مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 19:16
المحور:
القضية الكردية
شعبٌ واحد، أربع دول، وأربع سياسات للإنكار — هذه هي المعادلة التي صنعها التقسيم، وتعيش تداعياتها كوردستان حتى اليوم."
تمهيد: جغرافيا بلا دولة
لو تأمّل المرء خريطة طبوغرافية للشرق الأوسط بمعزل عن حدوده السياسية، لرأى كتلة جبلية ممتدة من جنوب شرق الأناضول غرباً حتى شمال غرب إيران شرقاً، ومن جبال طوروس شمالاً حتى سهول شمال العراق وشمال سوريا جنوباً. هذه المساحة، التي تقدَّر بما بين 500 و550 ألف كيلومتر مربع، تحمل في جغرافيتها وتاريخها البشري اسماً واحداً: كوردستان.
غير أن هذا التوحّد الجغرافي يعيش اليوم مبعثراً بين أربع دول ذات سيادة، لكلٍّ منها دستورها ونظامها السياسي وسياستها الخاصة تجاه الوجود الكوردي. وبين هذا التوحّد الطبيعي والتشتّت السياسي، تكمن واحدة من أعقد مسائل التاريخ السياسي للشرق الأوسط الحديث: كيف يحافظ شعبٌ على هويته حين تُقطع الروابط السياسية بين أجزائه، وتسعى كل دولة يقيم في كنفها إلى صهره في هويتها الرسمية؟
يستعرض هذا المقال التجربة الكوردية في الدول الأربع مقارنةً، ثم يقرأها في ضوء تجارب مماثلة لشعوب أصيلة أخرى في المنطقة — الأرمن واللاز والأمازيغ — بوصفها كاشفة لبنية أعمق: أزمة الاعتراف في الدولة القومية الأحادية بالشرق الأوسط.
أولاً: كوردستان الشمالية (تركيا) — من الإنكار المطلق إلى الانفتاح المحدود
يشكّل الكورد في تركيا ما بين 15% و20% " كورديا تفوق النسبة بكثير بحدود 43% "من السكان وفق التقديرات المتداولة، أي ما بين 15 و20 مليون نسمة تقريباً «كوردياً يفوق 35 مليوناً»— علماً أنه لا يوجد إحصاء رسمي دقيق. ويتركّز أغلبهم في جنوب شرق البلاد، وهي المنطقة المعروفة تاريخياً باسم كوردستان الشمالية أو "كورمانج".
منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، سادت سياسة إنكار رسمي للهوية الكوردية: لم يُعترف بالكورد قومية متمايزة في أي وثيقة دستورية، وحُظرت اللغة الكوردية في التعليم والإعلام والقضاء لعقود. وقوبلت الانتفاضات الكوردية المتتالية — انتفاضة الشيخ سعيد عام 1925، وانتفاضة آرارات عام 1930، وانتفاضة درسيم عام 1937 — بالقمع العسكري والتهجير القسري.
منذ عام 1984، اندلع نزاع مسلح بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، أودى — بحسب تقديرات متعددة — بحياة نحو 40 ألف شخص خلال أربعة عقود، وهجّر ملايين الكورد من قراهم. شهدت الألفية الثالثة انفتاحاً نسبياً مرتبطاً بمسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بلغ ذروته في "مسيرة السلام" بين عامي 2013 و2015، قبل أن ينهار المسار عام 2015 وتعود العمليات العسكرية. أما مبادرة السلام الأخيرة التي أعلنها عبد الله أوجلان، فتبقى حتى الآن دون ترجمة فعلية على أرض الواقع.
"تركيا لم تحل مسألة الكورد بالقوة طوال مئة عام، ولن تحلّها بالقوة في المئة عام القادمة. الحل الوحيد هو الاعتراف الدستوري الذي تتهرّب منه أنقرة منذ تأسيس الجمهورية." — مروان فلو
ثانياً: كوردستان الجنوبية (العراق) — من الإبادة إلى الإقليم الفيدرالي
تُعدّ التجربة الكوردية في العراق الأكثر تحوّلاً بين الحالات الأربع: من أشد سياسات القمع قسوةً، إلى أول كيان كوردي يحظى باعتراف دستوري رسمي في التاريخ الحديث.
