مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 18:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقدمة: من "الفطرة" إلى "الصناعة"
الأطروحة السائدة في الخطاب الشعبوي تقول إن الشعوب "بطبعها" تتنافر مع جيرانها من قوميات أو طوائف أخرى، وأن الدولة ما هي إلا انعكاس لهذا التنافر الفطري. غير أن هذه الأطروحة تصطدم بحقيقة تاريخية بسيطة: أغلب الانقسامات الأهلية المعاصرة لم تكن قائمة بالحدة نفسها قبل تشكّل الدولة الحديثة، بل تبلورت أو تصلّبت مع نشوء أدوات الدولة نفسها — التعداد السكاني، بطاقة الهوية، المناهج الدراسية، الإعلام الرسمي، ونظام تقاسم السلطة.
هذا لا يعني أن الهويات الفرعية (العرقية، الدينية، اللغوية) مصطنعة من العدم؛ فهي حقيقية اجتماعياً وثقافياً. لكن تحوّلها من فارق ثقافي إلى خط عداء سياسي هو ما يستحق التفكيك.
المرجعية النظرية الأبرز هنا هي بنديكت أندرسون في "الجماعات المتخيَّلة"، الذي ذهب إلى أن الأمة ذاتها بناء اجتماعي حديث تشكّل عبر الطباعة والتعليم والإدارة، لا كياناً أزلياً [1]. وإذا كانت الأمة الجامعة قابلة للبناء، فإن نقيضها — الانقسام العدائي بين مكوّناتها — قابل للبناء أيضاً، بالقدر نفسه من القصدية السياسية.
أولاً: كيف تُصنَع الكراهية إدارياً؟ حالة رواندا
المثال الأكثر توثيقاً في الأدبيات هو رواندا. قبل الاستعمار البلجيكي، كانت هوية "الهوتو" و"التوتسي" أقرب إلى تصنيف اجتماعي-اقتصادي مرن يمكن الانتقال بينه. لكن الإدارة البلجيكية أجرت تعداداً سكانياً في 1933-1934 وفرضت بطاقة هوية إلزامية تحدد الانتماء الإثني، مانحةً الأقلية التوتسي امتيازات إدارية وتعليمية على حساب الأغلبية الهوتو[2] بذلك تحوّل فارق اجتماعي مرن إلى تصنيف قانوني جامد يستحيل الفكاك منه.
بعد الاستقلال عام 1962، لم تُلغِ الحكومات الوطنية هذا الإرث الاستعماري، بل أبقت على خانة "الإثنية" في بطاقة الهوية وانقلبت موازين الاضطهاد بدل إلغائها [3]. وحين اندلعت الإبادة عام 1994، كانت بطاقة الهوية — لا اللغة ولا الدين المشترك بين الجماعتين — هي الأداة التي تُقرر عند الحواجز من يعيش ومن يُقتل [4] رافق ذلك خطاب إعلامي منظم عبر إذاعة "الألف تلة" وصحف مثل "كانغورا" روّج لصورة نمطية عدائية عن التوتسي منذ 1990[5]. هنا يتضح العنصران اللذان طرحهما السائل: الإدارة (بطاقة الهوية والتعداد) والإعلام الموجّه، وليس أي استعداد فطري للتقاتل بين جماعتين تتشاركان اللغة والدين والأرض.
ثانياً: حين يتحول "الاعتراف بالتنوع" إلى تكريس للانقسام — حالة العراق
قد يظن القارئ أن الحل هو مجرد "الاعتراف" الرسمي بالمكونات. لكن العراق بعد 2003 يقدّم درساً مضاداً بالغ الأهمية: فقد اعتُمد نظام "المحاصصة الطائفية" (نظام تقاسم المناصب العليا: رئاسة الحكومة للشيعة، رئاسة الجمهورية للكورد، رئاسة البرلمان للسنة) بوصفه اعترافاً رسمياً بالتعددية [6]. لكن بدلاً من أن يذيب هذا الاعتراف الاحتقان، رسّخ الهوية الفرعية كأساس للمنافسة على السلطة والموارد، وأنتج شبكات محاصصة وفساد بنيوي، ولم يمنع اندلاع حرب أهلية طائفية بين 2004 و2008 [7]. أظهر استطلاع عام 2016 أن غالبية العراقيين اعتبروا إنهاء نظام المحاصصة شرطاً للمصالحة الوطنية [8].
الدرس هنا دقيق: ليس كل اعتراف بالتنوع يُنتج جامعاً وطنياً؛ فحين يُبنى الاعتراف على منطق "تقاسم الغنائم" بين نخب الطوائف بدل المساواة الفعلية بين المواطنين، فإنه يكرّس الهوية الفرعية بدل الهوية الوطنية، ويجعل من الانتماء الطائفي مطية للوصول إلى الريع، لا فارقاً ثقافياً محترماً ومتساوياً مع غيره.
