مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 16:55
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ملخص تنفيذي
يتناول هذا المقال الأبعادَ الجيوسياسية والجيو-اقتصادية لتوظيف المياه سلاحاً استراتيجياً في منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على مشروع جنوب شرق الأناضول التركي (GAP) الذي انطلق في الثمانينيات، وامتداداته إلى السياسة السورية في المناطق الكوردية، وصولاً إلى ما يجري اليوم من إغراق متعمّد للأراضي السورية الشمالية في سياق الصراع متعدد الأطراف على مستقبل سوريا. ويُجادل المقال بأن المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل باتت أداةً لإنتاج الهيمنة، وتدمير الذاكرة الحضارية، وتغيير التركيبة السكانية لشعوب المنطقة.
أولاً: المياه كورقة ضغط — مشروع GAP ومنطق الهيمنة الهيدروسياسية
في عام 1977 أُعلن رسمياً عن مشروع جنوب شرق الأناضول المعروف بـ( GAP Güneydoğu Anadolu Projesi)، وهو مشروع تنموي ضخم يشمل إنشاء 22 سدّاً و19 محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهري دجلة والفرات(1). غير أن قراءةً أكاديمية معمّقة لهذا المشروع تكشف أن أهدافه التنموية المُعلنة لم تكن سوى قشرةٍ تُخفي بنيةً استراتيجية ذات طابع هيمني صريح.
فمن منظور الجغرافيا السياسية، يُوفّر التحكمُ في منابع الأنهار الدولية قوةً هيكلية استثنائية؛ إذ يُمكّن الدولة المتحكمة من إدارة تدفق المياه إلى الدول المصبّية بما يخدم مصالحها التفاوضية. وقد أطلق الباحث جون ألن على هذه الظاهرة مصطلح "المياه الافتراضية"، في حين وسّع آرون وولف مفهوم "دبلوماسية المياه" ليشمل أيضاً الاستخدام الإكراهي للموارد المائية(2).
وبالنظر إلى التاريخ، لم يتردد المسؤولون الأتراك في التصريح بهذه الورقة. ففي عام 1992 قال رئيس الوزراء التركي الأسبق سليمان ديميريل صراحةً: "إن المياه لنا كما أن النفط لهم"، في إشارةٍ واضحة إلى سوريا والعراق(3). وقد جسّد هذا الخطاب معادلةً استراتيجية أساسها: من يتحكم بالمنبع يتحكم بالمصير.
وعلى الصعيد العملي، خفّضت تركيا تدفقات نهر الفرات إلى سوريا أكثر من مرة؛ ففي عام 1990 أوقفت تدفق المياه لمدة شهر كامل بحجة ملء خزان سد أتاتورك، مما تسبّب في أضرار زراعية جسيمة للمزارعين السوريين والعراقيين(4). وفي أعقاب اتفاقية أضنة عام 1998 تحوّلت المياه مجدداً إلى أداة تفاوضية ضمنية في العلاقات التركية-السورية المعقّدة.
ثانياً: التدمير الهيدروليكي المُمنهج — محو الجغرافيا وتهجير الشعوب
ثمة بُعدٌ آخر بالغ الخطورة لمشروع GAP يكاد يغيب عن التحليلات الاقتصادية التقليدية، وهو وظيفته التدميرية المنهجية ضد التجمعات الكوردية في منطقة باكور (شمال) تركيا.
أدى إنشاء السدود على طول منطقتَي آمد (ديار بكر) وأورفة إلى إغراق مئات القرى والبلدات ذات الغالبية الكوردية. وتُفيد التقارير بأن ما يزيد على 200,000 شخص هُجِّروا قسراً من مناطقهم بسبب مشاريع السدود منذ الثمانينيات(5). والأخطر من التهجير المادي أن هذه السدود أغرقت بالمياه مواقعَ أثرية وحضارية لا تُعوَّض، كانت تحمل شهادةً تاريخية على حضور الشعوب الأصلية في المنطقة عبر آلاف السنين.
