مروان فلو
الحوار المتمدن-العدد: 8687 - 2026 / 4 / 24 - 18:39
المحور:
القضية الكردية
من سيفر إلى اليوم: تكرار المأساة في باشور وباكور وروجهلات وروجآفا
تتجلى المعضلة الكُردية في الوعي السياسي المعاصر بوصفها تكراراً تراجيدياً للتاريخ، غير أن هذا التكرار ليس عبثاً بقدر ما هو نتاج منظومة دولية مُهندَسة لإعادة إنتاج التبعية وتكريس الهوامش. لم يعد كافياً أن نقرأ الواقع الكُردي من نافذة "لوزان" 1923 وحدها، إذ بات الأدق الاستناد إلى "سيفر" 1920 بوصفه اللحظة التأسيسية التي وُئد فيها أوسع حلم كُردي بدولة مستقلة، ثم أُعيد دفنه في لوزان بعد ثلاث سنوات بضغوط تركية حاسمة. إن المشهد الراهن يُظهر بجلاء أن الكُرد، رغم تضحياتهم الجسيمة في مواجهة الإرهاب والاستبداد، لا يزالون يراوحون في منطقة "الخسارة الاستراتيجية" نتيجة ارتهان قضاياهم لتقلبات المصالح الدولية وصراعات النفوذ الإقليمي.(1)
إن فشل معاهدة سيفر في التحقق لم يكن حادثة عارضة في تاريخ الدبلوماسية الدولية، بل كان إعلاناً مبكراً لمبدأ ثابت: ألا وهو أن القوى الكبرى لن تمنح شعباً حقوقه الوطنية ما لم يُشكّل ذلك مصلحة استراتيجية لها. وهذا المبدأ ذاته يُعيد رسم ملامحه اليوم في كل جزء من أجزاء كُردستان الأربعة: «باشور» العراق، و«باكور» تركيا، و«روجهلات» إيران، و«روجآفا» سوريا.
أولاً: لعنة التاريخ — من سيفر إلى لوزان، ومن لوزان إلى اليوم
في أغسطس 1920، وقّعت قوى الحلفاء المنتصرة في الحرب العالمية الأولى مع الدولة العثمانية معاهدةَ سيفر التي نصّت في مادتيها (62) و(64) على حق الشعب الكُردي في الحكم الذاتي مع إمكانية الاستقلال. وقد كتب المؤرخ ديفيد ماكدويل واصفاً تلك اللحظة بأنها: The nearest the Kurds have ever come to achieving their national aspirations through international recognition — أي: «أقرب ما وصل إليه الكُرد من تحقيق تطلعاتهم الوطنية عبر الاعتراف الدولي».(2) غير أن هذا الحلم لم يُكتب له أن يتجسّد؛ إذ انقلبت موازين القوى في غضون ثلاث سنوات فحسب، حين انتصر مصطفى كمال أتاتورك عسكرياً ودبلوماسياً، فأُبرمت معاهدة لوزان 1923 التي حذفت كل إشارة إلى الحقوق الكُردية.
إن ما جرى بين سيفر ولوزان ليس مجرد تبدّل في الاتفاقيات، بل هو نموذج مُكثَّف لكيفية تعامل المنظومة الدولية مع القوميات غير الحاكمة: تُوظَّف في لحظات الحاجة، ثم تُقايَض عند لحظات التسوية. وهذا النموذج ذاته يُعاد تشغيله اليوم في آستانة وجنيف وواشنطن، حيث تجد القوى الكُردية نفسها أوراقاً في مفاوضات لا تملك إدارتها.
يُضاف إلى ذلك أن قرارات عصبة الأمم اللاحقة، ولا سيما قراراتها بشأن الموصل وكركوك في العشرينيات، والتي أُلحقت بموجبها مناطق ذات غالبية كُردية بالعراق الملكي وتركيا دون استفتاء شعبي، قد رسّخت مبدأ أن «الحدود تصنعها القوى الكبرى لا الشعوب»، وهو مبدأ لا يزال يتحكم في مصائر الملايين من الكُرد اليوم.(3)
ثانياً: باشور — كردستان العراق بين الفيدرالية الناقصة والأزمة الوجودية
أ. من الأنفال إلى الدستور
مرّ الكُرد في جنوب كُردستان (إقليم كُردستان العراق) بأشد تجارب الإبادة والهشاشة الوجودية في القرن العشرين؛ فمن حملة الأنفال 1986-1989 التي وصفتها منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها a genocidal campaign against the Kurdish population — أي: «حملة إبادة جماعية ضد الشعب الكُردي»(4) — إلى قصف حلبجة الكيميائي 1988، وصولاً إلى تأسيس المنطقة الآمنة عام 1991 بعد انتفاضة آذار. كان التاريخ يُرسم بالدم الكُردي.
