|
|
خرائط الممرات: دراسة مقارنة لكتابي في الأدب الجيوسياسي العالمي
احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية
(Ahmad Saloum)
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 09:44
المحور:
الادب والفن
حين يتحدث الجغرافيا بلسان الأدب
تظهر الحاجة ، اليوم ، إلى كتب قادرة على قراءة العالم من زاوية جديدة، لا تعتمد على سرديات القوى التقليدية، بل على الجغرافيا، والممرات، والجنوب العالمي، وصعود الصين، وتراجع الهيمنة الغربية. كتاب «خرائط الممرات: تحوّلات القوة في عالم يتغيّر بصمت» ينتمي إلى هذا الجيل الجديد من الكتب، لكنه يتميّز عن نظائره العالمية بأنه مكتوب من زاوية عربية مستقلة، وبأنه يقدّم رؤية لا تنطلق من مصالح الغرب أو الشرق، بل من مصالح الجنوب العالمي الذي يصعد اليوم ليعيد تشكيل النظام الدولي.
هذه الدراسة تقارن هذا الكتاب مع خمسة أعمال عالمية بارزة تشبهه في الموضوع أو المنهج أو الرؤية، وهي: The Future is Asian لباراغ خانا، وThe Silk Roads لبيتر فرانكوبان، وThe New Map لدانيال يرغن، وThe Revenge of Geography لروبرت كابلان، وThe End of the World is Just the Beginning لبيتر زايهان. وتبيّن نقاط التشابه والاختلاف، وتحدّد موقع الكتاب في المشهد الفكري العالمي.
لعلّ ما يميز كتاب «خرائط الممرات» عن هذه الأعمال جميعاً هو أنه يكتب من الجنوب العالمي لا من الغرب. فمعظم الكتب الجيوسياسية الكبرى تُكتب من واشنطن، أو لندن، أو باريس، أو برلين، وتحمل رؤية غربية للعالم، حتى عندما تتناول الصين أو الشرق الأوسط أو إفريقيا. أما هذا الكتاب فيتميّز بأنه مكتوب من زاوية عربية مستقلة، يقرأ العالم من الممرات لا من الدول، ويضع مصر وإيران واليمن وسوريا في قلب التحوّل العالمي، ويقدّم الجنوب العالمي كفاعل لا كمتلقٍّ. وهذه زاوية نادرة في الأدبيات العالمية، تجعل من الكتاب إضافة نوعية إلى المكتبة الجيوسياسية المعاصرة.
الفصل الأول: موقع كتاب «خرائط الممرات» في الأدبيات الجيوسياسية العالمية
١. كتاب يكتب من الجنوب العالمي لا من الغرب
تُكتب معظم الكتب الجيوسياسية الكبرى من منظور غربي، حتى عندما تتناول مناطق خارج الغرب. فباراغ خانا، رغم كونه من أصل هندي، يكتب من زاوية اقتصادية–ليبرالية تعكس رؤية المؤسسات الغربية التي يعمل معها . وبيتر فرانكوبان، رغم تقديمه لرؤية بديلة للتاريخ، يظل أكاديمياً غربياً يكتب لجمهور غربي . ودانيال يرغن يكتب من زاوية الطاقة الأمريكية، مع تركيز واضح على المصالح الغربية في أسواق النفط والغاز .
أما كتاب «خرائط الممرات» فيتميّز بأنه مكتوب من زاوية عربية مستقلة، لا تنتمي إلى أي من مراكز القوة التقليدية. فهو يقرأ العالم من خلال عدسة الجنوب العالمي، ويرى في الممرات البحرية والبرية أدوات لإعادة توزيع القوة، لا مجرد قنوات للتجارة. وهذه الرؤية تمنح الكتاب خصوصية نادرة، وتجعله مرجعاً مهماً لفهم التحولات الجيوسياسية من منظور غير غربي.
٢. كتاب يدمج الأدب بالجغرافيا
الكتب الجيوسياسية عادةً جافة وتقنية ومليئة بالأرقام. أما هذا الكتاب فيجمع بين لغة أدبية عالية، وتحليل جيوسياسي عميق، وسردية متماسكة، ورؤية فلسفية للجغرافيا. هذا الدمج يضع الكتاب في فئة خاصة تشبه أعمال أمين معلوف وإدوارد سعيد وبيتر فرانكوبان ، لكن بأسلوب خاص يمزج بين التحليل السياسي والبلاغة الأدبية.