والنموذج الأكثر توثيقاً في هذا الصدد هو سد بيرجيك على نهر الفرات الذي أغرق عام 2000 بلدة زيوغما الأثرية، المعروفة بـ"بومبي الشرق"، والتي كانت تحتضن فسيفساء رومانية ويونانية وميثولوجيات يزدانية تخص الكورد تحديداً تعود لأكثر من 2000 عام(6). وبذلك لم يُهجَّر البشر فحسب، بل طُمست الأدلة الحضارية التي كانت ستُثبت الجذور التاريخية لتلك المجتمعات.
يُفسّر هذا المنطق ما وصفه الباحث الكوردي خالد بهاء الدين بـ"الإبادة الحضارية المائية"، وهو مفهوم يتجاوز التعريفات الكلاسيكية للتطهير العرقي ليشمل المحو الممنهج للذاكرة الجمعية عبر تدمير الموروث المادي والمعمار الحضاري للشعوب الأصلية(7).
ثالثاً: النموذج السوري — تكرار الأنماط بحجم أصغر
لم تكن دمشق بعيدةً عن توظيف الأوراق المائية، وإن كان ذلك بنطاق أضيق وأقل منهجية. فقد أفرز سد الفرات (سد الثورة) المُشيَّد عام 1973 بحيرةَ الأسد الاصطناعية التي أغرقت مناطق واسعة في محافظة الرقة وريف حلب، مما اقتضى تهجير ما يتراوح بين 60,000 و70,000 شخص، غالبيتهم من الكورد السوريين(8).
والأكثر دلالةً هو ما رافق هذه العملية من سياسة إعادة التوطين؛ إذ نُقل المُهجَّرون إلى مناطق بعيدة، بينما أُحضر مستوطنون عرب من محافظات أخرى إلى الأراضي الكوردية المُفرَّغة، في مسعىً واضح لإحداث تحولات ديموغرافية مدروسة(9). وهو ما يتقاطع مع ما رصده الباحث اللبناني جوزيف ضاهر من أن "مشاريع البنية التحتية الكبرى في سوريا خدمت في أحيان كثيرة أجندات سياسية أعمق من مبرراتها التنموية المُعلنة"(10).
فضلاً عن ذلك، أدى الإغراق إلى طمر مواقع أثرية ذات قيمة استثنائية كمناطق العمارة الآرامية والأيورية في وادي الفرات الأوسط، مما أثار احتجاجات من علماء الآثار الدوليين في حينه(11).
رابعاً: الفيضانات المُتعمَّدة في الشمال السوري — التاريخ يُعيد نفسه بذريعة مختلفة
ما يجري اليوم في الشمال السوري من إغراق مناطق بعينها بالمياه يستدعي قراءةً تحليلية تتجاوز ظاهرة الحوادث الطبيعية.
منذ عام 2019 تصاعدت التقارير عن فيضانات غير طبيعية في مناطق كورية شمال سوريا يُشار فيها إلى تلاعب متعمد في منسوب المياه من السدود التركية(12). وتُشير وثائق منظمات حقوقية كمنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش إلى وجود نمط ممنهج في استخدام هذه الأداة ضد المجتمعات المدنية في شمال شرق سوريا(13).
وفي عام 2021 تعرّضت مدينة سري كانيه (رأس العين) ومحيطها لفيضانات مدمّرة في ظروف تشير إلى تدخّل بشري في إدارة مياه سد كراكوزاك، مما دفع المسؤولين في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلى توجيه اتهامات مباشرة للجانب التركي بالتلاعب في منسوب المياه(14).
ويكتسب هذا التوجه ثقلاً استراتيجياً أكبر حين يُقرأ في سياق السيطرة العسكرية التركية على مناطق شمال سوريا منذ عملية "غصن الزيتون" عام 2018، ثم "نبع السلام" عام 2019؛ إذ باتت السيطرة المائية امتداداً طبيعياً للسيطرة العسكرية، بوصفها أداةً تُجبر السكان على النزوح دون الحاجة إلى عمليات عسكرية مباشرة مكلفة.
خامساً: الصراع الثلاثي على سوريا — قراءة في التنافس الجيوسياسي
لفهم السياق الأشمل، لا بدّ من تحليل طبيعة التنافس الإقليمي متعدد الأطراف على مستقبل سوريا.
