مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 20:20
المحور:
القضية الكردية
المقدمة: الخلط المتعمد وسيكولوجية الإنكار السياسي
في الفضاء السياسي للدول القومية الأحادية في منطقة الشرق الأوسط، يبرز تكتيك منهجي ومتكرر يقوم على الخلط المتعمد بين مطالب الاعتراف الدستوري بالهوية الكوردية ومساعي الانفصال وتأسيس دولة مستقلة. إن المطالبة بالاعتراف بالهوية لا تعني بالضرورة المطالبة بالانفصال، والخلط بين هذين المفهومين يُمثّل أداة من أدوات الإنكار السياسي الأكثر شيوعاً وخطورة في المنطقة.
فعندما تطالب المكونات الكوردية بالاعتراف بلغتها رسمياً في الدستور، أو بتطبيق إدارة ذاتية لمناطقها، أو بتمثيل سياسي يتناسب مع وزنها الديموغرافي، يسارع الخطاب الرسمي للدول إلى تصوير هذه المطالب الديمقراطية كأجندة انفصالية تستهدف تفتيت الوحدة الترابية للدولة. هذا السلوك لا ينبع من سوء فهم عابر، بل هو أداة سياسية مقصودة تهدف لإغلاق باب النقاش الدستوري الجدي حول الحقوق الجماعية قبل أن يبدأ. وبذلك، يتحول السؤال الجوهري من "ما هي الحقوق المستحقة للكورد في إطار الدولة الواحدة؟" إلى "هل يسعى الكورد لتفكيك الدولة؟"، وهو ما ينقل النقاش من ميدان العدالة الدستورية إلى مربع الأمن القومي، حيث تهيمن الدولة وتتحكم بكافة أدوات القوة. يسعى هذا المقال الأكاديمي إلى تفكيك هذين المفهومين من منظور قانوني وسياسي، لإثبات أن مطالب الشعوب الأصيلة في الشرق الأوسط تنتمي لتقرير المصير الداخلي لا الخارجي.
أولاً: التطور التاريخي لمبدأ تقرير المصير
دخل مفهوم تقرير المصير إلى الفقه السياسي الحديث غداة الحرب العالمية الأولى، مصحوباً بالنقاط الأربع عشرة للرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، كركيزة لبناء نظام دولي جديد. كان الهدف الويلسوني يتلخص في تفكيك الإمبراطوريات متعددة القوميات (كالعثمانية والنمساوية-المجرية) وإعادة رسم الخرائط بناءً على الهويات القومية. ومع ذلك، اتسم التطبيق الفعلي للمبدأ ببراغماتية انتقائية أثرت سلباً على الشعب الكوردي؛ فحين مُنح هذا الحق لشعوب أوروبية كالبولنديين والتشيك والصرب، تم تجاهل الكورد تماماً في معاهدة لوزان عام 1923، مما كشف مبكراً أن توظيف القانون الدولي يخضع للمصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى.
ومع تبني ميثاق الأمم المتحدة عام 1945 لهذا المبدأ وإدراجه ضمن مقاصدها، طُرحت تساؤلات قانونية حول مدى أحقية كل جماعة إثنية في إقامة دولة مستقلة، وكيفية توفيق ذلك مع مبدأ السلامة الإقليمية للدول الأعضاء. هذا التوتر البنيوي هو ما دفع الفقه القانوني لاحقاً إلى إيجاد تمييز حاسم بين شكلين لتقرير المصير.
ثانياً: التكييف القانوني: تقرير المصير الداخلي والخارجي
رغم غياب هذا التمييز عن الخطاب السياسي في الشرق الأوسط، فإن الفقه القانوني الدولي يُفرّق بوضوح بين مستويين جوهريين:
تقرير المصير الخارجي: يُقصد به الحق في الانفصال التام عن الدولة القائمة لإنشاء كيان سياسي مستقل. وقد قيد القانون الدولي هذا الحق بحالات حصرية ومقيدة جداً، تشمل: الشعوب الخاضعة للاستعمار الأجنبي في إطار تصفية الاستعمار، والشعوب الواقعة تحت الاحتلال العسكري، أو تلك التي تتعرض لانتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوقها الأساسية مع انغلاق أفق الإنصاف الداخلي تماماً (وهو ما بات يُعرف في الفقه الدولي بـ«الملاذ الأخير»).