أقرّ دستور 1958 نظرياً بشراكة العرب والكورد في الوطن، لكن هذا لم يُترجم إلى ترتيبات فعلية، وانهار اتفاق آذار 1970 عام 1974. بلغ القمع ذروته في حملات الأنفال بين 1986 و1989، التي قُدِّر عدد ضحاياها بنحو 182 ألف قتيل كوردي وفق تقديرات حقوقية دولية[1]. وفي 16 مارس 1988، شنّ النظام هجوماً كيماوياً على مدينة حلبجة أودى بحياة ما بين 3,200 و5,000 مدني خلال ساعات، وأصاب عشرة آلاف آخرين، في واحدة من أعنف الهجمات الكيماوية ضد المدنيين في التاريخ الحديث[2]. وقد اعتُرف بهذا الهجوم لاحقاً قضائياً بوصفه جريمة إبادة جماعية، وأُعدم المسؤول عنه، علي حسن المجيد ("علي الكيماوي")، عام 2010.
شكّل عام 1991 نقطة تحوّل، حين أنشأ التحالف الدولي منطقة حظر جوي في شمال العراق، فأتاح للكورد إدارة ذاتية فعلية لأول مرة. وبعد سقوط نظام البعث عام 2003، أرسى دستور 2005 نظاماً فيدرالياً يعترف بإقليم كوردستان كياناً دستورياً له برلمانه وحكومته — النموذج الأول والوحيد في الشرق الأوسط الذي يقرّ دستورياً بالحقوق القومية الكوردية داخل دولة واحدة.
بيد أن العلاقة بين أربيل وبغداد ظلّت مصدر توتر مستمر، خصوصاً حول العائدات النفطية والمناطق المتنازع عليها ككركوك وسنجار وخانقين، وقد كشف استفتاء الاستقلال عام 2017 هشاشة هذه العلاقة، حين ردّت بغداد بإجراءات عقابية وانسحاب من المناطق المتنازع عليها.
ثالثاً: كوردستان الغربية (سوريا) — من انعدام الجنسية إلى الإدارة الذاتية
يشكّل الكورد ما بين 10% و15% من سكان سوريا كحد أدنى وفق التقديرات المتداولة، مع تقديرات كردية تذهب إلى نسبة أعلى إذا احتُسب الكورد المنتشرون في المدن الداخلية. يتركّزون جغرافياً في عفرين وكوباني والجزيرة، إضافة إلى تجمعات في دمشق وحلب وإدلب والساحل وحمص ودرعا، نتيجة موجات هجرة تاريخية ونزوح داخلي متعاقب.
جرى التعامل مع المسألة الكوردية في سوريا عبر خطين متوازيين: خط الإنكار، الذي تجلّى في إحصاء 1962 الاستثنائي الذي جرّد نحو 120 ألف كوردي من الجنسية السورية بحجة دخولهم من تركيا بصورة غير قانونية، فعاشوا عقوداً بلا جنسية ومحرومين من التعليم الرسمي والتوظيف الحكومي؛ وخط التوظيف الظرفي، الذي استُخدم فيه الملف الكوردي أداة ضغط على تركيا، بما في ذلك احتضان قيادة حزب العمال الكوردستاني قبل تسليمها تحت الضغط التركي عام 1998.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وانسحاب مؤسسات الدولة من الشمال، أقام حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعاه العسكريان (وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة) إدارة ذاتية توسّعت لاحقاً بعد الحرب على تنظيم داعش لتشمل مساحات واسعة من شمال شرق سوريا، تحت مسمى "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا". هذه التجربة، رغم اتساعها، تبقى دون اعتراف دولي، وتواجه ضغوطاً عسكرية تركية متكررة أفضت إلى احتلال عفرين عام 2018، إضافة إلى غموض مصيرها في أي تسوية سياسية مقبلة للأزمة السورية.
