مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 16:30
المحور:
القضية الكردية
مقال توثيقي أكاديمي
استناداً إلى مصادر موثقة من كرديبيديا ومدارات كرد وجريدة الرياض وغيرها
مقدمة: من رحم التاريخ المنسي
في الزوايا الخافتة من تاريخ الحركة القومية الكُردية، حيثُ تتقاطع المنافي مع الأحلام وتُرسَم خرائط الكفاح على صفحات المذكرات السرية، يقف أكرم بك جميل باشا الأمدي شامخاً كالأسوار التاريخية لمدينة آمد التي شهدت ميلاد أجداده. لم يكن مجرد فرد في عائلة نبيلة، بل كان روحاً قومية متوهجة، وسيفاً سلّه الزمن في مواجهة التهميش والطمس، وقلماً خطّ على صفحات النضال ما لم تستطع الحكومات محوه حتى حين صادرت أرضه وأشجاره.
هذا المقال التوثيقي محاولة لإعادة رسم ملامح هذا الرجل الاستثنائي، من خلال استقراء المصادر التاريخية المتاحة، واستحضار الشهادات الشفهية الموثقة، وإنصاف ذاكرة جماعية لشعب لا يزال يبحث عن صورة أبطاله المنسيين في المرايا المتشققة للزمن.
أولاً: العائلة الآمدية — شجرة جذورها من حجارة آمد
تنتسب عائلة جميل باشا إلى مدينة آمد ( ديار بكر) التاريخية، عاصمة القلب الكُردي في الشمال، تلك المدينة المحصنة بأسوارها البازلتية السوداء التي صمدت أمام قرون من التقلبات. وقد حملت هذه العائلة روح مدينتها: صلابة لا تنكسر، وهوية لا تُذاب.
لم تكن عائلة جميل باشا عائلةً عادية؛ فقد أنجبت نخبةً من المثقفين والسياسيين والمناضلين الذين حملوا مشعل الحركة القومية الكُردية في أحلك فتراتها. ولعل أبلغ دليل على مكانتها أن حكومة إقليم كردستان أقامت لها نصباً تذكارياً في أربيل — قلب كُردستان — يضم تماثيل نصفية لأبرز أبنائها.
إخوته وأخواته الموثقون
يشمل النصب التذكاري الذي أقامته وزارة الثقافة في حكومة إقليم كُردستان سبعة من أبناء العائلة، وهم:
١. أحمد جميل باشا — جدّ السلالة السياسية التي امتدت إلى البرلمان السوري
٢. قاسم جميل باشا — الشقيق الصامت الذي توارى خلف إخوته في صفحات التاريخ
٣. قدري جميل باشا — المفكر السياسي، أحد مؤسسي جمعية خويبون، رئيسها بين عامَي 1934 و1939
٤. أكرم جميل باشا — بطل هذا المقال
٥. وجدي جميل باشا — الأخ الخامس
٦. شرمين جميل باشا — من بنات العائلة اللواتي نلن مكانة تاريخية
٧. ناظمة جميل باشا — أختٌ أخرى حملت اسم العائلة بشموخ
يُضاف إلى هؤلاء محمد بك، الأخ الذي أقام في قرية معياش، وامتلك ستة قرى جنوب نهر الخابور، وكان الوحيد الذي احتفظ بجزء من ممتلكاته حين جاء المصادرة عام 1958.
ثانياً: أكرم بك — السيرة والشخصية
وُلد أكرم بك جميل باشا في أحضان مدينة آمد (ديار بكر)، وترعرع في بيت تتنفس جدرانه السياسةَ والكرامة. ولا تكشف المصادر عن تاريخ ميلاده الدقيق، غير أن وثيقة تاريخية نادرة محفوظة في الأرشيف كشفت أنه حاز رخصة قيادة سيارة بتاريخ السادس من حزيران عام 1930، حين كان مقيماً في المنطقة وفاعلاً في مجريات الحياة المدنية. وقد تزوج من السيدة جاويدة خانم، كما تشهد صورة عائلية نادرة تعود لعام 1929 محفوظة في كرديبيديا، تظهر فيها جاويدة خانم جالسةً وإلى جانبها واقفةً فريحة خانم ابنة عمة أكرم بك.