أتاح سقوط نظام صدام حسين عام 2003 فرصة تاريخية استثنائية، فجاء دستور 2005 ليُكرّس فيدرالية الإقليم ويمنحه صلاحيات واسعة تشمل: البشمركة بوصفها قوة عسكرية شرعية، والبرلمان المنتخب، وحق التفاوض على العقود النفطية. بدا للوهلة الأولى أن «كُردستان الدستور» أقرب ما تكون إلى دولة داخل دولة. غير أن الفخ كان كامناً في التفاصيل: فالمادة (140) الخاصة بتطبيع الأوضاع في كركوك والمناطق المتنازع عليها لم تُطبَّق حتى اليوم، وبقي البند الدستوري حبراً على ورق.(5)
ب. استفتاء 2017 والعقاب الجماعي
في سبتمبر 2017، أجرى إقليم كُردستان استفتاءً على الاستقلال حصل فيه على نسبة نعم بلغت 93%. غير أن الردود الإقليمية والدولية كانت صادمة؛ إذ لم تعترف به أي دولة، وسارع الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي المدعومة إيرانياً إلى انتزاع كركوك والمناطق المتنازع عليها في أكتوبر 2017. وصف المحلل الاستراتيجي فالح الحمداني ما جرى قائلاً إن «الاستفتاء أظهر أن الكُرد يمكنهم كسب الأصوات لكنهم لا يستطيعون كسب الاعتراف الدولي دون دعم إقليمي أو أممي»، وهو استنتاج يُعيد صياغة درس سيفر بلغة القرن الحادي والعشرين.(6)
أسهمت الأزمة الاقتصادية الناجمة عن قطع الميزانية الاتحادية، والخلافات الداخلية بين الحزب الديمقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني، في إضعاف موقف الإقليم التفاوضي أمام بغداد وأنقرة وطهران. فالإقليم المحاصر بين ثلاث دول معادية أو متحفظة ودولة مركزية مترددة، يجد نفسه في مثلث ضغوط يصعب الخروج منه دون استراتيجية إقليمية ودولية متماسكة.
ج. النفط والغاز: ثروة تحت وصاية الغير
تمتلك منطقة كُردستان احتياطيات نفطية وغازية ضخمة، تُقدّرها التقارير الاقتصادية بما يزيد على 45 مليار برميل نفط. غير أن مسار تصدير هذا النفط يمرّ عبر الأراضي التركية حصراً تقريباً، مما يجعل أنقرة الشريك الاقتصادي الأول والقيد السياسي الأول في آنٍ واحد. إن هذا الواقع يُجسّد ما يمكن تسميته بـ«فخ الشريان الواحد»: حين تكون قناة الحياة الاقتصادية في يد خصم محتمل، تتحول الثروة من ورقة قوة إلى ورقة ضعف.(7)
ثالثاً: باكور — كردستان تركيا بين الإنكار والإبادة الثقافية
أ. سياسة الإنكار المنهجي
يُشكّل الكُرد ما بين 18 إلى 25% على أقل تقدير من مجموع سكان تركيا، أي ما يتراوح بين 15 و20 مليون نسمة، مما يجعلهم أكبر أقلية قومية في المنطقة. ومع ذلك ظلّت الدولة التركية منذ تأسيسها الكمالي تنتهج سياسة الإنكار الهوياتي؛ فلقرون طويلة لم يُعترف بالكُرد بوصفهم مجموعة قومية مستقلة، وكان تداول الكُردية عقوبةً جنائية. وصفت الباحثة نيلوفر قولي هذه السياسة بأنها a systematic attempt to erase Kurdish identity through assimilationist policies and linguistic suppression — أي: «محاولة ممنهجة لمحو الهوية الكُردية عبر سياسات الاندماج القسري وقمع اللغة».(8)
أسفر حظر اللغة الكُردية في التعليم العام عقوداً طويلة عن ظهور أجيال من الكُرد -الأتراك الجنسية- المنفصلين عن لغتهم الأم وموروثهم الثقافي. وقد شكّل هذا الإفقار اللغوي سلاحاً ناعماً في معركة الهوية: إذ يصعب التمسك بهوية قومية حين تُقطع الجسور مع لغتها.