فالكتاب لا يكتفي بعرض الحقائق الجيوسياسية، بل يصوغها في سردية تجعل القارئ يعيش تحولات الممرات وكأنها دراما إنسانية. وهذه المقاربة الأدبية تجعل الكتاب أقرب إلى الأعمال الفلسفية منه إلى الكتب التقنية، وهو ما يمنحه جاذبية لجمهور أوسع من المتخصصين.
٣. كتاب يقدّم رؤية جديدة للشرق الأوسط
الشرق الأوسط في الكتب الغربية يُقرأ عادةً كمنطقة نزاعات وحروب وصراعات طائفية. أما هذا الكتاب فيقدّمه كمنطقة ممرات وعقد جيوسياسية ونقاط ارتكاز ومستقبل لا ماضٍ . وهذا تحوّل مهم في السردية، يجعل من المنطقة مصدراً للقوة والفرص، لا مجرد ساحة للصراعات.
الفصل الثاني: مقارنة مع كتاب «The Silk Roads» – بيتر فرانكوبان
نقاط التشابه
يكتب فرانكوبان في كتابه The Silk Roads: A New History of the World عن طريق الحرير كمركز للتاريخ العالمي، محاولاً تصحيح النظرة الغربية التي تهمل دور آسيا الوسطى والشرق الأوسط في تشكيل الحضارة العالمية . وهو يرى أن "العولمة ليست مفهوماً جديداً، بل يمكننا العودة إلى ٢٥٠٠ عام مضت ونجد مصادر صينية تشير إلى عالم كانت التبادلات فيه قوية بنفس القدر" .
وكذلك كتاب «خرائط الممرات» يقرأ العالم من الممرات لا من الدول، ويرى أن الشرق الأوسط ليس هامشاً بل قلب العالم، ويربط بين التاريخ والجغرافيا والاقتصاد في سردية متماسكة. كلا الكتابين يتحدى السردية الغربية التقليدية التي تبدأ مع الإغريق والرومان وتنتهي مع أوروبا وأمريكا.
نقاط الاختلاف
لكن الاختلافات جوهرية. فرانكوبان يكتب من زاوية تاريخية، بينما كتاب «خرائط الممرات» يكتب من زاوية مستقبلية. فرانكوبان يركّز على الماضي، بينما هذا الكتاب يركّز على القرن الحادي والعشرين. فرانكوبان يقرأ الشرق الأوسط كـ«طريق قديم»، بينما هذا الكتاب يقرأه كـ«ممر جديد» في نظام عالمي متغير.
كما أن فرانكوبان يقدّم سرداً تاريخياً واسعاً يمتد لآلاف السنين، بينما يركّز كتاب «خرائط الممرات» على التحولات المعاصرة، خاصة صعود الصين، وإعادة تعريف دور مصر وإيران واليمن في النظام العالمي. وثمة فرق آخر: فرانكوبان يكتب كأكاديمي غربي يقدّم رؤية بديلة للتاريخ، بينما يكتب صاحب «خرائط الممرات» كصوت من الجنوب العالمي يقدّم رؤية جديدة للمستقبل.
خلاصة المقارنة
يمكن القول إن «خرائط الممرات» هو امتداد حديث لكتاب فرانكوبان، لكنه يتجاوزه لأنه يقدّم رؤية سياسية للمستقبل، لا سرداً تاريخياً للماضي. فبينما يسأل فرانكوبان "كيف تشكل العالم؟"، يسأل كتاب «خرائط الممرات» "كيف سيتشكل العالم؟". وهذا التحول من الماضي إلى المستقبل يمنح الكتاب أهميته الخاصة في الأدبيات الجيوسياسية المعاصرة.