ثالثاً: النماذج الناجحة — متى يعمل الجمع بدل التفريق؟
1. سويسرا وبلجيكا: المساواة المؤسسية بدل الهيمنة
يفرّق الأدب السياسي المقارن بين المحاصصة الريعية (كالنموذج العراقي) وما يسمى "الديمقراطية التوافقية" (Consociationalism) التي طوّرها أرندت ليبهارت. في سويسرا وبلجيكا، تقوم الدولة على: تمثيل نسبي حقيقي، حق نقض متبادل لحماية المصالح الحيوية لكل مكوّن، حكم ذاتي ثقافي وإداري للمناطق اللغوية، وائتلاف حكومي واسع يضم الجميع فعلياً لا شكلياً [9]. النتيجة استقرار سياسي طويل الأمد رغم انقسام سويسرا إلى أربع جماعات لغوية وبلجيكا إلى ثلاث، وإن ظل بلجيكا يعاني من بطء في تشكيل الحكومات نتيجة صعوبة التوافق أحياناً [10].
فالفارق الجوهري بين هذا النموذج والنموذج العراقي ليس في "وجود المحاصصة" بحد ذاته، بل في جودة التوافق بين النخب والتزامها الفعلي بالمساواة، لا استخدام الهوية الفرعية أداة ابتزاز سياسي ومالي.
2. تنزانيا: بناء هوية جامعة فوق أكثر من 120 مكوناً عرقياً
ربما يكون المثال الأوضح على أن الانصهار الوطني خيار سياسي واعٍ لا قدر محتوم هو تجربة جوليوس نيريري في تنزانيا. فبدل تكريس الانقسامات الإثنية الموروثة عن الإدارة الاستعمارية، اتخذ نيريري بعد الاستقلال خطوات إدارية مباشرة: جعل اللغة السواحيلية — لا لغة أي قومية بعينها — اللغة الرسمية للدولة والتعليم، وأوقف رسمياً تسجيل الانتماء الإثني في التعداد السكاني، ونقل العاصمة إلى موقع مركزي محايد بين الأقاليم [11]. لم تكن هذه السياسات فريدة عالمياً، لكنها أثبتت جدواها: فتنزانيا التي تضم أكثر من 120 مجموعة إثنية لم تشهد حرباً أهلية أو صراعاً عرقياً منظماً يُذكر منذ استقلالها، خلافاً لجيرانها الذين ورثوا البنية الاستعمارية نفسها دون معالجتها [12]. صحيح أن السياسات الاقتصادية لنيريري (الأوجاما) فشلت زراعياً وإنتاجياً، لكن نجاحه السياسي في صناعة هوية وطنية جامعة يُدرَّس بشكل منفصل عن إخفاقه الاقتصادي[13].
رابعاً: قراءة مقارنة — أين يكمن الفارق الحاسم؟
حين نضع الحالات الأربع جنباً إلى جنب، يتضح أن الفارق بينها لا يكمن في وجود التنوع أو غيابه، بل في الأداة السياسية والإدارية التي تتعامل به. ففي رواندا والعراق، كانت الأداة الإدارية تصنيفاً قسرياً جامداً للهوية — بطاقة هوية إثنية في الحالة الأولى، ونظام محاصصة للمناصب العليا في الحالة الثانية — وكان توزيع السلطة قائماً على امتياز جماعة على أخرى أو على تنافس ريعي بين نخب الطوائف، يرافقه خطاب رسمي وإعلامي يعبّئ الناس عدائياً ضد بعضهم، سواء عبر إذاعة الكراهية في رواندا أو الخطاب الطائفي في العراق. والنتيجة في الحالتين واحدة: تصلّب الهوية الفرعية على حساب الهوية الوطنية، وعنف دوري متكرر، وفساد بنيوي يعيد إنتاج نفسه.
في المقابل، اعتمدت سويسرا وبلجيكا على تعادل مؤسسي حقيقي بين المكونات، عبر تمثيل نسبي فعلي والتزام تعاوني بين النخب لا مجرد تقاسم شكلي للمناصب، بينما اختارت تنزانيا مساراً مختلفاً هو إذابة الهوية الفرعية إدارياً داخل هوية جامعة عبر لغة موحدة وخطاب وحدوي رسمي. والنتيجة في الحالتين استقرار سياسي نسبي طويل الأمد، وإن ظلت هناك تحديات إدارية جزئية كبطء تشكيل الحكومات في بلجيكا.