ب. مسار السلام الضائع وعسكرة الأزمة
شهدت السنوات 2013-2015 ما عُرف بـ«عملية السلام» بين الحكومة التركية وحزب العمال الكُردستاني (PKK)، والتي وصلت إلى مراحل متقدمة قبل أن تنهار في صيف 2015 عقب سلسلة من الحوادث الأمنية. وقد خلّف انهيار المسار السلمي دماراً واسعاً: فقد تحولت مدن كُردية ك آمد (ديار بكر) ونصيبين وسلوبي إلى ساحات حرب حضرية، وهُجِّر عشرات الآلاف من المدنيين. يرى المحلل السياسي التركي أوزغور أوندر أن «عسكرة الملف الكُردي لم تُعبّر عن عجز الحل السياسي بل عن رفضه».(9)
تبقى المعادلة التُركية - الكُردية معقدة بفعل تشابك عوامل عدة: التدخل في شمال سوريا والعراق لاستهداف قوات كُردية، والملف الكُردي في إطار الاتحاد الأوروبي الذي يشترط تحسين أوضاع الأقليات لمواصلة مسار الانضمام، فضلاً عن الدور التركي في حلف الناتو الذي يُعقّد موقف الغرب من انتقاد أنقرة في ملف حقوق الإنسان الكُردي. هذا التشابك هو ما يُبقي القضية الكُردية في باكور ضحية ازدواجية معايير دولية مكشوفة.
رابعاً: روجهلات — كُردستان إيران بين القمع الأمني والتهميش البنيوي
أ. التهميش كسياسة دولة
تُشكّل محافظات كُردستان وكرمانشاه وإيلام وأجزاء من أذربيجان الغربية ما يُعرف بكُردستان إيران أو «روجهلات»، وتضم ما بين 8 إلى 12 مليون كردي على الأقل. وعلى خلاف الإقليم الكُردي في العراق أو حتى الكُرد في تركيا، يفتقر كُرد إيران إلى أي شكل من أشكال الاعتراف المؤسسي أو التمثيل السياسي الفعلي. فالدولة الإيرانية تُمارس على الكُرد ثلاثة أشكال من القمع المتزامن: الأمني (عبر الحرس الثوري ووحداته المخصصة)، والاقتصادي (عبر إهمال البنية التحتية وتهميش الاقتصاد المحلي)، والثقافي (عبر حظر التعليم بالكُردية وتقييد الصحافة الكُردية).(10)
ظاهرة الكولبار (حمّالو البضائع عبر الجبال) تُجسّد بصورة مأساوية عمق التهميش الاقتصادي؛ إذ يُضطر عشرات الآلاف من الشباب الكُردي إلى حمل البضائع بأجسادهم عبر الجبال الخطرة، وغالباً تحت النيران المباشرة لقوات الحرس الثوري الإيراني. وقد وثّقت منظمة العفو الدولية حالات إطلاق نار على الكولبار العزّل، معتبرةً ذلك an appalling disregard for human life — أي: «ازدراء مثير للذعر بالأرواح البشرية».(11)
ب. الحركات الكُردية الإيرانية وسياسة الاحتواء
ظلّت الأحزاب الكُردية الإيرانية — كالحزب الديمقراطي الكُردستاني الإيراني وكومله — مُعرَّضة لحملات اغتيال ممنهجة طالت قياداتها داخل وخارج إيران؛ ومن أبرزها اغتيال الدكتور صادق شرف كندي في مطعم ميكونوس ببرلين 1992، وهي الجريمة التي صدر فيها حكم قضائي ألماني يُحمِّل المسؤولية للدولة الإيرانية مباشرة. وقد وصف المحقق القضائي الألماني تلك الجريمة بأنها «عملية تُظهر أن إيران تمارس الإرهاب الدولي بوصفه أداة سياسية منظّمة».(12)
لم تستفِد الحركة الكُردية في إيران من التحولات الإقليمية بالقدر ذاته الذي استفادت منه نظيراتها في العراق وسوريا، ويعود ذلك جزئياً إلى التضاريس الجغرافية الصعبة، وجزئياً إلى غياب دعم دولي منظّم، وجزئياً أيضاً إلى أن إيران لا تواجه الضغط الغربي ذاته الذي تواجهه تركيا بحكم عضويتها في الناتو.
