أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - بين فكوك أربعة وسراب الحلفاء: المعضلة الكوردية من حطام -سايكس بيكو- إلى مأزق الاندماج القسر















المزيد.....

بين فكوك أربعة وسراب الحلفاء: المعضلة الكوردية من حطام -سايكس بيكو- إلى مأزق الاندماج القسر


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 22:30
المحور: القضية الكردية
    


شهد الشرق الأوسط على مدار قرن من الزمان تحولات ديموغرافية وجيوسياسية عاصفة، بيد أن الخريطة السياسية التي وُضعت إبان تفكيك التركة العثمانية ظلت تشكل اللعنة الأبرز التي تطارد شعوب المنطقة. وفي قلب هذه اللعنة، تقف "المعضلة الكوردية" كأحد أكثر الملفات تعقيداً وديناميكية؛ حيث تحول أمة يربو عدد أبنائها على أربعين مليونا إلى أكبر قومية بلا دولة في العالم، موزعين بين أربع دول إقليمية محورية (تركيا، العراق، سوريا، وإيران).
ومع تفاقم الصراعات الإقليمية الأخيرة — من إعادة تشكيل المشهد السوري إلى التحولات في تركيا وإيران — يعود السؤال الجوهري للواجهة: هل كانت خرائط التقسيم مجرد خطأ استعماري عابر، أم هندسة مقصودة لإبقاء المنطقة في حالة نزاع دائم؟ وكيف يخوض الكورد اليوم معركة الوجود بين خيارات الاندماج القسري وسراب الحلفاء الدوليين؟
1. فلسفة التفتيت الاستعماري: منطق النفط لا الشعوب
لم تكن اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1916، وما تلاها من ترتيبات استعمارية، نتاج جهل بجغرافية المنطقة أو تنوعها الموزاييكي، كما أنها لم تكن "مؤامرة غيبية" خُططت لقرن من الزمان. بل كانت نتاجاً خالصاً لمفهوم "الواقعية الاستعمارية الجشعة" (Colonial Realpolitik).
لقد ركزت القوى الاستعمارية آنذاك (بريطانيا وفرنسا) على ثلاثة أهداف استراتيجية لا غير:
السيطرة على الموارد: ضمان التبعية الحصرية لحقول النفط الناشئة، وخاصة في ولاية الموصل وكركوك والخليج العربي.
تأمين خطوط الملاحة: فرض حماية مطلقة على الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها قناة السويس والمنافذ البحرية.
إيجاد مناطق مصدة (Buffer Zones): منع تمدد النفوذ الروسي القيصري والبالشفي لاحقاً نحو المياه الدافئة.
في سبيل تحقيق هذه الغايات، اعتمد المهندسون الاستعماريون مبدأ "فرق تسد". فصناعة دول غير متجانسة بتركيبات طائفية وإثنية هشة لم تكن سلتة جغرافية، بل تكتيكاً يُبقي الأنظمة الحاكمة ضعيفة ومشغولة بصراعاتها الداخلية، مما يضطرها دائماً للاستعانة بالحامي الخارجي لضمان بقائها.
الواقعية الاستعمارية لم تهتم بإنشاء دول قومية قائمة على المواطنة، بل أنشأت "كيانات وظيفية" تضمن تدفق الموارد وتستنزف طاقات شعوبها في صراعات داخلية لا تنتهي.
2. من "سيفر" إلى "لوزان": مقايضة الحقوق القومية
تُقدم مأساة التاريخ الكوردي الدليل الأوضح على كيفية تضحية الدول الكبرى بالتعهدات الأخلاقية على مذبح المصالح الجيوسياسية.
ففي معاهدة سيفر (1920)، اعترفت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بحق الكورد في تقرير المصير وإنشاء دولتهم المستقلة على أجزاء من الأناضول وولايات عثمانية سابقة. غير أن هذا النص لم يصمد سوى ثلاثة أعوام؛ إذ أدى ظهور الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك وتغير موازين القوى العسكرية، إلى إلغاء معاهدة سيفار وإحلال معاهدة لوزان (1923) محلها.