تقرير المصير الداخلي: يُعنى بحق الشعوب في إدارة شؤونها السياسية، الثقافية، والاقتصادية في إطار السيادة الوطنية للدولة القائمة. ويتحقق ذلك عبر ترتيبات دستورية تضمن مشاركتها الفعلية في صنع القرار والاعتراف بهويتها وإدارة شؤونها المحلية.
إن هذا الشكل الداخلي هو ما يقره القانون الدولي للغالبية العظمى من الجماعات الإثنية، وهو تحديداً جوهر ما تطالب به الحركات السياسية الكوردية في تركيا وسوريا وإيران في مجملها. إن تسعين بالمئة مما يطالب به الكورد يندرج في إطار تقرير المصير الداخلي المعترف به دولياً صراحةً، والدول التي تصر على تصويره كانفصال إنما تدافع عن سياسة الإنكار وليس عن سيادة القانون.
ثالثاً: المقاربة القضائية الدولية وسابقة كوسوفو
يمثل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2010 بشأن إعلان استقلال كوسوفو محطة قانونية بالغة الأهمية أثارت جدلاً واسعاً. فبينما خلصت المحكمة إلى أن إعلان الاستقلال لم يخالف القانون الدولي العام، تجنبت في الوقت ذاته إقرار حق عام في الانفصال خارج سياق تصفية الاستعمار. وتقدم هذه السابقة دلالة مزدوجة للحالة الكوردية:
1. تثبت من جهة أن الانفصال ليس مستحيلاً من الناحية القانونية في ظل ظروف استثنائية معينة.
2. تؤكد من جهة أخرى أن القانون الدولي لا يُكرّس حقاً عاماً وتلقائياً بالانفصال لكل جماعة إثنية، بل إن طريق الاعتراف الدولي محكوم بالإرادة السياسية للقوى العظمى لا بالمبادئ القانونية وحدها.
وقد وظفت كل من تركيا وإيران سابقة كوسوفو بشكل انتقائي في خطابها الرسمي؛ حيث رفضتا الاعتراف باستقلال كوسوفو بناءً على مبدأ السلامة الإقليمية، بينما استخدمتا السابقة ذاتها كذريعة لرفض أي نقاش حول الحقوق الكوردية خشية "فتح الباب" أمام مطالب مشابهة داخل حدودها. هذا التناقض يبرهن على أن الموقف من القانون الدولي في هذه الحالات تحكمه الاعتبارات السياسية لا المنطق القانوني المتسق.
رابعاً: نماذج مقارنة: الحكم الذاتي كصمام أمان للوحدة
تُظهر القراءة التاريخية المقارنة أن صيغ الحكم الذاتي بمختلف أشكاله (سواء الفيدرالية، اللامركزية الموسعة، أو الحكم الذاتي الإقليمي) لا تؤدي في غالبية الحالات إلى الانفصال. بل على العكس، تسهم في تعزيز الوحدة الوطنية عبر خلق شراكة حقيقية تُفقد خيار الانفصال جاذبيته. ويمكن استعراض التجارب الدولية التالية:
إسبانيا: منح دستور عام 1978 حكماً ذاتياً موسعاً لإقليمي كتالونيا والباسك وغاليسيا في إطار "دولة الحكم الذاتي". ورغم التوترات السياسية، وفر النظام الدستوري آلية لإدارة هذه الأزمات سلمياً لأكثر من أربعة عقود. والمفارقة هنا أن النزعة الانفصالية الكتالونية تصاعدت واشتد عودها في المراحل التي تراجعت فيها الحكومة المركزية في مدريد عن الاعتراف بالصلاحيات الدستورية الممنوحة للإقليم، وليس في المراحل التي التزمت بها.
