أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات دمشق والإدارة الذاتية















المزيد.....

هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات دمشق والإدارة الذاتية


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 17:45
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة إطارية
تشكّل التفاهمات الإستراتيجية الأخيرة بين دمشق من جهة، وقيادة الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ("قسد") من جهة أخرى، منعطفاً ذا طابع بنيوي في مسار الأزمة السورية، لا مجرد تسوية ظرفية عابرة. والملاحَظ أن هذا التحول لم ينبثق عن تقارب أيديولوجي أو اندماج فكري بين الطرفين، بل جاء تعبيراً صريحاً عن منطق الواقعية السياسية ، الذي يُخضع الفاعلين لحسابات المصلحة والقدرة لا لثبات المبدأ. فقد تضافرت عوامل استنزاف الموارد البشرية والمادية، وإعادة تموضع موازين القوى الإقليمية، وإدراك الطرفين كلفة الصدام العسكري المحتملة، لتدفع بالمسار من فضاء الشعارات التعبوية إلى حيّز التسويات التفاوضية القابلة للتنفيذ.
يسعى هذا التحليل إلى تفكيك بنية هذه التفاهمات عبر أربعة مستويات: ميزان المصالح المتبادل، الترتيبات المؤسسية التفصيلية، خارطة التنفيذ الزمنية، وأخيراً التقييم النقدي للمخاطر البنيوية التي تُحيط باستدامة الاتفاق.

أولاً: ميزان التوازنات والمكاسب المتبادلة
تقوم التفاهمات الراهنة على منطق التكيف المتبادل بين مقتضيات السيادة المركزية وخصوصية الحكم المحلي، وهو ما يمكن قراءته في ضوء أدبيات "تقاسم السلطة" المستخدمة في تسويات النزاعات ما بعد الحرب الأهلية. ويمكن تفكيك هذا الميزان على النحو الآتي:
من جهة السلطة المركزية، تستعيد دمشق الإشراف السيادي الكامل على الحدود الوطنية، وتُعيد توحيد إدارة الموارد النفطية والزراعية ضمن الخزينة العامة للدولة. وفي المقابل، تتنازل عن نمط الإدارة المركزية الصارمة لصالح تبنّي نظام لامركزية إدارية موسّعة، والالتزام بالاعتراف الدستوري بالحقوق اللغوية والثقافية للمكوّن الكوردي.
ومن جهة الإدارة الذاتية و"قسد"، يحصل الطرف الكوردي على شرعنة دستورية ومؤسسية لحقوقه الثقافية والتعليمية، إلى جانب دمج الكوادر المدنية ضمن ملاك الدولة، وتثبيت وجود أمني محلي يوفر حداً أدنى من الطمأنينة المجتمعية. في المقابل، يقرّ الاتفاق حلّ التشكيل العسكري المستقل لـ"قسد"، والتراجع عن مشروع "الإقليم السياسي المستقل" لصالح الاندماج ضمن الهياكل الرسمية للدولة السورية.
هذا التبادل يعكس نمطاً كلاسيكياً في تسويات ما بعد النزاع، حيث تُستبدل السيطرة الإقليمية الفعلية بضمانات مؤسسية ودستورية، وهو استبدال محفوف بالمخاطر بقدر ما هو ضروري لإنهاء حالة الانقسام الوظيفي للدولة.