ملاحظة : ليس لدي معلومات أكيدة ففي الصورة الاولى كتب انها زوج. قدري بك حميل باشا وفي هذه الصورة مذكور انها زوج. اكرم بك جميل باشا ، لكن الارجح هي زوجة قدري بك ، لذا استوجبت الملاحظة
ثالثاً: المسيرة النضالية — من آمد إلى الدرباسية
البعثة السرية إلى كُردستان (1921)
في ذلك العام المفصلي من التاريخ الكُردي، حين كانت المنطقة تتحسس طريقها بين أنقاض الإمبراطورية العثمانية ووعود الحكومات الجديدة، أرسلت الجمعية الكُردية كلاً من أكرم جميل باشا والمثقف حمزة المُكسي إلى كُردستان لأداء مهام تخدم الأهداف السياسية والثقافية للحركة القومية. اضطلع أكرم بك بأنشطة سرية دقيقة في المناطق القريبة من آمد (ديار بكر). غير أن المهمة لم تُكلَّل بالنجاح كاملاً؛ إذ وقع في شرك دسيسة دبّرها رئيس عشيرة هڨێركان، عبد الكريم علي رمو، ذلك الرجل الذي كان يستضيفه في داره، فأبلغ عنه السلطات التركية، وأُلقي القبض عليه. كانت تلك من إحدى مفارقات الضيافة المرة التي ابتلى بها نضاله.
خويبون — إطار النضال المنظم
بعد أن هبّت عاصفة ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 ثم انكسرت على صخور القمع التركي، وجد أكرم بك وإخوته أنفسهم، كسائر النخبة الكردية المناضلة، مرغمين على مغادرة الأرض التي حملت أرواحهم. لجأوا إلى سوريا، وحصلوا على جنسيتها، وأسهموا في تأسيس ما بات يُعدّ أول منظمة قومية كردية في المنفى: جمعية خويبون (الاستقلال) عام 1927، تحت الرعاية الفرنسية في دمشق. وقد كان اسم أكرم جميل باشا، إلى جانب جلادت علي بدرخان وكاميران بدرخان وممدح سليم، في طليعة المسؤولين الذين قرروا ترقية الضابط الكُردي إحسان نوري إلى رتبة جنرال وإيفاده إلى أرضروم لقيادة ثورة جبل آغري الكبرى.
رابعاً: أرض الدرباسية — البناء في المنفى
لم يكتفِ أكرم بك بالنضال السياسي، بل كان رجلاً ذا رؤية عمرانية أيضاً. حين استقرت العائلة في منطقة الدرباسية شمال سوريا، عمد إلى تحويل قرية تعلك الشرقية — التي كانت تُعرف قديماً بـ «تل بشو» وتعود في أصلها إلى الكُرد الإيزيديين — إلى مركز حيوي بعد أن اشتراها منهم. أما تعلك الغربية فكانت مقاماً لأخيه قدري بك.
حرص أكرم بك على تعمير هذه الأرض بيديه؛ فزرع ما يزيد على عشرين دونماً من أراضي تعلك بالأشجار المثمرة التي أشرفت على نضجها حقب لاحقة، وأنشأ طاحونة خدمت السكان في تعلك وما حولها. وبلغت مساحة الأملاك التي كانت بيد العائلة في تعلك وشفقت ونصف صفيرة وطالعة وحدها أربعة وعشرين ألف دونم، فضلاً عن قرية هاجوغلي التي كانت تقع بين تربة وتعلك. وكانت قرية تعلك في تلك العقود تضم نحو سبعمائة عائلة، مسلمين وإيزيديين ومسيحيين معاً، في نموذج فريد للتعايش الذي رعاه أكرم بك بصدر رحب.