رابعاً: كوردستان الشرقية (إيران) — الجمر تحت الرماد
يشكّل الكورد في إيران ما بين 8% و10% من السكان، أي نحو 8 إلى 10 ملايين نسمة تقريباً وفق التقديرات المتداولة (لا يوجد إحصاء رسمي دقيق التقديرات الكوردية تقول مابن 18-20مليون )، ويتركّزون في محافظات كردستان وكرمانشاه وإيلام وأجزاء من أذربيجان الغربية.
يحتل عام 1946 مكانة استثنائية في الذاكرة الكوردية: قيام جمهورية مهاباد بقيادة القاضي محمد، وهي أول دولة كوردية في التاريخ الحديث، وإن لم تستمر أكثر من أحد عشر شهراً. فبعد انسحاب الغطاء السوفيتي الضمني، أسقطتها القوات الإيرانية، وأُعدم القاضي محمد شنقاً عام 1947. ولم تختلف سياسة الجمهورية الإسلامية بعد 1979 جوهرياً عن سياسة الشاه: رفض الخميني منح الحكم الذاتي، وأُعلنت الحرب على المقاومة الكوردية مطلع الثمانينيات. ورغم إقرار الدستور الإيراني نظرياً بتعدد اللغات القومية، ظل هذا الإقرار بلا ترجمة فعلية.
تتميّز الحالة الإيرانية بجمعها بين التهميش السياسي والحرمان الاقتصادي؛ فالمحافظات الكوردية من أفقر مناطق البلاد وأقلها نصيباً من الاستثمار الحكومي، وهو ما تجسّده ظاهرة "الكولبار" — حاملو البضائع عبر الحدود الجبلية سيراً على الأقدام — بوصفها شاهداً إنسانياً على هذا التهميش.
"الكوردي في إيران يعيش مواطناً من الدرجة الثانية في دولة تُقرّ دستورياً بتعدد لغاتها، لكنها لا تُجسّد هذا الإقرار في سياسات فعلية تُغيّر حياة الناس." — مروان فلو
خامساً: نماذج مقارنة — الأرمن واللاز والأمازيغ
أزمة الاعتراف التي يعيشها الكورد ليست حالة منفردة، بل تجلٍّ لأزمة بنيوية أعمّ تطال شعوباً أصيلة أخرى في المنطقة، وإن تفاوتت حدّتها:
الأرمن: بعد الإبادة الجماعية عام 1915، التي أودت بحياة ما بين مليون ومليون ونصف أرمني على يد الدولة العثمانية، تشتّت الناجون بين لبنان وسوريا والعراق، دون اعتراف رسمي تركي بالإبادة حتى اليوم. تبقى قضية الاعتراف بها من أكثر ملفات التاريخ حساسيةً في علاقات المنطقة الدولية.
اللاز: شعب قوقازي أصيل في منطقة لازستان على الساحل الجنوبي الشرقي للبحر الأسود، تعرّضت لغته وهويته لضغوط تتريك شديدة منذ تأسيس الجمهورية التركية، حتى باتت اللغة اللازية اليوم مهددة بالانقراض.
الأمازيغ: السكان الأصليون لشمال أفريقيا قبل الفتح العربي الإسلامي، خاضوا نضالاً طويلاً من أجل الاعتراف بلغتهم وثقافتهم. اعترف دستور المغرب عام 2011 بالأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وأقرّت الجزائر بذلك رسمياً في دستور 2016، لكن هذا الاعتراف الدستوري لم يُترجم بعد إلى سياسات تعليمية وثقافية فعلية.