ثانياً: الترتيبات الهيكلية: الأمن، التعليم، ونظام الحكم
1. البنية العسكرية والأمنية
ينص الاتفاق على حل "قسد" ككيان عسكري مستقل، وإعادة هيكلة مقاتليها ضمن فرقة عسكرية جديدة تابعة لوزارة الدفاع، تتألف من ثلاثة ألوية، إضافة إلى لواء خاص بمدينة كوباني يرتبط بفرقة عسكرية متمركزة في محافظة حلب أما ملف عفرين وعودة النازحين:
يُشكل ملف عفرين ركناً أساسياً في الترتيبات الميدانية، حيث ركّزت المفاوضات على وضع آليات عاجلة لضمان عودة آمنة وكريمة للنازحين إلى ديارهم وممتلكاتهم. وعلى الصعيد الأمني والعسكري، طُرِحت صيغة لتشكيل لواء عسكري وأمني محلي من أبناء المنطقة يتبع رسمياً لوزارة الدفاع والأمن الداخلي، لتولي حفظ الاستقرار ودمج المنطقة ضمن نظام اللامركزية الإدارية.. أما إدارة الأمن الداخلي في المراكز الحضرية الرئيسية - الحسكة والقامشلي - فتُناط بقوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية، في خطوة تُنهي ازدواجية الاختصاص الأمني.
2. المنظومة التعليمية والثقافية
يُعتمد تدريس اللغة الكوردية رسمياً ضمن المنهاج الوطني في المناطق ذات الأغلبية الكوردية، مع الإبقاء على المناهج الوطنية العامة، وتشكيل لجان مختصة لمعادلة الشهادات الصادرة سابقاً عن مؤسسات الإدارة الذاتية، بما يحفظ حقوق الطلبة ويضمن اندماجهم في التعليم العالي الرسمي.
3. نموذج الحوكمة واللامركزية
جرى الاستعاضة عن الطرح الفيدرالي - بحمولته السياسية العالية والحساسة بالنسبة لدمشق ولدول الجوار - بتطبيق قانون لامركزية إدارية موسّعة، يمنح المجالس المحلية والمحافظات صلاحيات تنفيذية وتنموية وخدمية فعلية، على أن تُدرج هذه الضمانات ضمن المبادئ التأسيسية للدستور القادم، لا كترتيب سياسي مؤقت قابل للنقض.

ثالثاً: التدرج التنفيذي وإدارة المخاطر
حرصاً على تجنّب الفراغ الأمني أو الإداري، وُضعت خارطة طريق تنفيذية موزّعة على أربع مراحل متتابعة، تعكس منطق "البناء التدريجي للثقة" المعتمد في تسويات النزاعات المماثلة:
المرحلة الأولى (الأسابيع 1-4) - التقييم والتكامل السيادي: تشكيل لجان فنية مشتركة، وبدء انتشار عناصر الأمن الداخلي في المراكز الحضرية، وتسلّم إدارة المعابر وحقول النفط عبر أطر مشتركة.
المرحلة الثانية (الأسابيع 5-12) - الإدماج العسكري والمالي: حصر السلاح الثقيل، والتنظيم الهيكلي للفرقة العسكرية الجديدة، وربط سلسلتها القيادية والمالية بوزارة الدفاع.
المرحلة الثالثة (الأسابيع 13-20) - الملاءمة الإدارية والتربوية: تسوية الأوضاع الوظيفية للعاملين المدنيين، وتطبيق المناهج الوطنية الموحدة، ومعادلة الوثائق الدراسية.
المرحلة الرابعة (الأسابيع 21-32) - التثبيت الدستوري والانتخابي: إقرار النصوص الدستورية الضامنة للحقوق واللامركزية، وتنظيم انتخابات المجالس المحلية.
يُلاحظ أن تسلسل المراحل يبدأ بالمكاسب السيادية للدولة (الحدود، الموارد) قبل الانتقال إلى الاستحقاقات المؤسسية للطرف الكوردي (الدستور، الانتخابات)، وهو ترتيب يعكس أولوية دمشق التفاوضية أكثر مما يعكس توازناً متكافئاً بين الطرفين.

رابعاً: التقييم النقدي والتحديات الإستراتيجية
رغم الاتزان الظاهري لهذه التسوية، فإن استدامتها تصطدم بثلاث عقبات جوهرية:
صدمة البيئة الشعبية: تواجه قيادات الطرفين صعوبة حقيقية في صياغة خطاب يُقنع القواعد الأيديولوجية والتيارات المتشددة بجدوى "التنازلات المتبادلة"، بعد سنوات من خطاب المواجهة القائم على منطق الصفر- مجموع.
هشاشة الضمانات الدستورية: يبقى الاتفاق رهين الإرادة السياسية والتنفيذ الميداني إلى حين ترسيمه في نصوص دستورية وقانونية نافذة تعلو على التقلبات السياسية الطارئة، وهو ما يُبقي الثقة المتبادلة معلّقة على أداء لا على نص.
حساسية التوازنات الإقليمية: يظل استقرار التفاهم مرهوناً بمدى تقبّل الفاعلين الإقليميين - وفي مقدمتهم الموقف التركي - لحل "قسد" ونقل مسؤولية الشريط الحدودي بالكامل إلى المؤسسة العسكرية الرسمية السورية، باعتبار أن أي تحفظ إقليمي جدي قد يقوّض مسار التنفيذ برمّته.