في لوزان، شُطبت الدولة الكوردية من الخريطة، وتمسكت بريطانيا بضم ولاية الموصل الغنية بالنفط إلى العراق الواقع تحت انتدابها. وبذلك، وُزع الشعب الكوردي بين أربعة كيانات شمولية أو مركزية الحُكم، ليتحول الوجود الكوردي في كل دولة إلى ورقة ضغط وتجاذب تستخدمها الأنظمة الإقليمية ضد بعضها البعض في لعبة توازنات القوى.
3. سراب "الحليف الخارجي" والشركاء التكتيكيون
تُظهر التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا (روژ آڤا) وفي إقليم كوردستان باشور(العراق) حقيقة تاريخية طالما تكررت: القوى العظمى لا تملك حلفاء دائمين في الشرق الأوسط، بل تملك أهدافاً تكتيكية مؤقتة.
تعاملت واشنطن والعواصم الغربية مع القوات الكوردية كـ "شركاء وظيفيين" في الحرب ضد تنظيم "داعش". وعندما انحسرت الخلافة الإقليمية للتنظيم، اصطدم الرهان الكوردي على الحماية الغربية الدائمة بجدار المصالح الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، والتي تتطلب التوازن مع تركيا (العضو الحيوي في حلف الناتو) والحفاظ على حد أدنى من هيكل الدول القائمة.
إن التراجع الغربي عن دعم الطموحات الكوردية والضغط باتجاه دمجهم في الأطر المؤسسية للدول المركزية — حتى وإن كانت هذه المؤسسات مضطربة أو خاضعة لسلطات أمر واقع — ليس تحولاً أخلاقياً، بل استعادة لسياق "الواقعية السياسية" التي تُفضل التعامل مع "الدولة" على التعامل مع "الفاعلية السياسية غير الرسمية" (Non-State Actors).
4. ثنائية المشهد: بين الضغوط الخارجية والانقسام الداخلي
عند تفكيك المعضلة الكوردية في صورتها الراهنة، يتبين أنها تحركها قوتان متقابلتان تشكلان ملامح المأزق التاريخي:
من الجانب الخارجي: تتشابك مخرجات اتفاقيات التفتيت القديمة (سايكس بيكو ولوزان) مع سراب التحالفات الغربية وتقلباتها، إضافة إلى الحسابات الاقتصادية المعقدة المتعلقة بأسواق النفط وخطوط الطاقة الإقليمية.
من الجانب الداخلي: يصطدم الشعور القومي العارم والمتجاوز للحدود الاستعمارية بحالة من الانقسام السياسي والأيدولوجي بين القيادات الكوردية، وهو التشتت الذي يستغله الخصوم الإقليميون لتقويض المشروع الكوردي والضغط باتجاه مواطنة مكبلة.
وتطرح هذه الديناميكية سؤالاً شاقاً حول سلوك المواطن الكوردي عند اندلاع أي مواجهة إقليمية أو بينية: مع من يقف الكوردي إذا تخاصمت حكومتُه مع أبناء قوميته عبر الحدود؟
أثبتت المفاصل التاريخية — بدءاً من تأسيس جمهورية مهاباد (1946) وثورات البارزاني في باشور (العراق)، وصولاً إلى ملحمة الدفاع عن كوباني (عين العرب) عام 2014 — أن الرابط القومي والوجداني الكوردي يتجاوز الحدود السياسية المصنوعة. فعندما تُضع الدولةُ مواطنيها الكورد في مفاضلة بين الهوية القومية أو الولاء لنظام مركزي لا يعترف بحقوقهم، فإن الخيار القومي يحسم الموقف شعبياً.
5. هل الاندماج حل أم تأجيل للانفجار؟
إن إرغام المكون الكوردي على "الاندماج القسري" في أطر مؤسسية تتجاهل خصوصيته الثقافية والسياسية ليس حلاً للمسألة، بل هو إعادة إنتاج للمشكلة وتأجيل لانفجار القنبلة الموقوتة.
يمكن التمييز هنا بين مسارين للاندماج:
الاندماج القسري (الخضوع للمركز): وهو ما أثبت فشله على مدار 100 عام. إذ إن إجبار المجتمع على ذوبان هويته لصالح سلطة مركزية أيديولوجية أو راديكالية يؤدي حتماً إلى خلق جيل جديد من التمرد.
الاندماج اللامركزي (الفيدرالية والمواطنة الشاملة): وهو النموذج الذي يحافظ على وحدة الدولة الجغرافية وفي الوقت نفسه يمنح الإقليم/المكون حق إدارة شؤونه الذاتية وثقافته في إطار نظام اتصالي قائم على المواطنة المتساوية، على غرار تجربة إقليم كردستان العراق الدستورية بعد عام 2005.