خامساً: مصادرة الأملاك — الانتقام بلا محاكمة
جاء قانون الإصلاح الزراعي في السابع والعشرين من أيلول عام 1958 إبان الوحدة المصرية السورية كالمطرقة على جبين هذه العائلة. فعلى الرغم من أن القانون نصّ نظرياً على تعويضات وتحديد سقف للملكية، فإن المصادرة التي طالت أملاك عائلة جميل باشا جرت بصورة مقصودة وانتقائية تكشف عن دوافع سياسية لا قانونية. لم تحصل العائلة على أي تعويض، ولم تستفد من المادة القانونية المتعلقة بتحديد السقف، وكأن الحكومة أرادت أن تُوقّع حكمها بقلم الانتقام لا بميزان العدل.
وفي قراءة تاريخية، يذهب الباحثون إلى أن هذا الانتقام جاء ثمناً لما كانت تتمتع به العائلة من ثقل في صفوف الحركة الوطنية الكُردية، ودورها الريادي في جمعية خويبون. استولت الحكومة على مزرعة أكرم بك وطاحونته، ووُزّعت أراضيه على فلاحين عرب ومجموعات قبلية مختلفة. وحين جُلب ما عُرف بـ «العرب الغمر» إلى المنطقة عام 1973، أجهزوا على ما تبقى من الكرمة وقطعوا أشجارها، كأنهم أرادوا اجتثاث ما زرعه أكرم بك من ذاكرة المكان.
بعد أن خسرت العائلة أرضها وأشجارها وطاحونتها، رحلت إلى دمشق، تحمل في أوردتها كل شيء إلا الكرامة.
سادساً: نداء الثورة — أكرم بك يحاول الالتحاق بالبارزاني
من أشد المشاهد عاطفيةً في سيرة أكرم بك تلك اللحظة التي — رغم كبر سنه وثقل ما عاناه — أبدى فيها رغبته الصادقة في الالتحاق بثورة البارزاني في كُردستان الجنوبية (العراق). حين بلغه صوت الثورة، لم تُضعف منه أعباء المنفى والمصادرة، بل زادته قناعةً بأن واجبه القومي أكبر من أملاكه المفقودة. وقد أوصى بأن يشرف أحد المقربين منه على ما تبقى من ممتلكاته، وأن يُرسل إليه ثمن المحصول ليضعه كله في خدمة الثورة. كان هذا الرجل، في خريف عمره، لا يزال يحلم بكُردستان حرة أكثر مما يحلم براحته.
سابعاً: الأسرة — الزوجة والأبناء والميراث الإنساني
جاويدة خانم — رفيقة المنفى
الانتباه للملاحظة السابقة فهناك شك في هذه المعلومة ،إذ يعتقد انها زوجة قدري بك جميل باشا
لم تكن جاويدة خانم مجرد زوجة بالمعنى التقليدي، بل كانت شريكةً في منفى طويل وأيام عصيبة. وما تلك الصورة النادرة المحفوظة في كرديبيديا والتي تعود إلى عام 1929 إلا شاهداً على حضورها وكرامتها؛ تجلس فيها بهدوء المرأة التي تحمل أكثر مما تُظهر، بينما تقف إلى جانبها فريحة خانم ابنة عمة أكرم بك، في مشهد عائلي يختصر الكثير.
أبناؤه وميراث التبني
أما مسألة الذرية فقد كانت من الجروح الصامتة في حياة أكرم بك؛ إذ حُرم من إنجاب الأبناء الذكور. وتشير المعطيات العائلية المتوفرة إلى أنه رُزق بابنة كانت مقيمة في بلجيكا، إلا أن أخبارها انقطعت، ولا تزال هذه الصفحة من سيرته غير مكتملة في السجلات.
