. أبعاد الصراع الاقتصادي.. من النهب المباشر إلى الهيمنة غير المرئية
من أبرز ملامح الصراع المعاصر في غرب آسيا هو تحول أساليب النهب من النمط الاستعماري التقليدي المباشر إلى أنماط أكثر تعقيدًا وخفاءً، تتمثل في فرض سياسات اقتصادية قاسية عبر مؤسسات بريتون وودز، وفي تسييد الديون الخارجية التي تحول الدول إلى مجرد رواتب دائمة للبنوك الغربية، وفي فرض شروط هيكلية تقضي بخوصصة القطاعات الحيوية وبيعها للمستثمرين الأجانب. هذه الآليات الاقتصادية هي السلاح الأكثر فاعلية في العصر الحالي، فهي لا تثير ردود فعل عنيفة كما تثيرها الغارات العسكرية، لكنها تمارس إبادة اقتصادية بطيئة للطبقات الفقيرة والمتوسطة، وتفكك النسيج الاجتماعي للدول المستقلة.
إن التحكم في العملات المحلية، والتلاعب بأسعار الفائدة، وفرض العقوبات الاقتصادية الشاملة، كلها أدوات تستخدمها القوى المهيمنة لإخضاع الدول المتمردة على النظام المالي العالمي، وكأنما هناك عقاب ممنهج لكل من يحاول الخروج عن النمط المسموح به. ولعل تجربة إيران بعد الثورة، وتجربة سورية أثناء الحرب، وتجربة اليمن تحت الحصار، وتجربة فنزويلا في أمريكا اللاتينية، كلها شواهد حية على هذا العقاب الاقتصادي الذي يستهدف المجتمعات بأكملها، ولا يفرق بين أنظمة حاكمة وشعوب بسيطة، بل إن الشعور الأكثر معاناة في كثير من الأحيان هي الأبرياء الذين يدفعون الثمن الأكبر لصراعات النخب المالية.
والمدهش في هذا السياق أن الصراع الاقتصادي لا يقتصر على دول المقاومة التقليدية، بل يمتد ليشمل دولًا حليفة للنظام الأمريكي ولكنها تملك مشاريع سيادية محدودة، ففي الخليج العربي مثلاً نجد تناقضًا بين الثراء المالي الفاحش وضعف السيادة الحقيقية، فهذه الدول تمتلك أموالاً طائلة لكنها لا تمتلك قرارًا سياسيًا مستقلاً في كثير من القضايا المصيرية، وهي أشبه بمراكز تجميع للثروة يتم ضخها لاحقًا في النظام المالي العالمي عبر استثمارات ضخمة في الأسواق الغربية. وهذا النموذج يكرس التبعية الاقتصادية رغم المظهر البراق للثروة، ويجعل هذه الدول جزءًا من نظام الهيمنة وليس جزءًا من محور المقاومة له.
6.السياسة والدين في غرب آسيا.. صراع الرموز والحقائق
تظل منطقة غرب آسيا واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيدًا على صعيد العلاقة بين الدين والسياسة، إذ تتداخل الرموز الدينية مع المصالح الوطنية والسياسية في تشابك يصعب فك طلاسمه. وفي هذا السياق، يبرز الإسلام كعامل حاسم في تشكيل الهوية والتحالفات والصراعات، لكن استخدامه يختلف اختلافًا كبيرًا بين حركات سياسية متناقضة. فهناك إسلام المقاومة والاستقلال كما في حالة إيران وحزب الله وأنصار الله في اليمن، وهناك إسلام التبعية والتوظيف السياسي كما في بعض الحركات الإسلامية التي لعبت دورًا في تفكيك الدول الوطنية، وهناك إسلام الشرعية الرسمية الذي تستخدمه الأنظمة للحفاظ على مكانتها وقمع المعارضة.
المشكلة الأساسية أن الخطاب الإعلامي الغربي يميل إلى تبسيط هذه التعقيدات عبر تقديم الإسلام ككتلة واحدة مهددة، وكأن هناك "إسلامًا سياسيًا" واحدًا يمكن فهمه من خلال عدسة أمنية ضيقة، مما يحجب التنوع الهائل في التيارات والمشاريع الإسلامية ويخلط بين المختلفات والمتقابلات. وهنا تكمن ضرورة التحليل الموضوعي الذي يميز بين التيارات الإسلامية على أساس مواقفها من السيادة الوطنية والاستقلال الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وليس على أساس مستوى تدينها الظاهري أو انتمائها المذهبي أو حتى علاقاتها الدولية المعقدة والمتغيرة باستمرار.
إن التيارات الإسلامية المؤيدة للسيادة الوطنية والمناهضة للهيمنة الغربية تشكل اليوم جزءًا مهمًا من محور المقاومة في غرب آسيا، لكنها ليست الوحيدة التي تناضل ضد النظام العالمي الظالم، فهناك أحزاب قومية ويسارية وليبرالية تشارك في هذه المعركة من زوايا مختلفة، مما يثبت أن الصراع الأساسي هو صراع مواقف من النظام العالمي وليس صراع هويات دينية أو مذهبية. وهذا يفسر أيضًا لماذا تتعاون إيران مع روسيا والصين رغم اختلاف أيديولوجياتها، ولماذا تدعم المقاومة اليمنية كلاً من إيران وسوريا وحزب الله رغم التنوع المذهبي، فالعدو المشترك يوحد، والهدف المشترك للتحرر الوطني يجمع المختلفين حول طاولة واحدة.