رؤية ختامية
إن الخروج من مصيدة الخرائط الاستعمارية لا يكون عبر انتظار معجزة دولية تعيد رسم الحدود من جديد — إذ إن المباشرة في فتح الحدود الحالية سيفجر حرباً إقليمية شاملة ترتعد منها القوى الكبرى — كما لا يكون بالارتهان المطلق للحليف الخارجي المتغير.
إن الحل المستدام للمسألة الكوردية ولأزمات الشرق الأوسط برمتها يكمن في الانتقال من مفهوم "الدولة التسلطية المركزية" إلى "دولة المواطنة اللامركزية". وحين تعترف أنظمة المنطقة بأن التنوع القومي والديني هو مصدر إثراء لا تهديد، ستتحول الحدود السياسية من سياج للسجون القومية إلى جسور للتكامل الاقتصادي والثقافي بين شعوب المنطقة.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تاريخ الصلاحية الجيوسياسي: تشريح -الدور الوظيفي- ولماذا لم ت ...
- التاريخ لا يكافئ الإنكار خلاصة نقدية: نحو دولة تتّسع لجميع أ ...
- جواز سفر بلا هوية خارطة طريق عملية نحو المواطنة التعددية الك ...
- من يخشى الاعتراف؟ تشريح عقبات التحوّل نحو عقد اجتماعي جديد ف ...
- عقدٌ اجتماعي يُبنى لا يُمنح سبعة شروط لتجديد شرعية الدولة في ...
- الاعتراف قرارٌ سياسي لا معجزة حضارية إسبانيا وجنوب أفريقيا و ...
- حين يصبح التنوّع ركيزةً للدولة لا عبئاً عليها دروس مقارنة من ...
- تقرير المصير الداخلي والخارجي: الفصل الذي تتعمد الدول طمس
- الهندسة الاستباقية للصراع: تفكيك الدوافع الإقليمية وراء استه ...
- إعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية (2007): اعتراف متأخ ...
- القانون الدولي وشرعية الاعتراف: من سيادة الدولة المطلقة إلى ...
- الذاكرة الجماعية والمقاومة الثقافية حين تصبح الثقافة سلاح ال ...
- الدستور بوصفه ساحة صراع: حين يتحول النص التأسيسي إلى صك إقصا ...
- المواطنة المجردة: حين تصبح المساواة أمام القانون قناعاً للتم ...
- كردستان الممزّقة: شعبٌ واحد تتقاسمه أربع دول وأربع سياسات إن ...
- الشرعية السياسية بين اعتراف الدول ووجود الأمم: إعادة التفكير ...
- تفكيك وهم السيادة: نحو إعادة تعريف السلطة السياسية في عصر ال ...
- مؤرخ الأمة الحارس: محمد أمين زكي بك وإرثه الخالد في الذاكرة ...
- محمد أمين زكي بك وإرثه الخالد في الذاكرة الكردية محمد أمين ز ...
- فلسفة الكيان: الأمة كحقيقة متجذرة والدولة كافتراض جيوسياسي ط ...


المزيد.....




- بوتين: الغرب أخرج الجني من القمقم بقراراته المناهضة لميثاق ا ...
- نتنياهو يعتزم حضور اجتماع الأمم المتحدة رغم تهديدات ممداني
- لبنان: خروقات واعتداءات إسرائيل تعوق انتشار الجيش وعودة النا ...
- صور من فوق غزة.. الخط الأصفر يطارد خيام النازحين ومساحة النج ...
- اعتقال سيدة أساءت للرئيس السيسي وقيادات الدولة في مصر
- مديرية بمواصفات وردية
- المندوب الأمريكي بالأمم المتحدة: مفاوضات واشنطن وطهران تجري ...
- من داخل زنازين صيدنايا.. غوتيريش يوثق مشاهداته لـ-فظاعة التع ...
- رايتس ووتش: عنف المستوطنين في الضفة الغربية يهدد بفظائع جماع ...
- مسؤولة أمريكية تطالب باعتقال ضابط شرطة تورط بحادثة إطلاق الن ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - بين فكوك أربعة وسراب الحلفاء: المعضلة الكوردية من حطام -سايكس بيكو- إلى مأزق الاندماج القسر