أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية الفاعلة















المزيد.....

الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية الفاعلة


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 16:27
المحور: القضية الكردية
    


مقدمة: من إصلاح السلوك إلى صياغة النموذج
حين تُجمع الركائز الأربع التي تشكل فلسفة بناء الشخصية الكوردستانية 
- الصمود التاريخي، 
- والريادة الحضارية،
-  والواقعية السياسية،
-  والمسؤولية الفردية .
 فإننا لا نكون بصدد دعوة أخلاقية لإصلاح سلوك فردي عابر، بل أمام محاولة نظرية لصياغة نموذج إنساني جديد. هذا الإنسان لا يكون أسير الماضي، لكنه لا يقطع جذوره؛ ولا يعيش في عقدة الضحية، لكنه لا ينسى تاريخ المظالم؛ ولا يعادي العالم باسم الهوية، ولا يذوب فيه باسم الحداثة؛ ولا ينتظر المنقذ الخارجي، ولا يعيش في عزلة عنه؛ ولا يضع الزعيم فوق المؤسسة، ولا الحزب فوق المجتمع؛ ولا يرى في السياسة بديلاً عن العمل، ولا في النضال بديلاً عن العلم.
ويمكن صياغة النموذج النظري لهذه الشخصية عبر أربعة أبعاد متكاملة: 
• سيادة ذهنية تمنحه استقلال التفكير،
• وفاعلية تاريخية تجعله صانعاً للأحداث لا متلقياً لها، 
• وهوية مرنة تحمي جذوره وتتيح له الاندماج في العصر،
• ومسؤولية فردية تمنعه من تحويل التاريخ إلى ذريعة دائمة للفشل.
 هذه الأبعاد الأربعة تشكل، في مجموعها، العمود الفلسفي لمشروع بناء الشخصية الكوردستانية المعاصرة.

أولاً: من رد الفعل إلى المبادرة
الفارق الجوهري بين الشخصية المنفعلة والشخصية الفاعلة هو فارق في موقع الإرادة: فالأولى تنتظر الحدث وتترقب ما ستقرره أنقرة أو بغداد أو طهران أو دمشق أو واشنطن أو موسكو، بينما تسأل الثانية: ما الذي نستطيع نحن أن نفعله قبل أن يفعل الآخرون؟ وهذا هو جوهر التفكير الاستراتيجي؛ فالقوة السياسية لا تُقاس فقط بحجم الموارد المتاحة، بل أيضاً بالقدرة على تحديد جدول الأعمال بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لجدول أعمال الآخرين.

ثانياً: من انتظار الدولة إلى بناء مقوماتها
من الأخطاء الفكرية الشائعة اختزال المشروع القومي بأكمله في لحظة إعلان سياسي للدولة. غير أن الأدبيات السياسية الكلاسيكية تقدّم فهماً أعمق لمفهوم الدولة ذاته. فقد عرّف عالم الاجتماع ماكس فيبر، في محاضرته المرجعية "السياسة بوصفها مهنة"، الدولة بوصفها الكيان البشري الذي ينجح في احتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين. غير أن هذا الاحتكار، كما توضح القراءات اللاحقة لفكر فيبر، لا يمكن أن يُمارَس عبر الإرادة الشخصية لزعيم واحد، بل يستلزم بنية بيروقراطية عقلانية قادرة على جباية الضرائب وإدارة القضاء والخدمات العامة بصورة مستمرة ومنتظمة.
بهذا المعنى، فإن الدولة ليست إعلاناً سياسياً فحسب، بل هي: إنسان متعلم، ومؤسسات فعالة، واقتصاد منتج، وقضاء مستقل، وإدارة كفوءة، وثقافة قانونية راسخة، ونظام تعليمي متقدم، وذاكرة تاريخية موثقة، ونخب سياسية مسؤولة، ومجتمع قادر على إنتاج الثروة والمعرفة. وعليه، فإن بناء مقومات الدولة يجب أن يبدأ قبل إعلانها؛ فكل مدرسة ناجحة، وكل جامعة قوية، وكل مؤسسة مهنية مستقلة، وكل مشروع اقتصادي منتج، وكل مركز بحثي جاد، وكل أرشيف تاريخي موثق، يمثل لبنة فعلية في صرح الدولة التي لم تولد بعد.

ثالثاً: من البطولة الفردية إلى القوة المؤسسية
يميل التاريخ السياسي للمجتمعات التي تعرضت للاضطهاد إلى إنتاج الرموز والزعماء والمقاتلين، غير أن المجتمعات لا تستمر بالبطولة الفردية وحدها. فالبطل يستطيع أن يغيّر لحظة من التاريخ، أما المؤسسة فتستطيع أن تغيّر مسار أجيال بأكملها. وهذا ما يؤكده الإطار النظري ذاته الذي يربط رسوخ سلطة الدولة الحديثة بمبدأ "السلطة القانونية-العقلانية"، حيث تنتقل الشرعية من الشخص إلى الموقع؛ فحين يُستبدل قاضٍ أو مسؤول، تستمر المؤسسة في عملها دون انقطاع، لأن السلطة منسوبة إلى الوظيفة لا إلى شاغلها.
من هنا وجب أن تنتقل الثقافة السياسية الكوردستانية من تمجيد الأشخاص إلى تمجيد المؤسسات والإنجازات. فالسؤال لم يعد "من هو القائد؟"، بل "ما المؤسسة التي ستبقى بعد رحيله؟"؛ وليس "من انتصر في الصراع السياسي؟"، بل "ما النظام المؤسسي الذي سيمنع تكرار الصراع نفسه؟". فالقيادة ضرورية لتأسيس أي مشروع، لكن المؤسسة وحدها هي القادرة على حماية الإنجاز من زوال القيادة.

