مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 21:12
المحور:
القضية الكردية
ليست كل جريمة قتل مجرد جريمة قتل، وليست كل عملية تصفية جسدية حدثاً منفصلاً عن السياق السياسي والأمني الذي تجري فيه.
مقتل المقاتل الكوردي سيپان ، بعد اختطافه واقتياده إلى منطقة في ريف الحسكة ثم قتله بطريقة وحشية، يستحق قراءة تتجاوز الجانب الجنائي المباشر للجريمة. فبصرف النظر عن هوية المنفذين ودوافعهم التي ما تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف، فإن توقيت الجريمة وطبيعة تنفيذها والبيئة السياسية والأمنية التي وقعت فيها تفرض سؤالاً أكبر:
هل نحن أمام جريمة تستهدف شخصاً بعينه، أم أمام فعل يمكن أن يتحول إلى أداة لضرب مشروع سياسي وأمني أوسع في المنطقة؟
هذا السؤال لا يعني القفز إلى استنتاجات مسبقة، ولا يعني اتهام جهة محددة من دون أدلة. لكنه يعني ببساطة أن علينا أن نقرأ الأحداث ضمن سياقها، وأن ننتبه إلى أن الفوضى الأمنية لا تحدث دائماً من دون مستفيدين.
من اغتيال الفرد إلى استهداف المشروع
في مراحل التحولات السياسية الكبرى، تصبح الشخصيات التي لعبت أدواراً في بناء التفاهمات أو الدفاع عن مشروع سياسي أكثر من مجرد أفراد.
إنها تتحول إلى رموز مرتبطة بمسار كامل.
ولهذا فإن تصفية شخصية ذات حضور أو تأثير قد تحمل هدفين متلازمين: التخلص من الشخص نفسه، وفي الوقت ذاته إرسال رسالة إلى البيئة التي يمثلها بأن المشروع الذي ينتمي إليه غير قادر على حماية رجاله ومؤسساته.
وهنا تكمن خطورة حادثة سيپان .
فإذا كان الهدف مجرد تصفية شخصية نتيجة ثأر أو خلاف سابق، فإن الدولة والقضاء مطالبان بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين. أما إذا كانت الجريمة جزءاً من مناخ يجري فيه استهداف شخصيات ومراكز تأثير مرتبطة بالمسار الكوردي الجديد، فإن المسألة تصبح أكثر خطورة، لأنها قد تتحول إلى سياسة إنهاك للمشروع من الداخل.
وهذا هو الاحتمال الذي يجب ألا نتجاهله.
لماذا يمكن أن تتكرر مثل هذه العمليات؟
الأخطر ليس فقط وقوع جريمة واحدة، بل أن تتحول الجريمة إلى نمط قابل للتكرار.
ففي البيئات الانتقالية والهشة، يمكن لعملية اغتيال واحدة أن تؤدي إلى سلسلة من النتائج:
1. إزالة شخصيات مؤثرة لها دور في حماية المشروع أو التفاوض حوله.
2. إثارة الخوف داخل المجتمع وإضعاف الثقة بالمؤسسات الأمنية والسياسية.
3. دفع الشارع إلى ردود فعل انتقامية.
4. تحويل الخلاف السياسي إلى صراع قومي ومجتمعي.
5. إقناع الناس بأن الاتفاقات والتفاهمات لم تحقق الأمن والأمان.
6. خلق بيئة شعبية رافضة للمشروع برمته.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
قد لا يكون المطلوب من الجهة التي تقف خلف مثل هذه العمليات السيطرة على المنطقة أو تحقيق انتصار عسكري مباشر؛ فقد يكون الهدف أكثر تعقيداً:
إقناع الناس بأن مشروع السلام والتفاهم فشل.
وهذه أخطر من عملية اغتيال فردية.
صناعة الفشل بدلاً من إسقاط المشروع بالقوة
المشاريع السياسية لا تسقط دائماً من خلال الهزيمة العسكرية.
أحياناً يكفي أن تُحرم من البيئة الأمنية اللازمة للاستمرار.
فإذا أصبح المواطن يشعر بأن الاتفاقات لم تمنحه الأمن، وأن القيادات والشخصيات المؤثرة يمكن اغتيالها أو تصفيتها، وأن المؤسسات عاجزة عن حماية الناس، فإن الثقة بالمشروع تبدأ بالتآكل.
وهكذا يمكن صناعة الفشل تدريجياً.
وهذه نقطة ينبغي التوقف عندها طويلاً.
من يريد إسقاط مشروع سياسي لا يحتاج دائماً إلى مهاجمته مباشرة؛ يمكنه أن يدفع المجتمع إلى الاعتقاد بأن المشروع نفسه هو سبب الفوضى.
وهنا تصبح عمليات الاغتيال والتصفية، إن ثبت ارتباطها بمخطط سياسي، جزءاً من حرب على الوعي والثقة بقدر ما هي عمل أمني.