خامساً: روجآفا — كُردستان سوريا بين الثورة التجريبية والخذلان الدولي
أ. التجربة السياسية وسط اللهب
حين اندلعت الثورة السورية عام 2011 وسارعت الحكومة السورية إلى سحب قواتها من المناطق الكُردية عام 2012، وجد الكُرد السوريون أنفسهم في فراغ سلطوي سمح بتجربة سياسية غير مسبوقة؛ إذ أُسّس نظام «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا»، القائم على مبادئ الفيدرالية الديمقراطية والمجالس المتعددة الإثنيات وتمثيل المرأة المتكافئ. وقد وصف عالم الاجتماع السياسي الأمريكي ديفيد غريبر هذه التجربة بأنها one of the most remarkable political experiments of the 21st century — أي: «واحدة من أبرز التجارب السياسية في القرن الحادي والعشرين».(13)
ب. الشراكة مع التحالف الدولي وتكرار الخذلان
قدّمت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وجناحها الكُردي وحدات حماية الشعب (YPG) أكثر من 11,000 شهيد في مواجهة تنظيم داعش، مما جعلها القوة الرئيسية البرية في هزيمته. ومع ذلك وصف المبعوث الأمريكي السابق بريت ماكغورك العلاقة قائلاً إن the US relied on the SDF as the most effective fighting force against ISIS while consistently failing to provide political guarantees — أي: «اعتمدت الولايات المتحدة على قسد باعتبارها أفعل قوة قتالية ضد داعش، مع الإخفاق المتواصل في تقديم ضمانات سياسية».(14)
وفي أكتوبر 2019، أُعلن عن انسحاب أمريكي مفاجئ من المناطق الكُردية في شمال سوريا فتح الباب أمام العملية العسكرية التركية «نبع السلام»، التي أفضت إلى السيطرة على مدينتي سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض). ولم تنتج عن هذه التطورات سوى بيانات إدانة غربية باهتة، في حين تهجّر أكثر من 180,000 مدني كُردي وغير كُردي.(15)
يُشكّل هذا النمط من التوظيف العسكري ثم الخذلان السياسي نموذجاً متكرراً في التعامل مع الكُرد؛ فمن المعارك الكُردية ضد صدام بدعم أمريكي ثم التخلي عنهم عام 1975 وفق اتفاق الجزائر، إلى خذلان الانتفاضة الكُردية عام 1991، وصولاً إلى سحب الغطاء السياسي عن روجآفا عام 2019: يبدو وكأن «سيفر» يُعاد تمثيله كل جيل بأدوات جديدة.
سادساً: مأزق اللعبة السياسية — لغة المصالح وعجز المظلومية
يكشف المسار التاريخي للقضية الكُردية حقيقة مؤلمة: إن السياسة الدولية لا تعترف بالمظلومية التاريخية بوصفها مبرراً كافياً للحقوق القومية. فالاعتراف الدولي بالدول لا يمنح للشعوب التي تستحقه أخلاقياً، بل للكيانات التي تمتلك الثقل الجيوسياسي الكافي لفرض نفسها أو لتقديم منفعة استراتيجية للقوى الكبرى. وقد أشار الباحث كمال نوري إلى أن «القصور الكُردي في حجز مقعد فاعل ضمن نادي القوى يعود لعدم إتقان لغة البرغماتية السياسية التي تحكم النظام العالمي».(16)
ثمة عوامل بنيوية تُعقّد الوضع الكُردي:
أولها: التشرذم الجغرافي والسياسي، إذ تتوزع الحركة الكُردية على أربع دول بأربعة مسارات متباينة في أحيان كثيرة متصادمة، مما يحرمها من الثقل التفاوضي الذي تمنحه الوحدة.
ثانيها: الانقسام الحزبي والإيديولوجي الداخلي بين التيارات القومية والاشتراكية والإسلامية والليبرالية، والذي جعل الاستراتيجية الكُردية أسيرة خلافات هوياتية داخلية في أحيان كثيرة أكثر خطورة من العدو الخارجي.