الفصل الثالث: مقارنة مع كتاب «The Future is Asian» – باراغ خانا
نقاط التشابه
يقدّم باراغ خانا في كتابه The Future Is Asian رؤية للقرن الحادي والعشرين كـ"قرن آسيا"، حيث تؤكد البيانات أن النظام الآسيوي الجديد يشمل دولاً من السعودية إلى اليابان، ومن روسيا إلى أستراليا، ومن تركيا إلى إندونيسيا، ويمثل معاً ٤٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي . ويؤكد خانا أن "الآسيويين سيحددون مستقبلهم الخاص، وبينما يؤكدون مصالحهم حول العالم، سيحددون مستقبلنا أيضاً" .
كذلك كتاب «خرائط الممرات» يرى أن القرن الحادي والعشرين هو قرن آسيا، ويضع الصين في قلب التحوّل العالمي، ويقرأ العالم من زاوية التجارة والممرات. كلا الكتابين يرفض النظرة الغربية التي ترى آسيا كمجرد سوق أو منطقة تهديد، ويقدّمها كمركز للنظام العالمي الجديد.
نقاط الاختلاف
لكن خانا يكتب من زاوية اقتصادية–ليبرالية، بينما كتاب «خرائط الممرات» يكتب من زاوية جيوسياسية–وظيفية. خانا يركّز على آسيا، بينما هذا الكتاب يربط آسيا بالشرق الأوسط وإفريقيا في شبكة واحدة من الممرات والمصالح. خانا يتجاهل مصر وإيران واليمن إلى حد كبير، بينما هذا الكتاب يجعلها ركائز أساسية في التحول العالمي.
كما أن خانا يقدّم رؤية متفائلة للعولمة الآسيوية، بينما يقدّم كتاب «خرائط الممرات» رؤية أكثر تعقيداً، تراعي التنافس بين القوى الكبرى، وتداعيات صعود الجنوب العالمي على النظام الدولي القائم.
خلاصة المقارنة
يقدّم كتاب «خرائط الممرات» رؤية أكثر شمولاً من خانا، لأنه يدمج آسيا بالشرق الأوسط وإفريقيا في شبكة واحدة، ويرى أن مستقبل العالم لا يكتب في آسيا وحدها، بل في تقاطع آسيا مع الممرات الحيوية التي تصلها بأوروبا وأفريقيا. وهذا المنظور الأوسع يمنح الكتاب عمقاً استراتيجياً لا يتوفر في كتاب خانا.
الفصل الرابع: مقارنة مع كتاب «The New Map» – دانيال يرغن
نقاط التشابه
يقدّم دانيال يرغن في كتابه The New Map: Energy, Climate, and the Clash of Nations قراءة للعالم من زاوية الطاقة والممرات، حيث يرى أن "نوعاً جديداً من الحرب الباردة آخذ في الظهور"، وأن النظام العالمي يتشكل من خلال تغير المناخ وثورة النفط والغاز الصخري . ويركز يرغن على الممرات البحرية كشرايين للاقتصاد العالمي، ويهتم بشكل خاص بمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس .
كذلك كتاب «خرائط الممرات» يقرأ العالم من زاوية الطاقة والممرات، ويرى أن الممرات البحرية هي شرايين القرن الجديد، ويركّز على هرمز وباب المندب والسويس كنقاط ارتكاز في النظام العالمي.
نقاط الاختلاف
لكن يرغن يكتب من زاوية الطاقة الأمريكية، بينما كتاب «خرائط الممرات» يكتب من زاوية المصالح الصينية والعربية. يرغن يقدّم الشرق الأوسط كمنطقة نفط، بينما هذا الكتاب يقدّمه كمنطقة ممرات. يرغن يتجاهل اليمن إلى حد كبير، بينما هذا الكتاب يضعه في قلب البحر الأحمر.
فيرغن، كما يظهر في مقابلاته، يرى أن التحول في ميزان الطاقة "أعطى الولايات المتحدة درجة من النفوذ لم تكن تملكها من قبل"، وأن هذا النفوذ "هام بشكل خاص في الائتلاف الداعم لأوكرانيا" . أما كتاب «خرائط الممرات» فينظر إلى الممرات من منظور الجنوب العالمي، ويرى فيها أدوات لتقليص النفوذ الغربي، لا لتعزيزه.