من المستفيد من انهيار المشروع؟
هذا هو السؤال الأكثر أهمية، وليس بالضرورة السؤال عن المنفذ المباشر فقط.
في التحليل السياسي، لا يكفي أن نسأل: من أطلق النار؟
بل يجب أن نسأل أيضاً:
من المستفيد من النتيجة التي ستترتب على إطلاق النار؟
إذا أدت عمليات القتل إلى توتر عربي-كوردي، وإلى انهيار الثقة بين المكونات، وإلى تصاعد خطاب الثأر والانتقام، ثم إلى صدامات أهلية واسعة، فإن المستفيد الحقيقي سيكون كل طرف لا يريد قيام صيغة مستقرة للتفاهم بين الكورد ودمشق، أو لا يريد تثبيت الحقوق السياسية والأمنية للكورد داخل سوريا.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى السياسة التركية بوصفها أحد الأطراف التي ينبغي أن تخضع للدراسة والتحليل في هذا السياق، ليس باعتبار ذلك دليلاً على مسؤوليتها المباشرة عن هذه الجريمة، وإنما لأن تركيا كانت تاريخياً من أكثر الأطراف حساسية تجاه التطورات السياسية والعسكرية الكوردية في سوريا.
كما ينبغي دراسة شبكة القوى المحلية والإقليمية التي تتقاطع مصالحها مع الموقف التركي، بما فيها القوى التي دخلت اليوم في ترتيبات جديدة مع سلطة دمشق.
لكن الفرق مهم جداً بين الاشتباه السياسي والتحليل الاستراتيجي من جهة، والاتهام الجنائي من جهة أخرى.
الأول مشروع ومطلوب، والثاني يحتاج إلى أدلة وتحقيقات.
لماذا تصبح الشخصيات القيادية هدفاً محتملاً؟
التجارب السياسية والتاريخية تثبت أن الشخصيات المؤثرة لا تكون مهمة فقط بسبب مواقعها الرسمية، وإنما بسبب قدرتها على التأثير في الجمهور، وعلى بناء الثقة، وعلى إدارة الأزمات، وعلى الربط بين القاعدة الشعبية والقيادة السياسية.
لذلك فإن تصفية هذه الشخصيات يمكن أن تحقق هدفين في وقت واحد:
أولاً: التخلص من شخصية تتمسك بالمشروع ولها حضور وتأثير وقدرة على الدفاع عنه.
ثانياً: خلق فراغ سياسي وأمني ونفسي يسمح للخصوم بإعادة تشكيل المشهد وفق مصالحهم.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بقوة هو:
هل نحن أمام محاولة لاستهداف أشخاص، أم أمام محاولة ممنهجة لتفريغ المشروع من الشخصيات القادرة على حمله والدفاع عنه؟
هذا السؤال يستحق البحث والتحقيق، وليس التجاهل.
الأخطر هو تحويل الدم إلى فتنة
ربما تكون أخطر نتيجة لهذه الجريمة ليست مقتل سيپان نفسه، على فظاعة ذلك، وإنما ما يمكن أن يحدث بعد الجريمة.
فإذا تحولت الجريمة إلى خطاب ثأري ضد العرب، أو إلى رد فعل جماعي ضد مكون اجتماعي بأكمله، فإن الجريمة تكون قد حققت هدفاً يتجاوز قتل شخص واحد.
وهنا يجب أن يكون الموقف الكوردي واضحاً وحازماً:
لا يجوز تحميل جماعة كاملة مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد.
ولا يجوز أن يتحول الدم الكوردي إلى ذريعة لإشعال حرب مع العرب، كما لا يجوز أن تتحول أي جريمة يرتكبها فرد كوردي إلى ذريعة لاستهداف الكورد جماعياً.
إن تحويل الصراع السياسي إلى صراع قومي هو الطريق الأسرع إلى تدمير المنطقة.
وإذا كان هناك من يريد بالفعل إفشال المشروع الكوردي، فإن أفضل خدمة يمكن تقديمها له هي أن ننجر إلى الفتنة التي يريدها.
ما نراه اليوم من حملات سياسية ليس تفصيلاً هامشياً
في الوقت نفسه، من الضروري الانتباه إلى تصاعد الأصوات التي تحاول تحميل القيادات الكوردية مسؤولية كل ما تحقق خلال السنوات الماضية، أو تصوير التطورات السياسية الأخيرة باعتبارها فشلاً كاملاً.
وهنا يجب أن نكون أكثر دقة.
يمكن انتقاد القيادات، ومراجعة القرارات، ومناقشة الأخطاء، وهذا حق سياسي مشروع.
لكن هناك فارقاً بين النقد السياسي الطبيعي وبين تحويل النقد إلى حملة منظمة تهدف إلى ضرب الثقة بكل ما تحقق، وإقناع الجمهور بأن المسار كله كان خطأ.