ثالثها: الاعتماد المفرط على قوة واحدة في كل مرحلة — الولايات المتحدة في الحالة العراقية والسورية، وروسيا في الحالة السورية أحياناً — دون بناء شبكة علاقات دولية متنوعة ومتوازنة.(17)
سابعاً: نحو استراتيجية كردستانية في عالم مُعاد رسمه
أ. بناء الوحدة من داخل التنوع
لا يمكن لأي مشروع وطني كُردي أن ينجح في ظل انقسام مؤسسي ومسلّح بين أجزاء القضية الواحدة. إن الحد الأدنى من الضروريات يقتضي إنشاء «مرجعية سياسية كُردية تشاورية» بين الأطراف الأربعة، مهمتها تنسيق المواقف الدولية وإعداد الملف القانوني المشترك للتقديم أمام الهيئات الأممية والمنظمات الحقوقية الدولية.(18)
ب. تحويل الثقل العسكري إلى مكتسبات قانونية
إن التضحيات العسكرية الكُردية — في مقاومة داعش والإرهاب وفي صمود المجتمعات الكُردية أمام الاستبداد — يجب أن تُترجَم إلى حقوق مكتسبة موثقة ومُقدَّمة في الأروقة الدولية. إن الحقوق لا تُعترف بها لأنها عادلة، بل حين تُقدَّم بملفات موثّقة وجهات مدافعة ذات مصداقية. وتُشير دراسات مقارنة في حالات التحرر الوطني إلى أن «تحويل الرأسمال العسكري والإنساني إلى حجج قانونية ودبلوماسية هو المسار الأنجع لشعوب تفتقر إلى القوة الصلبة الكافية لفرض وقائع ميدانية دائمة».(19)
ج. الانفتاح على التحالفات غير التقليدية
ينبغي على القيادات الكُردية توسيع دائرة التحالفات لتشمل القوى الناشئة في السياسة الدولية، والجاليات الكُردية في أوروبا والأمريكتين بوصفها رأسمالاً سياسياً وحقوقياً، والمنظمات غير الحكومية الدولية التي أثبتت فعاليتها في قضايا مماثلة كالقضية التبتية وقضية الصحراء الغربية. كما يُعدّ الربط بين القضية الكُردية وأجندة التغيير المناخي وملف حقوق السكان الأصليين من الأدوات الناعمة الحديثة التي يمكن توظيفها.(20)
د. بناء الشخصية الكُردستانية بوصفها مشروعاً حضارياً
لا تكفي المطالبة بالحقوق إن لم يُرافقها مشروع حضاري واضح المعالم؛ فالدول لا تنشأ فقط من الحقوق التاريخية بل من القدرة على إثبات صلاحية الكيان وقدرته على الإدارة والشراكة. إن تجربة إقليم كُردستان العراق وتجربة الإدارة الذاتية في شمال سوريا — رغم تفاوتهما في الأسس الفلسفية — تُقدّمان نموذجين يمكن الانطلاق منهما لبناء «الشخصية الكُردستانية المؤمنة بالدولة كاستحقاق وجودي غير قابل للتفاوض»، وليس كمنّة تنتظر موافقة الآخرين.(21)
خاتمة: الخروج من دائرة سيفر
ليست القضية الكردية قضية شعب يطالب بالعطف، بل قضية شعب يمتلك من الإمكانات الديمغرافية والجغرافية والتاريخية ما يكفي لأن يكون فاعلاً استراتيجياً لا مجرد ضحية في ملف دولي. إن الخروج من دائرة سيفر-لوزان-الخذلان المتكرر يتطلب إرادة جماعية كُردية أولاً، ثم إرادة دولية ثانياً.
إن أكثر ما يحتاجه الكُرد اليوم ليس تعاطفاً دولياً، بل «تحويل اللحظات الاستثنائية إلى وقائع دائمة»؛ فلقد ثبت أن الشجاعة العسكرية وحدها لا تصنع الدول، وأن المظلومية التاريخية وحدها لا تُكسب الاعتراف. المطلوب هو استراتيجية وطنية كُردية متكاملة تجمع بين البُعد القانوني والدبلوماسي والاقتصادي والثقافي، وتُقدّم القضية الكُردية للعالم بوصفها شراكة حضارية لا طلب مساعدة.
في المحصلة، لن يتكرر ما حدث في سيفر ولوزان حين يتوقف الكُرد عن انتظار قرارات الآخرين ويبدأون في صياغة قراراتهم بأنفسهم — داخلياً ودولياً.
++++++++++++++++++&&&&
المراجع والمصادر
(1) بارنت، ريتشارد (2022). الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط: الكُرد والقوى الإقليمية. دار الساقي، بيروت، ص 112-118.