هذه المقارنة تُبرز أن العامل الحاسم ليس وجود التنوع بحد ذاته، بل طبيعة الأداة السياسية التي تتعامل به: هل تُدار الدولة كمنظومة إدارية محايدة تخدم مواطنين متساوين، أم كساحة تقاسم غنائم بين زعامات طائفية أو عرقية تستثمر في تأبيد الانقسام لضمان بقائها في السلطة؟
خامساً: لماذا لا تفعل كل الدول ذلك إذن؟
إذا كان الجمع ممكناً وموثقاً بالتجربة، يبقى السؤال: لماذا تُفضّل نخب كثيرة تأبيد الانقسام؟ الإجابة الأقرب إلى أدبيات الاقتصاد السياسي هي أن الانقسام الأهلي ريع سياسي: زعيم الطائفة أو القومية الذي يقنع جماعته بأنها مهددة من الجماعة الأخرى يضمن ولاءها له دون الحاجة إلى تقديم أداء حكومي فعلي أو مساءلة — وهذا بالضبط ما وثّقته الدراسات حول نظام المحاصصة العراقي، حيث تحوّل التمثيل الطائفي إلى غطاء لشبكات محسوبية ومقاومة أي إصلاح [14]. بعبارة أخرى: الكراهية بين الشعوب، في الحالات المدروسة، لم تكن سبباً لفشل الدولة، بل نتيجة مقصودة لبقاء نخبة بعينها في السلطة.
خاتمة
التجارب المقارنة — الإيجابية منها والسلبية — تدعم الفرضية التي طرحتها : العداء بين مكونات الشعب الواحد ليس قدراً حتمياً، بل غالباً نتاج هندسة سياسية وإدارية وإعلامية واعية، سواء بالتصميم المباشر (كما في رواندا الاستعمارية) أو بالإهمال المتعمد لإصلاح بنية موروثة (كما في العراق ما بعد 2003). وفي المقابل، حين تختار النخبة الحاكمة معاملة كل مكوّن بمساواة مؤسسية حقيقية — لا شكلية — كما في سويسرا وبلجيكا، أو تستثمر في هوية جامعة فوق التعدد كما في تنزانيا، فإن التعايش لا يصبح ممكناً فحسب، بل يتحول إلى ميزة استقرار طويلة الأمد.
الخلاصة السياسية: الدولة، حين تُدار كمنظومة إدارية محايدة تخدم "المواطن" بصرف النظر عن انتمائه الفرعي، تجد التعايش مساراً طبيعياً لا استثناءً. أما حين تُختزل السلطة التنفيذية إلى أداة توزّع الريع والامتياز وفق الهوية، فإنها تصنع من التنوع قنبلة موقوتة — لا لأن التنوع خطر بذاته، بل لأن إدارته أُسيء استخدامها عمداً.
+++++++++++++++++&&&
المصادر
Britannica, Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism — https://www.britannica.com/topic/Imagined-Communities-Reflections-on-the-Origins-and-Spread-of-Nationalism
United States Holocaust Memorial Museum, Divided by Ethnicity — https://www.ushmm.org/genocide-prevention/countries/rwanda/divided-by-ethnicity
Jim Fussell, Indangamuntu 1994 — http://www.preventgenocide.org/edu/pastgenocides/rwanda/indangamuntu.htm
Center for Holocaust and Genocide Studies, Ramapo College — https://www.ramapo.edu/holocaust/kwibuka-30-panel-3/
Explaining History Podcast, The Scramble for Rwanda: How Colonialism Forged a Racial Divide — https://explaininghistory.org/2025/10/28/the-scramble-for-rwanda-how-colonialism-forged-a-racial-divide/
Al Jazeera, Muhasasa, the political system reviled by Iraqi protesters — https://www.aljazeera.com/news/2019/12/4/muhasasa-the-political-system-reviled-by-iraqi-protesters
Toda Peace Institute, Iraq s Precarious Political System: Consociationalism and Permanent Crisis — https://toda.org/publications/policy-briefs-and-reports/report-280-full-text/
Gulf International Forum, When Identity Politics Trumps Democracy: Iraq s 2025 Election Dilemma — https://gulfif.org/when-identity-politics-trumps-democracy-iraqs-2025-election-dilemma/
Britannica, Consociationalism — https://www.britannica.com/topic/consociationalism
Swiss Political Science Review, Centripetalism in Consociational Democracy: The Belgian Case — https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1111/spsr.12603
LSE Africa Blog, Tanzania at 50 — https://blogs.lse.ac.uk/africaatlse/2011/12/21/tanzania-at-50-does-nyerere-deserve-the-blame-and-praise-for-the-countrys-economic-failure-and-political-success/
The Wall Africa Journal, Julius Nyerere: The Teacher Who Built a Nation — https://www.wallafricajournal.com/julius-nyerere-teacher-built-a-nation/
International Journal of Research and Innovation in Social Science, The Enduring Legacy of Julius Kambarage Nyerere — https://rsisinternational.org/journals/ijriss/articles/the-enduring-legacy-of-julius-kambarage-nyerere-the-former-president-of-the-republic-of-tanzania-a-literature-review/
openDemocracy, After all, Iraq s ethno-sectarian quota remains — https://www.opendemocracy.net/en/north-africa-west-asia/after-all-iraq-s-ethno-sectarian-quota-remains/
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