كندا: شهدت مقاطعة كيبك استفتاءين للاستقلال عامي 1980 و1995، ورجحت في المرتين كفة البقاء ضمن الاتحاد الكندي بفوارق متفاوتة. ويعزو المحللون هذا البقاء لا إلى القمع القانوني لمطالب الاستقلال، بل إلى الاعتراف الرسمي بالهوية الفرانكوفونية ومنح الإقليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونه الثقافية والتعليمية والقانونية. وتؤكد الحالة الكندية أن الاعتراف بتقرير المصير الداخلي لا يمنع النقاش حول الخيار الخارجي، لكنه يجعله أقل احتمالاً طالما شعرت المكونات بأنها شريك حقيقي في الدولة.
إقليم كردستان العراق: يمثل النموذج الأكثر مباشرة في سياق الشرق الأوسط؛ حيث أثبت الكورد قدرتهم على إدارة حكمهم الذاتي الفعلي منذ 1991 والدستوري منذ 2005 في إطار الدولة الاتحادية لقرابة عقدين من الزمن دون السعي للانفصال. ولم يكن استفتاء عام 2017 نتيجة حتمية للحكم الذاتي، بل جاء نتاج تراكم احتقان سياسي متصل بالخلافات مع بغداد حول النفط والمناطق المتنازع عليها، وتنصل الدولة المركزية من التزاماتها الدستورية.
خامساً: معيار "الملاذ الأخير" والشرعية المقيدة للانفصال
تنص "نظرية الملاذ الأخير" أو ما يُعرف بـ"حق الانفصال العلاجي" في الفقه القانوني الدولي على مشروعية تقرير المصير الخارجي (الاستقلال) في حالات استثنائية؛ وذلك عندما تغلق الدولة أمام جماعة من جماعاتها كل سبل الإنصاف الداخلي، وتمارس ضدها انتهاكات جسيمة وممنهجة تُهدد وجودها ذاته. وتستند هذه الأطروحة جزئياً إلى رأي محكمة العدل الدولية في قضية كوسوفو وقرار المحكمة العليا الكندية عام 1998 بشأن كيبك، والذي أشار إلى أن الانفصال قد يصبح مشروعاً إذا حُرمت جماعة من ممارسة تقرير مصيرها الداخلي بصورة هادفة وحقيقية.
ورغم أن الكورد يجدون في هذه النظرية سنداً نظرياً لمطالباتهم، لا سيما في ضوء ما تعرّضوا له تاريخياً من إبادات وتهجير قسري واضطهاد ممنهج، فإن تطبيقها العملي يفتقر حتى اليوم لمعايير قانونية دولية واضحة تحدد متى تكون الانتهاكات بالغة الجسامة لتُسوّغ الانفصال. وفي غياب هذا المعيار، يظل توظيف النظرية رهيناً بالإرادة السياسية للمجتمع الدولي أكثر من ارتكازه على منطق قانوني صارم. بناءً عليه، يتوجب على التركيز الاستراتيجي لأي حركة حقوقية كوردية أن ينصبّ على استنفاذ كافة مسارات تقرير المصير الداخلي وإثبات حسن النية في البحث عن حلول دستورية قبل الاستناد إلى نظرية الملاذ الأخير.
سادساً: ديناميكيات وتطور الخطاب السياسي الكوردي
يكشف فحص مواقف الحركات السياسية الكوردية في الدول الأربع عن وجود تباينات وخلافات داخلية حول تقرير المصير الخارجي، وليس موقفاً راديكالياً موحداً كما يروج الخطاب الرسمي للدول المعنية:
في تركيا: تبنّى حزب العمال الكردستاني في مراحله الأولى مطلب الدولة المستقلة، لكنه تحوّل منذ تسعينيات القرن الماضي تدريجياً نحو الإقرار بالإطار الوطني التركي، مطالباً بالحكم الذاتي الديمقراطي داخله. وتجسد ذلك في أطروحات عبد الله أوجلان من معتقله في إيمرالي حول مفاهيم "الأمة الديمقراطية" و"الكونفدرالية الديمقراطية"، والتي تتخلى صراحةً عن مطلب الدولة المستقلة لصالح نموذج لامركزي داخل الدولة القائمة.