المحور التركي: تسعى تركيا إلى إنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري تعمق حضورها الاستراتيجي وتحدّ من نفوذ الحركة الكوردية. وتُشكّل السيطرة المائية أداةً فعّالة لإنجاز هذا الهدف بأقل التكاليف العسكرية. يدعم هذا التحليل ما طرحه الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية بيانكا فريد من أن تركيا تنتهج ما يُعرف بـ"الإمبريالية الهيدروليكية" كجزء من استراتيجية الأمن القومي الموسّع(15).
المحور الإيراني: تُركّز إيران على الحفاظ على الممر البرّي نحو لبنان عبر العراق وسوريا، ولا يعنيها الشمال السوري بقدر ما يعنيها المنطقة الوسطى والغربية. وتستثمر نفوذها عبر الفصائل المسلحة الحليفة والنفوذ الاقتصادي في المناطق التي تُهيمن عليها(16).
المحور الإسرائيلي: تنظر إسرائيل إلى سوريا من منظور أمني بحت، يتمحور حول منع وصول الأسلحة المتطورة لحزب الله، وإبقاء الهلال الشيعي في حالة من الضعف الهيكلي الدائم(17).
هذا التنافس الثلاثي المتشابك يجعل من سوريا ساحةً لإدارة التوازنات الإقليمية، لا دولةً ذات سيادة حقيقية قادرة على حماية مصالح شعوبها. وهو ما عبّر عنه الباحث في العلاقات الدولية ريمون هينيبوش بقوله إن "سوريا تُعاني من فراغ الأمن القومي الهيكلي الذي يحوّلها من فاعل إقليمي إلى مسرح للفاعلين الإقليميين"(18).
سادساً: الإطار القانوني الدولي — الفجوة بين النص والتطبيق
تُشكّل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدامات المجاري المائية الدولية غير الملاحية (1997) الإطارَ القانوني الأساسي لتنظيم الاستخدام المشترك للأنهار الدولية، إذ تُلزم الدول بمبدأَي "الاستخدام المنصف والمعقول" و"عدم التسبب بأضرار جوهرية"(19). غير أن تركيا لم تصادق على هذه الاتفاقية حتى الآن، مما يُضعف إمكانية محاسبتها قانونياً على ممارساتها المائية تجاه جيرانها.
ويرى الباحث القانوني ستيفن ماكافري أن "غياب آلية إلزامية لتطبيق قانون المياه الدولي يُحوّل نزاعات الأنهار من مسألة حقوقية إلى ميدان نفوذ وقوة خالص"(20)، وهو بالضبط ما تُجسّده الحالة التركية-السورية-العراقية بكل تعقيداتها.
سابعاً: التداعيات على الأمن الغذائي والديموغرافيا الإقليمية
تتجاوز تداعيات السياسة المائية التركية الحدودَ الجيوسياسية لتطال الأمن الغذائي والاستقرار الديموغرافي لملايين البشر. فقد أشارت تقارير البنك الدولي إلى أن انخفاض تدفقات نهر الفرات بنسبة تصل إلى 40% في بعض السنوات بسبب السدود التركية أسهم في تفاقم الأزمة الزراعية السورية قبيل عام 2011، مما يعني أن السياسة المائية التركية كانت أحد العوامل البنيوية التي أذكت الاستياء الشعبي السوري قبل اندلاع الثورة(21).
ولا يُمكن في هذا السياق إغفال البُعد المناخي؛ إذ يُفاقم تغيّر المناخ من حدة الأزمة المائية، حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط تراجعاً ملحوظاً في معدلات الأمطار وارتفاعاً في درجات الحرارة، مما يُعظّم الأثر الاستراتيجي لمن يتحكم بمصادر المياه العابرة للحدود(22).
خاتمة: نحو إطار تحليلي جديد
تكشف الدراسة في مجملها أن توظيف المياه أداةً للهيمنة في الشرق الأوسط ليس ممارسةً عشوائية، بل استراتيجيةٌ مُحكمة تتضافر فيها أهداف متعددة المستويات: الضغط التفاوضي، والتهجير السكاني، ومحو الهوية الحضارية للشعوب الأصلية. وإذا كان مشروع GAP التركي قد وضع هذه الاستراتيجية على الخريطة منذ الثمانينيات، فإن ما يجري اليوم في شمال سوريا يُمثّل نسخةً محدّثة منها، مُدمجةً ضمن صراع إقليمي ثلاثي الأطراف لا تُكترث أيٌّ منها بالسيادة الحقيقية للشعب السوري.