7. العالم يُعاد تشكيله ومن لا يفهم البنية سيظل أسيرًا للخطاب القديم
إن استدعاء التاريخ الاستعماري في النقاش المعاصر هو ضرورة منهجية لفهم جذور الهيمنة وآلياتها، لكنه وحده لا يكفي لفهم حاضرها المعقد، فالاستعمار اليوم لم يعد يحمل وجه البحارة الإسبان ولا ضباط الإمبراطورية البريطانية، بل يحمل وجه المصرفيين العالميين ومديري صناديق التحوط وخبراء البنك الدولي، ولسانه هو لغة الأرقام والنسب المئوية وشروط القروض، وسلاحه هو العقوبات الاقتصادية والضغوط المالية وحملات التشويه الإعلامي. الهيمنة اليوم ليست صليبية المضمون كما يروج البعض، بل هي مالية صرفة؛ ليست دينية المحتوى وإن ظهرت في ثوب التصادم الحضاري، بل هي اقتصادية بالجوهر؛ ليست حضارية الهدف، بل هي أوليغارشية الطباع تحركها مصالح أقلية ضيقة لا تعرف وطنًا ولا دينًا ولا إنسانية.
وما يجري في غرب آسيا اليوم ليس حربًا على الإسلام بمقدار ما هو حرب على السيادة، حرب على حق الشعوب في أن تكون مالكة لثرواتها، لا مجرد خزانات ثرية تُضَخّ محتوياتها في شرايين رأس المال العالمي المتعطشة. ومن لا يدرك هذا الحقائق الجوهرية، سيظل أسيرًا لخطابات قديمة عفا عليها الزمان، لا تفسّر شيئًا من عالم اليوم المحتدم، بل تزيده غموضًا وتعقيدًا وتضليلًا.
في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، حيث يعاد تشكيل العالم أمام أعيننا، وتتغير التحالفات وتنهار الأنظمة، وتظهر قوى جديدة وتخبو أخرى، تصبح الحاجة ملحة إلى تحليل نقدي عميق يتجاوز الأسطح المتلألئة إلى الأعماق المضطربة، إلى إعادة اكتشاف البنية الصلبة التي تشكل العلاقات الدولية خلف الكواليس الدبلوماسية والخطابات الرنانة. إننا بحاجة إلى رؤية جديدة ترى الصراع كما هو، صراعًا بين منطق السيادة الوطنية ومنطق الهيمنة المالية، بين مشاريع التحرر الوطني ومشاريع التبعية الاقتصادية، بين حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وطموحات النخب العالمية في السيطرة على مقدرات الكوكب بأسره.
المنطقة تغلي والموازين تتغير، وكل الأطراف تترقب المشهد الجديد الذي سيخرج من رحم التحولات الكبرى. ولعل السؤال الأهم الذي يطرح نفسه على جميع الفاعلين في هذه الساحة الملتهبة: هل سيكون العالم الجديد عالمًا أكثر إنصافًا وسيادة، أم سيكون مجرد نسخة مطورة من الهيمنة القديمة بأدوات جديدة؟ الإجابة على هذا السؤال لن تتحدد في غرف الاجتماعات المغلقة ولا في عواصم القرار الكبرى، بل ستتحدد على أرض الواقع المترامية، في وعي الشعوب المستيقظة، وفي قدرتها على تجاوز خطابات الماضي إلى رؤى المستقبل، وفي جرأتها على بناء نماذج تنموية مستقلة تضع الإنسان في القلب وليس الربح، وتجعل السيادة هدفًا لا شعارًا، والعدالة غاية لا وسيلة.
إن إعادة تشكيل العالم ليست مجرد حدث يحدث، بل هي عملية مستمرة يشارك فيها الجميع بقوة إرادتهم ووعيهم واختياراتهم. وكلما ازداد وعي الشعوب بالبنية الحقيقية للصراع، ازدادت قدرتها على تحويل مسار التاريخ نحو مزيد من العدالة والسيادة. وهذا هو الأمل الذي يبقى مشعًا في قلوب كل من يكافح من أجل عالم أكثر إنسانية، عالم تكون فيه الثروة في خدمة الإنسان، وليس الإنسان في خدمة الثروة، عالم تكون فيه السيادة حقًا للشعوب، والتنمية هدفًا وطنيًا، والعالم كله ساحة للتعاون وليس للصراع والاستغلال.