في العراق: اتسم السلوك السياسي الكوردي تاريخياً بالبراغماتية والتأرجح بين المطالبة بالحكم الذاتي والتلويح بالاستقلال وفق المعطيات السياسية المتاحة. وكان استفتاء 2017 ذروة هذا التلويح، إلا أن رد الفعل الإقليمي والدولي الحاد أثبت أن تقرير المصير الخارجي يصطدم بجدار جيوسياسي يصعب اختراقه في المرحلة الراهنة.
في سوريا: تتبنى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا خطاباً يرفض الانفصال صراحةً، ويُركّز بشكل كامل على اللامركزية والإدارة الذاتية ضمن سوريا موحدة. وهو موقف يُجسّد تقرير المصير الداخلي بصورة نموذجية، وإن كانت الدول المجاورة وبعض الأطراف السورية تُصوّره على خلاف ذلك.
سابعاً: الأبعاد الوظيفية للخلط المنهجي
إن السؤال الأعمق الذي يستحق التأمل هو: لماذا تُصرّ الدول التي تُنكر حقوق مكوّناتها الكوردية على هذا الخلط المتعمد بين تقرير المصير الداخلي والخارجي؟ الإجابة تكشف عن منطق سياسي وظيفي بالغ البساطة والفعالية في آن واحد:
أولاً: تجميد الحوار والنقاش الدستوري قبل أن يبدأ، عبر تحويل أي مطالبة بالاعتراف بالهوية إلى اتهام بالانفصالية يستوجب الرد الأمني لا الحوار السياسي.
ثانياً: إتاحة الفرصة للدولة لتقديم نفسها كضحية للتهديد الانفصالي في المحافل الدولية، مما يستنفر التضامن الدولي مع وحدتها الإقليمية ضد ما يبدو مطالب تفتيتية.
ثالثاً: شرعنة القمع والعنف الأمني بوصفه ضرورة للدفاع عن الوحدة الوطنية وحماية السلامة الإقليمية، لا انتهاكاً لحقوق المواطنين.
رابعاً: إضعاف الحركات الكوردية داخلياً واستهلاك جهد قادتها في نفي تهمة الانفصالية بدلاً من تطوير وصياغة برامجهم الدستورية.
إن الدولة التي تُسمّي كل مطالبة بالاعتراف انفصالاً لا تُدافع عن وحدتها، بل تُدافع عن احتكارها لتعريف الوطن وسلطته، والفرق بين الاثنين فارق جوهري.
خاتمة: تقرير المصير الداخلي كخيار وحيد للاستقرار
إن الخلاصة العملية التي ينتهي إليها هذا التحليل تُقدّم تقرير المصير الداخلي لا بوصفه تنازلاً أو منحة تقدمها الأنظمة من موضع قوة، بل بوصفه المسار العقلاني الوحيد القادر على إنتاج استقرار حقيقي ودائم في دول الشرق الأوسط المتعددة. فالاستقرار المبني على الإنكار استقرار هشّ يشتري الوقت على حساب تراكم الاحتقان، في حين أن الاستقرار المبني على الاعتراف يُنتج شرعيةً حقيقية تجعل الانفصال خياراً أقل إغراءً وجاذبية.
ولا يعني تقرير المصير الداخلي للكورد نموذجاً واحداً جامداً ومقدساً لا بديل عنه؛ فهو قابل للتجسيد عبر صيغ متعددة تتناسب مع خصوصية وتاريخ كل دولة:
* الفيدرالية الإقليمية (كما هو الحال في العراق).
* اللامركزية الموسّعة مع الاعتراف الدستوري (كما يمكن أن يكون في سوريا ما بعد الصراع).
* نظام الحكم الذاتي الثقافي مع تمثيل سياسي متناسب (كما يمكن التفاوض عليه في تركيا وإيران).
إن المشترك الجوهري بين هذه الصيغ هو ضرورة وجود الاعتراف الدستوري الحقيقي لا الخطاب المجرد، والمشاركة الفعلية في القرار لا الوعود المعلقة. وفي نهاية المطاف، يبقى فحص الشروط الدولية المقارنة التي جعلت بعض هذه الصيغ تنجح وأخفقت في بعضها الآخر هو المفتاح لاستخلاص الدروس القابلة للتوظيف في الحالة الكوردية والشرق أوسطية عموماً.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