خاتمة تحليلية
تُعبّر هذه التسوية عن نمط جديد في إدارة الصراع بالوسائل التفاوضية بدل الأدوات العسكرية المباشرة، غير أن استدامتها لا تُقاس بمضمون النص بقدر ما تُقاس بقدرة الطرفين على تحويل التنازلات المرحلية إلى عقد اجتماعي وسياسي دائم، عبر تحقيق نتائج ملموسة على مستوى الأمن والخدمات ومعيشة السكان. وبقدر ما يمثل هذا المسار اختباراً لصلابة الدولة المركزية الناشئة، فإنه يمثل بالقدر ذاته اختباراً لقدرة الفاعل الكردي على إدارة الانتقال من موقع الفاعل شبه المستقل إلى موقع الشريك المندمج ضمن مؤسسات الدولة.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمن القومي الكوردي أولاً: نحو استراتيجية جديدة للقوة والاس ...
- كوردستان: من ورقة في يد الآخرين إلى مقياس لموازين القوى العا ...
- من البندقية إلى الدستور مظلوم عبدي وإعادة تأسيس المشروع الكو ...
- الكورد والتحول الجيوسياسي في الشرق الأوسط من إدارة الانقسام ...
- من ميزان القوة إلى ميزان الحقوق: كورد سوريا على أعتاب الإمتح ...
- تحولات مفهوم النضال وهندسة التنوع: من الانتهازية السياسية إل ...
- الكورد بين إسكندرونة وحلب في شهادة وليام بيدولف سنة 1609 قرا ...
- مشروع السلام في تركيا: فخ تصفية الحقوق الكوردية أم مدخل لسلا ...
- من إنهاء الحرب إلى بناء السلام تركيا والكورد أمام الاختبار ا ...
- حين تكتب الوثيقة تاريخ الكورد قراءة في «جوانب من تراث الكورد ...
- الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية ...
- من الأخفاق الىالقوة: أخلاقيات العمل والمسؤولية الفردية في بن ...
- سلام الأوهام- وتجارة -الفتات-: تفكيك المناورة التركية وتغييب ...
- الشخصية الكوردستانية
- من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الك ...
- الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع ...
- هل تكره الشعوب بعضها بالفطرة؟ العداء الأهلي بين البنية السيا ...
- الانتماء الحي نحو تأسيس دينامي لشرعية الجماعة السياسية بين ح ...
- بنية الردع الإقليمية وترسيخ مركزية الدولة: إعادة قراءة في ال ...
- قراءة في التوازن الإقليمي والاستراتيجية المستقلة: رد على أطر ...


المزيد.....




- السعودية والسنغال توقعان على مذكرة لتعزيز جهود مكافحة الفساد ...
- رئيس «صحة النواب» يُشيد برسائل الرئيس السيسي في احتفالية الم ...
- ماذا نعرف عن مجمع الأونروا الذي أخلته إسرائيل بالقوة؟
- ماغدبورغ ـ متاجر المهاجرين تواجه صعود حزب البديل في ألمانيا ...
- دعوات عاجلة لإغاثة المخيمات الفلسطينية في لبنان وحماية حق ال ...
- من التشكيك إلى الحظر والهدم.. كيف استهدفت إسرائيل الأونروا؟ ...
- الأمم المتحدة: مليون طفل أفغاني مهددون بالموت جوعاً
- بن غفير يعلن بدء إزالة الأونروا من القدس وتحذيرات من تفجر ال ...
- الأمم المتحدة تخفض المساعدات المقدمة للاجئين الأوكرانيين عام ...
- قطر تدين اقتحام قوات الاحتلال مقر الأونروا بمخيم قلنديا


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - هندسة الواقعية السياسية في سوريا: قراءة تحليلية في تفاهمات دمشق والإدارة الذاتية