………
مسارات للتعمق في التحليل
للمشتغلين بالشأن السياسي والاقتصادي الراغبين في الغوص أعمق في هذه القضية المعقدة والمتشعبة، نوصي بثلاثة محاور رئيسية للتعمق:
المحور الأول: تحليل بنية رأس المال العالمي وآليات هيمنته ويتطلب هذا دراسة الأعمال الأساسية في الاقتصاد السياسي النقدي، مثل كتابات إيمانويل والرشتاين عن النظام العالمي، وأعمال سوزان سترينج عن قوة المال في العلاقات الدولية، وتقارير البنك الدولي وصندوق النقد التي تكشف عن الشروط الخفية وراء القروض، إضافة إلى متابعة تحركات رأس المال في الأسواق المالية العالمية وفهم كيف تتشابك المصالح الاقتصادية مع القرارات السياسية الكبرى.
المحور الثاني: وظائف الإسلام السياسي في الصراعات المعاصرة ويتطلب هذا دراسة تاريخ الحركات الإسلامية منذ نشأتها، وفهم التحولات التي طرأت عليها، والعلاقات المتشابكة بين بعضها وأجهزة المخابرات الغربية والإقليمية، إضافة إلى تحليل الخطاب الإعلامي الذي يصور الصراع كصراع حضاري، ومحاولة نقد هذه الصورة من خلال قراءة الأدبيات التي تنتقد استخدام الدين كأداة سياسية من قبل القوى المهيمنة.
المحور الثالث: صراع السيادة والتنمية المستقلة في غرب آسيا وهذا يستدعي البحث في نماذج الدول التي حاولت بناء مشاريع تنموية مستقلة، سواء في المنطقة أو خارجها، وتحليل أسباب نجاحها أو فشلها، ودراسة حالة المقاومة في غرب آسيا كحالة خاصة من المواجهة مع الهيمنة المالية والعسكرية، والتعمق في البدائل المطروحة للنظام النيوليبرالي وكيف يمكن تطبيقها في سياقات مختلفة.
نؤكد أن هذه المواضيع ليست مجرد أبحاث أكاديمية باردة، بل هي مفاتيح لفهم عالمنا المعقد والتحرك فيه بوعي وفعالية، لأن من لا يفهم آليات الهيمنة التي تحكم حياته سيظل أسيرًا لها، ومن لا يدرك سبل التحرر منها سيبقى تابعًا لها، ومن لا يساهم في إعادة تشكيل العالم سيكون مجرد متلقٍ سلبي لنتائج تشكله من قبل الآخرين.
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مخاض الطاقة في خليج عُمان: حينما تكسر الصواريخ الذكية عظام ا
...
-
الصين بين سردية المركز وهيمنة الوقائع: نقد بنيوي لخطاب -العم
...
-
المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا
...
-
مقدمة كتابي : بيادق الرمال : تشريح الأدوار الوظيفية من الاحت
...
-
سورية بين خطاب إعادة الإعمار وواقع النهب المنظم
-
تريليونات الانحطاط: كيف تحوّل الاستثمار الخليجي إلى أداة لتد
...
-
تحرير الذهب الفلسطيني المجمد منذ 1948..فلسطين والذاكرة الدول
...
-
سورية بعد 2024... حين تبحث الجغرافيا عن مركزها وتعيد القوى ا
...
-
مرآة النظام العالمي الجديد من كراكاس هرمز إلى بكين
-
دراسة نقدية مقارنة بين روايتي- ثياب الامبراطور النفطية -وأشه
...
-
مسرحية: -طقوس التطهير-.. مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول و
...
-
شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق تو
...
-
الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء.. مسرحية كوميدية في
...
-
بين أكذوبة ال65 مليار برميل والهندسة الإمبريالية الجديدة ..
...
-
راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار
-
الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب
-
دراسة مقارنة: كتابي -خرائط الرماد- في سياق أدب التحولات الكب
...
-
سورية كحقل تجارب: كيف تُهندس القوى الغربية انهيار العقل الاج
...
-
حين تعلن واشنطن ان سورية لم تعد على خريطة الدول في العالم
-
-سَرَابِيّاتُ الْحَقِيقَةِ-.. مسرحية في ثلاثة فصول
المزيد.....
-
دور في الأوبرا.. لكن المرشح أفعى! ما القصة؟
-
ما هو الواقع المالي الذي يواجهه الفنانون الأفارقة في قطاع ال
...
-
في 5 قائق.. سرقة 3 لوحات بقيمة 10 ملايين دولار من متحف رينو
...
-
التعليم العالي: 9 نصائح مهمة لطلاب الشهادات الفنية للتنسيق ا
...
-
كيف صنع رغيف الخبز تاريخ الحضارات؟ من جلجامش إلى محمود درويش
...
-
أنتوني هوبكنز يوثق رحلة حياته في ألبوم موسيقي جديد
-
من نقد -الترمبية- إلى تبنيها طلبا للسلطة.. سيرة تحولات جيه د
...
-
مسرحية -الناعشون- السعودية تثير الأسئلة الوجودية في مهرجان ا
...
-
حرب بصرية.. جدران طهران تتحول إلى شاشة تروي رواية الصراع مع
...
-
التعليم العالي: خدمات مجانية لطلاب الشهادات الفنية بمركز الح
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|