خلاصة المقارنة
يقدّم كتاب «خرائط الممرات» رؤية أكثر حداثة من يرغن، لأنه يقرأ الممرات كقوة سياسية، لا كقنوات نفطية. فبينما يركز يرغن على الطاقة كمحرك للجغرافيا السياسية، يركز كتاب «خرائط الممرات» على الممرات كبنية تحتية للقوة، تتجاوز الطاقة إلى التجارة والاتصالات والنفوذ الاستراتيجي.
الفصل الخامس: مقارنة مع كتاب «The Revenge of Geography» – روبرت كابلان
نقاط التشابه
يقدّم روبرت كابلان في كتابه The Revenge of Geography رؤية واقعية للجغرافيا كقوة حاسمة في السياسة الدولية، حيث يرى أن "الجبال والأنهار والسهول والدلتا والصحاري حقيقية، ويمكن أن تمارس تأثيراً عميقاً على أنواع السياسات والأنظمة التي تنشأ" . ويؤكد كابلان أن الجغرافيا "ليست مجرد خلفية للمهمة، بل عقبات فعلية" يجب أن يأخذها صناع السياسة في الاعتبار .
كذلك كتاب «خرائط الممرات» يرى أن الجغرافيا هي القوة الحقيقية في السياسة، ويقرأ الدول من خلال موقعها لا من خلال خطابها، ويركّز على الشرق الأوسط كعقدة جيوسياسية.
نقاط الاختلاف
لكن كابلان يكتب من زاوية أمريكية–واقعية، بينما كتاب «خرائط الممرات» يكتب من زاوية جنوب عالمي–وظيفية. كابلان يركّز على المخاطر، بينما هذا الكتاب يركّز على الفرص. كابلان يرى الشرق الأوسط كمنطقة فوضى، بينما هذا الكتاب يراه كمنطقة ممرات.
فكابلان، الذي كان مؤيداً للحرب في العراق، كتب كتابه بدافع من "الندم على النتيجة المأساوية لهذه الحرب"، ويلوم "صانعي السياسات المثاليين في البيت الأبيض" لفشلهم في "مراعاة التضاريس المادية للبلاد التي سيقاتلون فيها" . أما كتاب «خرائط الممرات» فينظر إلى الشرق الأوسط من زاوية بناءة، ويرى فيه إمكانات للتعاون والتنمية، لا مجرد مخاطر وصراعات.
خلاصة المقارنة
يتجاوز كتاب «خرائط الممرات» كابلان لأنه يقدّم رؤية إيجابية للشرق الأوسط، لا رؤية تشاؤمية. فبينما يرى كابلان الجغرافيا كـ"انتقام" يعيد المخاطر والصراعات، يرى هذا الكتاب الجغرافيا كفرصة لإعادة تشكيل النظام العالمي لصالح الجنوب العالمي.
الفصل السادس: مقارنة مع كتاب «The End of the World is Just the Beginning» – بيتر زايهان
نقاط التشابه
يقدّم بيتر زايهان في كتابه The End of the World is Just the Beginning رؤية قاتمة للعالم بعد انهيار العولمة، حيث يرى أن "كل ما كان مصطنعاً، وكل ذلك مؤقت، وكل ذلك ينتهي" . ويركز زايهان على أن "الولايات المتحدة، التي خلقت وحمت النظام العالمي، فقدت الاهتمام بالحفاظ عليه"، وأن العالم سيعود إلى حالة تجعل "الدول أو المناطق لا خيار أمامها سوى صنع سلعها بنفسها، وزراعة طعامها بنفسها، وتأمين طاقتها بنفسها، وخوض معاركها بنفسها" .
كذلك كتاب «خرائط الممرات» يرى أن العالم يدخل مرحلة جديدة، وأن الممرات هي القوة السياسية الجديدة، ويربط بين الجغرافيا والاقتصاد في تحليل شامل.
نقاط الاختلاف
لكن زايهان يكتب من زاوية انهيار العولمة الغربية، بينما كتاب «خرائط الممرات» يكتب من زاوية صعود العولمة الصينية. زايهان يرى المستقبل فوضوياً، بينما هذا الكتاب يراه منظّماً عبر الممرات. زايهان يتجاهل مصر واليمن، بينما هذا الكتاب يضعهما في قلب التحوّل.