رابعاً: من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
لا يمكن لأي شعب يسعى إلى صناعة مستقبله أن يبقى مستهلكاً دائماً لنظريات الآخرين ومنتظراً تفسيراتهم لتاريخه وواقعه. فالمعرفة، في هذا السياق، ليست ترفاً أكاديمياً، بل أحد أهم مصادر القوة الاستراتيجية للأمم الحديثة. ولذلك فإن مشروع بناء الشخصية الكوردستانية يستلزم نقل مركز الثقل من سؤال "ماذا قال الآخرون عنا؟" إلى سؤال "ماذا نعرف نحن عن أنفسنا؟"، وهو ما يقتضي تأسيس ثقافة بحثية واسعة تشمل حقول التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع واللغة والثقافة.
فالاستقلال المعرفي جزء أصيل من السيادة الذهنية للأمة، ومن لا ينتج المعرفة عن نفسه سيبقى مضطراً إلى رؤية ذاته من خلال عيون الآخرين، وهو ما يجعل حتى استقلاله السياسي - إن تحقق - استقلالاً منقوصاً في جوهره الفكري والثقافي.

خاتمة: نحو نموذج متكامل للفاعلية التاريخية
إن الإنسان الكوردستاني الجديد، بهذا المعنى، ليس نتاج شعار سياسي عابر، بل حصيلة تراكم فلسفي يجمع بين أربعة انتقالات كبرى: من رد الفعل إلى المبادرة، ومن انتظار الدولة إلى بناء مقوماتها، ومن البطولة الفردية إلى القوة المؤسسية، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها. وهذه الانتقالات لا تفرض نموذجاً أيديولوجياً واحداً على المجتمع، بل تؤسس لمنظومة قيم وسلوكيات مشتركة تتيح التنوع السياسي والفكري، وتمنع في الوقت ذاته الانهيار الاجتماعي والاستراتيجي. وبهذا وحده يمكن الانتقال من شخصية تشهد على تاريخها إلى شخصية تصنع تاريخها.

ملاحظة توثيقية: التعريف المرجعي للدولة ومبدأ السلطة القانونية-العقلانية مُستندان إلى محاضرة ماكس فيبر "السياسة بوصفها مهنة" (1919)، وإلى القراءات الأكاديمية اللاحقة لفكره في علم الاجتماع السياسي.
 أما الأحكام والمواقف التحليلية الأخرى في المقال فتمثل قراءة اجتهادية لي( كاتب المقال)، مطروحة للنقاش لا كحقيقة نهائية.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الأخفاق الىالقوة: أخلاقيات العمل والمسؤولية الفردية في بن ...
- سلام الأوهام- وتجارة -الفتات-: تفكيك المناورة التركية وتغييب ...
- الشخصية الكوردستانية
- من الإخفاق إلى المؤسسة: نحو ولادة ثانية للشخصية السياسية الك ...
- الهوية الجبلية لميزوبوتاميا: من الذاكرة التاريخية إلى مشروع ...
- هل تكره الشعوب بعضها بالفطرة؟ العداء الأهلي بين البنية السيا ...
- الانتماء الحي نحو تأسيس دينامي لشرعية الجماعة السياسية بين ح ...
- بنية الردع الإقليمية وترسيخ مركزية الدولة: إعادة قراءة في ال ...
- قراءة في التوازن الإقليمي والاستراتيجية المستقلة: رد على أطر ...
- أسطورة التجانس القومي: التعددية الفلسفية والدستورية في بنية ...
- تشكُّل القومية الآشورية المعاصرة: بين الهندسة الاستعمارية وا ...
- دراسة أكاديمية موسعة: كورد خراسان (التاريخ، الديموغرافيا، ال ...
- الإطار المنهجي لاختبار نظرية الشراكة الدستورية في التجارب ال ...
- ما بعد -الدولة القومية والإيديولوجيا: زيارة بارزاني لدمشق وه ...
- من احتواء التنوع إلى إعادة صياغة الشرعية: نظرية الشراكة الدس ...
- حتمية الجغرافيا ووهم التحالف التكتيكي: قراءة أكاديمية في الق ...
- إدارة التنوع وإعادة بناء الدولة: مبدأ التوازن الديناميكي بين ...
- الولاء الدستوري بوصفه حصيلة للشراكة الوطنية: دراسة تحليليّة ...
- عمر آغا شمدين وحي الأكراد في دمشق شبكة العلاقات، النضال الوط ...
- ديناميكيات الأفول الجيوسياسي: حتمية -تاريخ الصلاحية- وتفكيك ...


المزيد.....




- إيران.. إعدامات لا تتوقف تحت شماعة “الأمن القومي” نفذت إيرا ...
- العشرات يتظاهرون أمام وزارة الدفاع البريطانية مطالبين بوقف ت ...
- مصدر لـ-سوريا الآن-: الشرع يلقي كلمة سوريا بالأمم المتحدة ال ...
- إيران.. إعدام رجل أدين بدهس رجال الشرطة خلال احتجاجات يناير ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -تعزيرا- وتكشف عن اسمه ...
- ألمانيا.. الحكم بالسجن المؤبد على سوري أدين بجرائم حرب
- متكي: الشعب الإيراني ينتظر صدور حكم الإعدام على ترامب ونتنيا ...
- مصيدة الأرواح الصغيرة.. لماذا أصبحت حماية الأطفال مهمة مستحي ...
- محتجز إسرائيلي سابق يطلب تنفيذ الإعدام بحق أسرى فلسطينيين.. ...
- -دعني أعدمهم بيدي-: رهينة إسرائيلي سابق يطلب تنفيذ الإعدام ب ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - الإنسان الكوردستاني الجديد: من الشخصية المنفعلة إلى الشخصية الفاعلة