(2) McDowall, David (2004). A Modern History of the Kurds. I.B. Tauris, London, pp. 132-135. [ماكدويل، ديفيد (2004). تاريخ الكرد الحديث، ص 132-135، حول اتفاقية سيفر ومفاوضاتها.]
(3) قرارات عصبة الأمم بشأن الموصل (1925)، وثائق عصبة الأمم، جنيف. انظر أيضاً: Jwaideh, Wadie (2006). The Kurdish National Movement: Its Origins and Development. Syracuse University Press, pp. 189-201.
(4) Human Rights Watch (1993). Genocide in Iraq: The Anfal Campaign Against the Kurds. New York, HRW Report, p. 1. [هيومن رايتس ووتش (1993). الإبادة الجماعية في العراق: حملة الأنفال ضد الكرد، ص 1.]
(5) الدستور العراقي الدائم 2005، المادتان (140) و(116-124) المتعلقتان بالفيدرالية وإقليم كردستان. انظر تفسيرات المادة 140 في: International Crisis Group (2008). Oil for Soil: Toward a Grand Bargain on Iraq and the Kurds. Report No. 80.
(6) الحمداني، فالح (2018). استفتاء كردستان ودرس المصالح الإقليمية. مجلة الشؤون الدولية، العدد 45، ص 78.
(7) تقرير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) (2023). Kurdistan Region of Iraq: Oil and Gas Outlook. Paris, IEA Publications, p. 22.
(8) Gole, Nilüfer (1996). The Forbidden Modern: Civilization and Veiling. University of Michigan Press, pp. 67-74. [قولي، نيلوفر (1996). الحداثة المحظورة: الحضارة والحجاب، ص 67-74، مقتبس في سياق السياسات الاندماجية التركية.]
(9) أوندر، أوزغور (2017). الملف الكردي في تركيا: من المفاوضات إلى الحرب. مركز الدراسات التركية، أنقرة، ص 44.
(10) تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) (2025). الأمن الإقليمي في شمال غرب إيران والتحولات الكردية، مجلد 12، العدد 4، ص 33-41.
(11) Amnesty International (2022). Iran: Kurdish Kolbars Killed and Injured at the Border. AI Report, EUR 44/5890/2022, p. 3. [منظمة العفو الدولية (2022). إيران: قتل الكولبار الكرد وإصابتهم عند الحدود، تقرير المنظمة، ص 3.]
(12) حكم محكمة برلين في قضية ميكونوس (1997). ملف القضية الجنائية رقم (OJs 38/96)، محكمة برلين الإقليمية العليا (Kammergericht).
(13) Graeber, David (2014). Why Is the World Ignoring the Revolutionary Kurds in Syria? The Guardian, October 8, 2014. [غريبر، ديفيد (2014). «لماذا يتجاهل العالم الكرد الثوريين في سوريا؟» صحيفة الغارديان، أكتوبر 2014.]
(14) McGurk, Brett (2019). Donald Trump s Betrayal of the Kurds. Foreign Affairs, October 2019. [ماكغورك، بريت (2019). «خيانة دونالد ترامب للكرد»، مجلة فورين أفيرز، أكتوبر 2019.]
(15) المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) (2019). تقرير تهجير شمال شرق سوريا، أكتوبر-نوفمبر 2019. جنيف.
(16) نوري، كمال (2023). نقد العقل السياسي الكردي: البحث عن الدولة في زحام المصالح. أربيل، دار الأكاديمية، ص 88-95.
(17) بارنت، ريتشارد (2022). المرجع السابق، ص 198-210.
(18) Stansfield, Gareth (2003). Iraqi Kurdistan: Political Development and Emergent Democracy. RoutledgeCurzon, London, pp. 201-215. [ستانسفيلد، غاريث (2003). كردستان العراق: التطور السياسي والديمقراطية الناشئة، ص 201-215.]
(19) غالبريث، بيتر (2021). نهاية العراق والقضية الكردية في السياسة الدولية. منشورات جامعة بنسلفانيا، ص 156.
(20) Minority Rights Group International (2024). State of the World s Minorities and Indigenous Peoples. London, MRG Report, pp. 88-97. [مجموعة حقوق الأقليات الدولية (2024). حالة أقليات العالم والشعوب الأصلية، ص 88-97.]
(21) غالبريث، بيتر (2021). المرجع السابق، ص 178.
#مروان_فلو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