فزايهان يقدم رؤية أمريكية تشاؤمية، ترى في تراجع النفوذ الأمريكي نهاية للعالم كما نعرفه. أما كتاب «خرائط الممرات» فيرى في هذا التراجع فرصة لصعود الجنوب العالمي، وإعادة تشكيل النظام الدولي بشكل أكثر عدلاً وتوازناً.
خلاصة المقارنة
يقدّم كتاب «خرائط الممرات» رؤية أكثر توازناً من زايهان، لأنه يرى المستقبل كتحوّل لا كإنهيار. فبينما يرى زايهان أن نهاية العولمة الأمريكية هي نهاية العالم، يرى هذا الكتاب أنها بداية عالم جديد، تتعدد فيه أقطاب القوة، وتتشابك فيه المصالح، وتصبح الممرات هي اللغة الجديدة للجغرافيا السياسية.
الفصل السابع: ما الذي يضيفه كتاب «خرائط الممرات» إلى الأدبيات العالمية؟
١. رؤية عربية مستقلة للعالم
هذا وحده يكفي ليجعل الكتاب إضافة نوعية. ففي وقت تسيطر فيه الرؤى الغربية على الأدبيات الجيوسياسية، يأتي كتاب يقدّم رؤية من قلب الجنوب العالمي، تعكس مصالح وتطلعات المنطقة العربية في نظام دولي متغير.
٢. قراءة جديدة للشرق الأوسط
الشرق الأوسط كمنطقة ممرات، لا كمنطقة نزاعات. هذه الرؤية تغيّر طريقة النظر إلى المنطقة، وتجعل منها مصدراً للقوة والفرص، لا مجرد ساحة للصراعات. وكما تؤكد تحليلات معاصرة، "لم تعد التحولات التي يشهدها الإقليم تُقرأ من خلال الحروب والتحالفات وموازين القوى العسكرية والتكنولوجية فقط، فبالتوازي مع المشهد السياسي والأمني المضطرب، هنالك ما يحدث بضجة أقل وبعد أعمق: إعادة رسم خرائط التجارة وسلاسل التوريد والممرات الاقتصادية في العالم" .
٣. دمج الأدب بالجغرافيا
لغة أدبية رفيعة في كتاب جيوسياسي. هذا الدمج يمنح الكتاب جاذبية لجمهور أوسع من المتخصصين، ويجعله أقرب إلى الأعمال الفلسفية منه إلى الكتب التقنية. فهو لا يكتفي بعرض الحقائق، بل يصوغها في سردية تجعل القارئ يعيش تحولات الممرات وكأنها دراما إنسانية.
٤. تقديم الجنوب العالمي كفاعل
لا كمتلقٍّ للقرارات الغربية. هذه الرؤية تمنح الكتاب أهميته السياسية، وتجعله مرجعاً لفهم كيف ترى دول الجنوب العالمي تحولات النظام الدولي، وما هي طموحاتها في هذا التحول.
٥. إعادة تعريف دور مصر وإيران واليمن
كقوى ممرات، لا كقوى تقليدية. هذه الرؤية تمنح هذه الدول موقعاً جديداً في الخريطة الجيوسياسية، وتجعل منها لاعباً رئيسياً في تشكيل مستقبل المنطقة والعالم.
الفصل الثامن: نقاط القوة في كتاب «خرائط الممرات» مقارنة بالكتب العالمية
أولاً: لغة أدبية لا يمتلكها أي كتاب جيوسياسي عالمي. فالكتب الجيوسياسية عادةً جافة وتقنية، بينما يتميز هذا الكتاب ببلاغة أدبية تذكر بأعمال أمين معلوف وإدوارد سعيد.
ثانياً: رؤية عربية مستقلة غير موجودة في الأدبيات الغربية. فمعظم الكتب الجيوسياسية تُكتب من منظور غربي، حتى عندما تتناول مناطق خارج الغرب. وهذا الكتاب يقدّم رؤية من قلب الجنوب العالمي.
ثالثاً: دمج بين الممرات والشرعية والدولة. فالكتاب لا يقتصر على تحليل الممرات كبنية تحتية، بل يربطها بالشرعية السياسية وقدرة الدولة على لعب دور في النظام العالمي.