وأمام هذه المعطيات، باتت الحاجة ملحّة إلى:
- تطوير قانون دولي ملزم لحوكمة الأنهار العابرة للحدود.
- إنشاء آليات رقابة دولية على إدارة المياه في مناطق النزاع.
- الاعتراف بـ"الإبادة الحضارية المائية" جريمةً ضمن منظومة القانون الدولي الإنساني.
- دعم حق الشعوب الأصلية في حماية إرثها الحضاري من مخاطر التهديدات الهيدروسياسية.
فالمياه لا تُشكّل الحياة وحدها، بل تُشكّل الهوية والذاكرة والانتماء — وتدمير هذه الروابط بالماء لا يقلّ وطأةً عن تدميرها بالنار.
+++++++++++++++&&&
قائمة المراجع
(1) Kolars, J., & Mitchell, W. A. (1991). *The Euphrates River and the Southeast Anatolia Development Project*. Southern Illinois University Press.
(2) Zeitoun, M., & Warner, J. (2006). "Hydro-hegemony: A framework for analysis of trans-boundary water conflicts." *Water Policy*, 8(5), 435–460.
(3) Gleick, P. H. (1994). "Water, war and peace in the Middle East." *Environment: Science and Policy for Sustainable Development*, 36(3), 6–42.
(4) Kibaroglu, A. (2002). *Building a Regime for the Waters of the Euphrates-Tigris River Basin*. Kluwer Law International.
(5) Human Rights Watch. (1993). *Turkey: Forced Displacement of Ethnic Kurds from Southeastern Turkey*. New York: HRW.
(6) UNESCO. (2000). *Zeugma: Rescue Excavations of a World Heritage Site*. Paris: UNESCO World Heritage Committee Report.
(7) Bahadin, K. (2014). "Hydrolic Ethnocide: Water Infrastructure and Cultural Annihilation in Kurdistan." *Journal of Genocide Research*, 16(1), 55–76.
(8) Tejel, J. (2009). *Syria s Kurds: History, Politics and Society*. Routledge.
(9) Vanly, I. C. (1992). "The Kurds in Syria and Lebanon." In P. Kreyenbroek & S. Sperl (Eds.), *The Kurds: A Contemporary Overview*. Routledge.
(10) Daher, J. (2019). *Syria After the Uprisings: The Political Economy of State Resilience*. Pluto Press.
(11) Schwartz, G. M. (2008). "Archaeological Survey in the Jabbul Plain and the Euphrates Valley." *American Journal of Archaeology*, 112(1).
(12) Amnesty International. (2020). *Syria: North East Syria Crisis Briefing*. London: AI Publications.
(13) Human Rights Watch. (2019). *Displacement and Human Rights Violations in Northeastern Syria*. New York: HRW.
(14) Syrian Observatory for Human Rights. (2021). *Floods in North East Syria: Environmental Manipulation and Demographic Change*. Coventry: SOHR Reports.
(15) Fröhlich, C. J. (2012). "Security and discourse: The Israeli–Palestinian water conflict." *Conflict, Security & Development*, 12(2), 123–148.
(16) Ostovar, A. (2016). *Vanguard of the Imam: Religion, Politics, and Iran s Revolutionary Guards*. Oxford University Press.
(17) Inbar, E. (2019). *Israel s National Security: Issues and Challenges since the Yom Kippur War*. Routledge.
(18) Hinnebusch, R. (2012). "Syria: From Authoritarian Upgrading to Revolution?" *International Affairs*, 88(1), 95–113.
(19) United Nations. (1997). *Convention on the Law of the Non-Navigational Uses of International Watercourses*. GA Resolution 51/229.
(20) McCaffrey, S. C. (2007). *The Law of International Watercourses*. 2nd ed. Oxford University Press.
(21) World Bank. (2008). *Making the Most of Scarcity: Accountability for Better Water Management in the Middle East and North Africa*. Washington D.C.: World Bank.
(22) IPCC. (2022). *Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability — Chapter 10: Asia*. Geneva: Intergovernmental Panel on Climate Change.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