"الأرمن والكورد واللاز والأمازيغ — كلهم يحملون روايةً تاريخية مختلفة عن رواية الدولة الرسمية. والفارق بينهم وبين غيرهم هو أنهم لا يزالون يقاومون محو تلك الرواية." — مروان فلو
سادساً: التشابه البنيوي — منطق واحد في أربع دول
رغم اختلاف الأنظمة السياسية في تركيا والعراق وسوريا وإيران — بين القومية العلمانية والقومية البعثية والجمهورية الإسلامية — تتقاطع سياساتها تجاه الوجود الكوردي حول منطق مشترك واحد: رفض الاعتراف الدستوري بالكورد قومية متمايزة تستحق تمثيلاً سياسياً وثقافياً ولغوياً خاصاً بها. وينبثق هذا المنطق من فلسفة الدولة القومية الأحادية التي ترى في التعدد تهديداً لا ثروة.
غير أن حصيلة قرن كامل تكشف فشل هذا المنطق في تحقيق هدفه: فلا تركيا التي أنفقت مئة عام وأربعين ألف قتيل تمكّنت من إزالة الهوية الكوردية، ولا العراق الذي ارتكب الإبادة استطاع قمعها، ولا سوريا التي جرّدت الكورد من جنسيتهم أفلحت في محوهم، ولا إيران التي أعدمت قيادتهم أسكتت صوتهم.
خاتمة: الجرح الذي ينتظر العلاج
رسمت اتفاقية سايكس-بيكو خرائط الشرق الأوسط الحديث متجاهلةً تركيبه البشري والتاريخي، وكرّست النخب الوطنية اللاحقة هذا الإرث بدل إصلاحه عبر مشروع الدولة القومية الأحادية. والخلاصة أن الجرح التأسيسي الذي نشأ مع سايكس-بيكو لم يُعالَج بعد مئة عام من نشوئه، بل تحوّل إلى بؤرة مزمنة للتوتر تُضعف شرعية الدولة في عيون مكوّناتها المُنكَرة.
والسؤال الحقيقي المطروح على الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين ليس سؤال الخرائط وإعادة رسم الحدود، بل سؤال الفلسفة السياسية: هل تستطيع دول المنطقة تجاوز نموذج الدولة القومية الأحادية إلى نموذج الدولة التعددية التي تبني شرعيتها على المساواة الدستورية الحقيقية بين جميع مكوّناتها؟
الهوامش والمصادر
تقديرات منظمات حقوقية دولية (منها هيومن رايتس ووتش) حول حصيلة حملات الأنفال (1986–1989)، والتي تتراوح بين 180 و182 ألف قتيل كوردي تقريباً.
تقديرات متعددة (بينها تقارير حكومية أمريكية وبريطانية ومنظمات حقوقية) لحصيلة الهجوم الكيماوي على حلبجة في 16 مارس 1988، تتراوح بين 3,200 و5,000 قتيل مدني وأكثر من 10,000 مصاب؛ اعتُرف بالهجوم قضائياً في العراق عام 2010 بوصفه جريمة إبادة جماعية.
دستور جمهورية العراق لعام 2005 (النظام الفيدرالي والاعتراف بإقليم كوردستان).
دستور المملكة المغربية لعام 2011؛ دستور الجزائر لعام 2016 (الاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية).
مصادر تاريخية عامة حول جمهورية مهاباد (1946–1947) وانتفاضات الشيخ سعيد (1925) وآرارات (1930) ودرسيم (1937).
تقديرات ديموغرافية متداولة (غير رسمية) لنسب الكورد في تركيا والعراق وسوريا وإيران، مع الإشارة إلى غياب إحصاءات رسمية دقيقة في كل الحالات الأربع.
ملاحظة منهجية: النسب السكانية الواردة في هذا المقال تقديرية بطبيعتها نظراً لغياب إحصاءات رسمية موثوقة في جميع الدول الأربع؛ وقد أُشير إلى هذا التفاوت في المصدر حيثما وردت.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