رابعاً: تحليل لسوريا واليمن لا يوجد في أي كتاب عالمي. فهذه الدول تُهمش في معظم الكتب الجيوسياسية الغربية، بينما يضعها هذا الكتاب في قلب التحول العالمي.
خامساً: قراءة جديدة لدور الصين في الشرق الأوسط. فالكتاب يقدّم الصين ليس كقوة خارجية، بل كلاعب رئيسي في شبكة الممرات التي يعيد تشكيلها.
سادساً: تقديم مصر كعاصمة الجنوب العالمي. هذه الرؤية تمنح مصر موقعاً جديداً في الخريطة الجيوسياسية، وتجعل منها لاعباً رئيسياً في تشكيل مستقبل المنطقة والعالم.
الفصل التاسع: نقاط الضعف المحتملة (لأغراض النقد الأكاديمي)
لكل كتاب نقاط قوة ونقاط ضعف، ومن الإنصاف الإشارة إلى بعض النقاط التي يمكن أن تكون محلاً للنقد الأكاديمي:
أولاً: الكتاب يركّز على الصين أكثر من القوى الأخرى. فبينما يقدم تحليلاً عميقاً للدور الصيني في الممرات، قد لا يولي الاهتمام الكافي للقوى الأخرى مثل روسيا والهند والاتحاد الأوروبي.
ثانياً: لا يتناول أوروبا بعمق. فمع أن الممرات تربط آسيا بأوروبا، فإن الكتاب لا يقدّم تحليلاً مفصلاً للدور الأوروبي في هذه الممرات، أو لكيفية تأثر أوروبا بالتحولات الجيوسياسية في المنطقة.
ثالثاً: لا يقدّم سيناريوهات اقتصادية مفصلة. فالكتاب يعتمد على التحليل الجيوسياسي أكثر من التحليل الاقتصادي الكمي، مما قد يحد من قيمته كمرجع للتنبؤ بالتطورات الاقتصادية.
رابعاً: يعتمد على التحليل أكثر من الأرقام. فهذا الأسلوب، رغم قيمته الأدبية، قد لا يرضي القراء الذين يبحثون عن بيانات إحصائية دقيقة لدعم التحليلات.
لكن هذه نقاط ضعف «اختيارية» وليست أخطاء، لأنها جزء من طبيعة الكتاب. فكتاب «خرائط الممرات» ليس كتاباً اقتصادياً، ولا كتاباً تاريخياً، بل كتاباً جيوسياسياً–أدبياً يهدف إلى تقديم رؤية جديدة للعالم، لا إلى تقديم بيانات إحصائية.
الفصل العاشر: الخلاصة العامة للدراسة
يقف كتاب «خرائط الممرات» في موقع فريد بين الكتب العالمية. إنه أعمق من The Future is Asian لباراغ خانا، لأنه يدمج آسيا بالشرق الأوسط وإفريقيا في شبكة واحدة. وهو أكثر حداثة من The Silk Roads لبيتر فرانكوبان، لأنه يقدّم رؤية سياسية للمستقبل، لا سرداً تاريخياً للماضي. وهو أكثر شمولاً من The New Map لدانيال يرغن، لأنه يقرأ الممرات كقوة سياسية، لا كقنوات نفطية. وهو أكثر تفاؤلاً من The Revenge of Geography لروبرت كابلان، لأنه يرى الشرق الأوسط كمنطقة فرص، لا كمنطقة فوضى. وهو أكثر توازناً من The End of the World is Just the Beginning لبيتر زايهان، لأنه يرى المستقبل كتحوّل لا كإنهيار.
إنه كتاب يقدّم رؤية جديدة للعالم من زاوية الجنوب العالمي، ويعيد تعريف معنى الجغرافيا، ومعنى الدولة، ومعنى القوة، ومعنى الممرات. إنه كتاب لا يشبه أحداً، لكنه يشبه المستقبل.
كما تشير التحليلات المعاصرة، "في عالم يعاد تشكيله، قد لا تكون المسألة الأهم هي النفوذ على الأرض، بل في من تمر عبره التجارة والطاقة والبيانات، ومن يستطيع أن يضمن استمرار تدفقها عندما تتعطل المسارات التقليدية" . وهذا هو بالضبط ما يقدّمه كتاب «خرائط الممرات»: قراءة جديدة للعالم، ترى في الممرات ليس مجرد بنية تحتية، بل لغة جديدة للجغرافيا السياسية، وأداة لإعادة توزيع القوة في القرن الحادي والعشرين.