وفي خطوة تجمع بين المحبة الأبوية والإيثار الأخوي، تنازل أكرم بك عن طفله لأخيه قدري الذي لم ينجب بدوره، فكان الطفل قدري — الذي يُعرف في التاريخ بوصفه ابناً لقدري جميل باشا — هو في الحقيقة ثمرة أكرم بك التي زرعها في حديقة أخيه. ومن نسل هذا الطفل تفرّعت سلالة استمرت في المشاركة السياسية؛ إذ نجح فؤاد قدري جميل باشا، أي حفيد أكرم بالمعنى الإنساني العميق، في الوصول إلى البرلمان السوري عام 1954.
ثامناً: التكريم الذي جاء متأخراً
في عام 2007، وبعد عقود من الصمت، أقامت وزارة الثقافة في حكومة إقليم كُردستان مهرجاناً تكريمياً لعائلة جميل باشا الآمدي (الدياربكري) في العاصمة أربيل. شمل المهرجان عرض فيلم وثائقي استغرق تصويره نحو سنة ونصف، جاب المخرجون خلاله أوروبا والعراق وسوريا وتركيا، مستخلصين خيوط سيرة عائلة مشتتة عبر القارات. وفي الختام، أُزيح الستار عن نصب تذكاري في "بارك" الشهيد سامي عبد الرحمن، يضم تماثيل نصفية لأبرز أبناء العائلة السبعة، منحوتةً فوق جدار أُقيم على هيئة سور مدينة آمد " ديار بكر" التاريخي، وبُنيت حجارته من نفس المادة التي شيّدت بها أسوار آمد القديمة — كأن الذاكرة أرادت أن تعود إلى البيت.
خاتمة: حين تبقى الروح حرة
في نهاية المطاف، يمكن القول إن أكرم بك جميل باشا جسّد ما هو أعمق من السياسة وأرسخ من الملكية؛ جسّد إصرار الإنسان على البقاء أوفياءً لهويته رغم كل مثبطات الجغرافيا والتاريخ. أُخرج من بلده، وصودرت أرضه، وقُطعت أشجار كرمته، وانقطعت أخبار ابنته، وتنازل عن ابنه لإخيه في نبل يعجز عنه كثيرون — ومع ذلك كله، لم تشهد مصادر التاريخ عنه سوى رجل ظل حتى آخر لحظة مشغولاً بكيف يوصل دعمه لثورة البارزاني، لا بكيف يسترد ما فقد.
ربما لهذا السبب بالذات يستحق أن يُكتب عنه. لا لأنه كان باشا وامتلك آلاف الدونمات، بل لأنه كان إنساناً آثر الحرية على الثروة، والهوية على الراحة، وأخاه على نفسه.
المصادر والمراجع
١. موقع كرديبيديا (Kurdipedia.org) — صورة جاويدة خانم زوجة أكرم جميل باشا، 1929، وصفحة قدري جميل باشا.
٢. موقع مدارات كرد — مقال «عائلة جميل باشا الدياربكرلي في منطقة الدرباسية»، د. نضال درويش، أغسطس 2019.
٣. موقع مدارات كرد — مقال «من أكثر الرجال اعتزازاً بأصله الكردي — حمزة المُكسي»، سالار آشتي، يونيو 2013.
٤. موقع gilgamish.org — «مهرجان التكريم القومي لعائلة جميل باشا الدياربكري في أربيل»، نوفمبر 2007.
٥. جريدة الرياض — «الأكراد في الجزيرة السورية: بين الحقائق وإملاءات السياسة»، يوليو 2018.
٦. ويكيبيديا العربية — مقالة خويبون.
٧. موقع شباب بوست / twsas.org — «من يكون قدري جميل؟»، يناير 2018.
٨. وثيقة رخصة قيادة أكرم جميل باشا، 6 حزيران 1930، محفوظة في الأرشيف.
٩. مالمسانج — كتاب «عائلة جميل باشا الدياربكري والنضال القومي الكردي»، ترجمة فضل الله برايم خان ودلشاد يوسف، ديار بكر، 2007.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