فالمشروع السياسي لا ينبغي أن يكون رهينة للأشخاص، كما أن الأشخاص لا ينبغي أن يصبحوا بديلاً عن المشروع.
وهذه نقطة استراتيجية بالغة الأهمية.
إذا كان المشروع الكوردي في سوريا يريد الاستمرار، فعليه أن يتحول من مشروع يعتمد على أفراد إلى مشروع مؤسسات وحقوق وضمانات سياسية وقانونية.
المطلوب: اليقظة وليس الانفعال
في مواجهة مثل هذه الأحداث، لا أعتقد أن المطلوب هو الصمت، ولا أعتقد أن المطلوب هو الانفعال.
المطلوب هو اليقظة.
علينا أن نفترض أن مثل هذه الحوادث يمكن أن تتكرر، وأن نستعد سياسياً وأمنياً ومجتمعياً لمنع تكرارها.
وإذا وقعت جريمة جديدة، يجب ألا نسمح بتحويلها إلى مواجهة جماعية.
وإذا حاول أحد إشعال الشارع على أساس عربي-كوردي، يجب أن تكون الإجابة واضحة:
لن نمنحه هذه الفرصة.
وإذا حاول أحد استخدام الدم لإسقاط التفاهمات السياسية، فيجب أن يكون الرد أكثر وضوحاً:
لن نسمح للجريمة بأن تهزم السياسة.
المشروع أكبر من الأشخاص
سيپان يمكن أن يكون ضحية لجريمة وحشية، لكن المشروع الذي آمن به لا ينبغي أن يصبح ضحية معها.
هذه هي النقطة التي يجب أن ندافع عنها.
نحن بحاجة إلى تحقيق شفاف يكشف الحقيقة كاملة، وإلى محاسبة قانونية صارمة لكل من شارك في الجريمة أو خطط لها أو حرّض عليها.
لكننا بحاجة، في الوقت نفسه، إلى وعي سياسي يمنع تحويل الجريمة إلى صراع عربي-كوردي.
فإذا كان الهدف هو هدم المشروع من خلال الفوضى، فإن أفضل رد هو حماية المشروع من الفوضى.
وإذا كان الهدف هو ضرب الثقة، فإن أفضل رد هو تعزيز المؤسسات والقانون.
وإذا كان الهدف هو دفع الكورد إلى الانتقام، فإن أفضل رد هو ضبط النفس والتمسك بالمسار السياسي.
وإذا كان الهدف هو إقناع الناس بأن مشروع السلام فشل، فإن أفضل رد هو تصحيح الأخطاء وتطوير المشروع، لا التخلي عنه.
الخلاصة
إن مقتل سيپان يجب ألا يُقرأ فقط باعتباره حادثة أمنية أو جريمة ثأرية محتملة، بل يجب أن يكون مناسبة لطرح أسئلة أعمق حول مستقبل المنطقة، وحول القوى التي قد تستفيد من انهيار التفاهمات، وحول إمكانية استخدام العنف لتفجير صراع مجتمعي يضرب المسار الكوردي من الداخل.
لا نملك اليوم، وفق المعلومات المتاحة، دليلاً يسمح بالجزم بأن هذه الجريمة جزء من مخطط إقليمي محدد، ولذلك فإن الاتهام المباشر يجب أن يترك للتحقيق والأدلة.
لكن التحذير السياسي مشروع وضروري.
فإذا كانت هناك جهة تريد تخريب مشروع السلام، فإنها قد لا تكتفي بحادثة واحدة. وقد تحاول تكرار عمليات التصفية، واستهداف الشخصيات المؤثرة، وإثارة البلبلة، ثم دفع المجتمع نحو ردود فعل عاطفية، وصولاً إلى صراع دموي يفقد الجميع السيطرة عليه.
ولهذا فإن المرحلة القادمة تتطلب أعلى درجات اليقظة.
علينا أن نفشل هذا المخطط قبل أن يتبلور.
لا بالثأر.
ولا بالانتقام.
ولا باستهداف مكون اجتماعي كامل.
بل بالوعي، والقانون، والمؤسسات، والوحدة السياسية، والتمسك بالمشروع.
فالذين يريدون هدم المشروع قد يراهنون على أن الدم سيقود إلى الفوضى.
ونحن يجب أن نثبت أن الدم لن يقودنا إلى الفوضى.
سيپان رحل، لكن المشروع الذي ناضل من أجله لن يرحل معه.
القضية الكوردية أكبر من الأشخاص، ومشروعنا أكبر من حادثة، ومستقبل شعبنا لا يقرره القتلة.
وسنستمر في طريقنا، بوعي وثبات، حتى تتحقق الحقوق والتطلعات المشروعة للشعب الكوردي في سوريا.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