في نهاية هذه المقارنة، يمكن القول إن كتاب «خرائط الممرات» ليس مجرد إضافة إلى الأدبيات الجيوسياسية العالمية، بل هو نقلة نوعية فيها. إنه كتاب يقرأ العالم من حيث لا يقرأه الآخرون، ويرى ما لا يرونه، ويقدّم رؤية لا تقدّمها أي كتابة غربية. وهو بذلك يستحق أن يكون مرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم تحولات القوة في عالم يتغيّر بصمت.
......... يمكن قراءة الكتاب مجانا على الرابطين:
https://saloum1.substack.com/p/1-2-be2?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
https://saloum1.substack.com/p/2-2?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw
#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)
Ahmad_Saloum#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مسرحية -العالم مسرح... والحمقى ممثلوه- كوميديا تراجيدية في خ
...
-
مسرحية ساخرة : -ترامبوصوف: يوم دمر الرئيس البحرية الإيرانية.
...
-
التقاطع الخفي: كيف يتوحد اليمين الألماني تحت سقف النيوليبرال
...
-
إعادة تشكيل العالم: صراع السيادة مقابل هيمنة رأس المال العال
...
-
مخاض الطاقة في خليج عُمان: حينما تكسر الصواريخ الذكية عظام ا
...
-
الصين بين سردية المركز وهيمنة الوقائع: نقد بنيوي لخطاب -العم
...
-
المال الذي قتل: قراءة في قرار لوكسمبورغ وإنهاء تواطؤ أوروبا
...
-
مقدمة كتابي : بيادق الرمال : تشريح الأدوار الوظيفية من الاحت
...
-
سورية بين خطاب إعادة الإعمار وواقع النهب المنظم
-
تريليونات الانحطاط: كيف تحوّل الاستثمار الخليجي إلى أداة لتد
...
-
تحرير الذهب الفلسطيني المجمد منذ 1948..فلسطين والذاكرة الدول
...
-
سورية بعد 2024... حين تبحث الجغرافيا عن مركزها وتعيد القوى ا
...
-
مرآة النظام العالمي الجديد من كراكاس هرمز إلى بكين
-
دراسة نقدية مقارنة بين روايتي- ثياب الامبراطور النفطية -وأشه
...
-
مسرحية: -طقوس التطهير-.. مسرحية تراجيكوميدية في ثلاثة فصول و
...
-
شبكات الكيميائي السوري ودور الفاعلين غير الحكوميين..تحقيق تو
...
-
الإمبراطورية التي اخترعت النفط من لا شيء.. مسرحية كوميدية في
...
-
بين أكذوبة ال65 مليار برميل والهندسة الإمبريالية الجديدة ..
...
-
راين دراغي وصناعة الشرعية الأوروبية في زمن الانهيار
-
الغريب الأبدي: الفلسطيني في مرآة الغرب
المزيد.....
-
جمهور مهرجان تورنتو السينمائي يرسم الطريق للأوسكار
-
شيري عادل تنجو من حادث سير في طريقها إلى مهرجان -الغردقة لسي
...
-
بعد أحداث 11 سبتمبر.. لم تعد أفلام نيويورك كما كانت من قبل
-
وزير الزراعة والممثل الإقليمي لـ «الفاو» يشهدان توقيع مشروعي
...
-
-أجبرنا على تخطي كل شيء-.. ريهام عبدالغفور تعبر عن اشتياقها
...
-
قصة حب كادت ألا تحصل.. جزيرة يونانية تجمع قلبين في قصة تشبه
...
-
أمسية أردنية خاصة في موسكو لتعزيز التعاون الثقافي والسياحي م
...
-
أنقذا مخطوطات غزة من الإبادة.. فلسطينيان يفوزان بجائزة اليون
...
-
زاخاروفا: موسكو وواشنطن لديهما ما يتحدثان عنه والأهم ترجمة ا
...
-
بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في
...
المزيد.....
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
المزيد.....
|